
الماغوط،
بريشة الفنان السوري حسام وهب
في صحة
وطن لم يخنه
الماغوط
رحيل اثر
رحيل على رصيف الخسائر، أي انسان يفي الماغوط حقه
في هذا العالم؟ لا احد.
"
ضع منديلك الأبيض
على الرصيف
واجلس
إلى جانبي تحت ضَوْء المطر الحنون
لأبوح لك بسرّ خطير
اصرف
أدلاءك ومرشديك
وألق
إلى الوحل أو إلى النار بكل ما كتبت من حواشي
وانطباعات
إن
أي فلاّح عجوز
يروي
لك في بيتين من العتابا كل تاريخ الشرق
وهو
يدرّج لفَّافَته أمام خيمته
أحب
التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف ولكنني أحب الرصيف
أكثر،
أحب
الغابات والمروج اللانهائية ولكنني أحب الخريف أكثر،
أحب
الشهيق والزفير ورياضة الصباح
ولكنني
أحب السعال والدخان أكثر".
الرصيف البارد وحبات المطر
وأكوام البرد المتلبدة صقيعا على جفنيه الثقيلتين
جعلتاه طوال مسيرتة
الثمانين عاما ينزف منها احاديثة تارة حبرا وأرى دما
على روشة
بيروت او مقهى احتضن جسده بين عبق
التبغ وابخرة انفاس المتعبين، يرثي بها فجر يوم
في قرية "السالمية" في غرفة
مسدلة الستائر معتمة الوجه استقبلت الفتى الآتي بنواح
بلاد رثاها من بيروت الى
عدن.
ومرة أخرى.. رحل الماغوط، كما جاء
اول الامر ورحل مرارا وعاد، منذ "حزن في ضوء
القمر" مسكونا بالتمرد
والسخرية عصارة مرارته. رحل الماغوط "شرق عدن.. غرب
الله"
حاملا معه بقايا سيجارة خبأ فيها
القليل من التبغ وقصيدة سرية تتلقفها "سنية صالح"
من بين اصابعه، تمتص رائحة
الدخان وتبتلع طعم الالم الحارق من عقب سيجارة لألى
تحرق
بضع ابيات خطها الماغوط من من لون
التبغ المنقوع.
رحل الماغوط.. ولم يخن وطنه كما
توعد بل خانته كل الاوطان حتى مات ليتذكره
الشعراء والكتاب، ليتذكره
رفاق خانوه، وخونة رافقوه، لتنزف الاقلام وتسفح من
الحبر
ما لم يحتج الماغوط في حياته منه
سوى جرة قلم.. أريد وطني!
هل نعمد الماغوط بسرد
تاريخي لحياته، موجز سريع يلخص ميلاده ووفاته! ونعرج
على
اعماله. ثم ننتهي ونقول في خاتمة
الموضوع: لقد خسرت الامة العربية والادب العربي
واحدا من اهم رموزه مساء
الاحد الماضي وقد شيع الى مثواه الاخير بحضور..الخ الخ!
ان أي فلاح عجوز يروي لك
بيتين من العتابا يقول الماغوط. وان أي كاتب عجوز يرصف
لك صفحتين عن الماغوط . أي
قارئ أي منفي أي مدمن تبغ، أي انسان يفي الماغوط حقه
في
هذا العالم؟ لا احد. الا من شحذ
الماغوط لأجلهم حبات المطر وارصفة بيروت، جدران
النارين ومقاهي المنفى، لا
من اعجبتهم ما سموها ريادته للنثر ولا من وصفوه ببلاط
السياسة. ليس هؤلاء جميعا
ولا نحن انه الوطن الذي لم يندم الماغوط على شيء فيه
سوى
انه سرق ذات طفولة مغبرة حبات
المشمش من شجيرات جار ثري. "لا
اكتب احجية، انا ارسم فقط" قال شهيد ريشته التي ابتلعت
الرصاصة ناجي العلي
حين سال من هو، وهكذا اجاب
الماغوط شهيد القلم الذي حشرجة الوطن في شريانه " فأنا
لا أجيد شيئا سوى الكتابة،
أما نتائج المعركة فلست أهتم لها.. لست رجل خطط، ولا
اعرف كيف أخطط لشيء ولذلك
كنت أفشل عسكري".
احب فيروز ورافق أدونيس، فأطفأوا
المذياع عن أغانيها وتركه ادونيس وحيدا في
الزنزانة، وحين هجرته
الاغاني وضاق السجن به امسى ينظر مدهوشا كبدوي
لاوتيلات
اوروبا ويرثي زوارها ويجهش
بالسخرية والسخرية والسخرية:
"
طفولتي بعيدة..
وكهولتي
بعيدة..
وطني
بعيد.. ومنفاي بعيد..
أيها
السائح أعطني منظارك المقرِّب
علَّني
ألمح يداً أو محرمةً في هذا الكون تُوْمِئُ إليَّ
صوِّرني
وأنا أبكي وأنا أقعي بأسمالي أمام عتبة الفندق
وأكتب على قفا الصورة هذا شاعرٌ
من الشرق".
ويسرف الماغوط رحيلا في ألوان
الكتابة.. هو لا يتقن الا الكتابة والكتابة بحره
وهو الميناء، فلم يوفر قلمه
أي وسيلة الا وخاضها مبدعا خالدا فيها، مخلدا معه رفيق
فنه دريد لحام الذي تبرأ من
ماضيه معه فصار سفيرا للنوايا الحسنة فيما استمر
الماغوط سفيرا لآلام شعبه
.. وحين طفح المسرح بهزليات السفاسف ظلت احتفاليات
التلفزيونات العيدية تتسابق
الى "ضيعة تشرين" التي خرج من الهزيمة الى النصر،
و"غربة" العربي في معامل
الغرب وغبار ذكريات "شقائق النعمان". ولما اسرفت
الفضية في
وساخة السينما الحديثة لم تتجرأ
على الابتعاد عن "التقرير" الذي داسته غوغاء
الجماهير التي سيرتها
الدول، او "الحدود" التي فرضها الماغوط سخرية طافحة من)سايكسبيكوهات)
العرب.
حاول الرفي ان يدرس الزراعة ليعود
بها علما الى حقول حماة وبساتينها، ورغم ذكاءه
الى انه تخلى عن دراسته حين
اكتشف انه لن يقوى على قتل بقة ، فاختصاصه كما اكتشف
وصرح ابادة حشرات البشر
وليست تلك المخلوقات البائسة. منتميا كما هي عادته الى
قضاياه الخاسرة، الخاسرة
دائما، حتى الرحيل حالما بقضية خاسرة تنتصر يوما
وتمتشق
كالسيف تظلل لحد قبره: أي نم يا
شريكي.
" المرأة
التي أحلم بها
لا تأكل ولا تشرب ولا تنام
إنها ترتعش فقط
ترتمي بين ذراعيّ وتستقيم
كسيف في آخر اهتزازه".
لنشعل لفافة تبغ ونقضم قرص جبنة
صفراء، علها تطفئ احتراق جرعات العرق الرخيص في
المريء الذي شربناه كأسا
بصحة وطن لم يخنه الماغوط.
إن القدرة على التعبير هي القدرة
على الحياة
|