<% Dim fsoObject 'File System Object Dim tsObject 'Text Stream Object Dim filObject 'File Object Dim lngVisitorNumber 'Holds the visitor number Dim intWriteDigitLoopCount 'Loop counter to display the graphical hit count Set fsoObject = Server.CreateObject("Scripting.FileSystemObject") Set filObject = fsoObject.GetFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) Set tsObject = filObject.OpenAsTextStream lngVisitorNumber = CLng(tsObject.ReadAll) lngVisitorNumber = lngVisitorNumber + 1 Set tsObject = fsoObject.CreateTextFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) tsObject.Write CStr(lngVisitorNumber) 'Reset server objects Set fsoObject = Nothing Set tsObject = Nothing Set filObject = Nothing For intWriteDigitLoopCount = 1 to Len(lngVisitorNumber) Response.Write("") Next %>
                            ان القدرة على التعبير هى القدرة على الحياة // تصدر عن مؤسسة الانباء العالمية للصحافة والطباعة والنشر والدعاية والاعلان
 

دعوة للأخر
مقالات رئيس التحرير

جورج تينيت في «قلب العاصفة» يتبرأ من الحرب على العراق ويكشف أسراراً عن عرفات واجتماعات مع الليبيين منذ 1999

لا يروي جورج تينيت الذي شغل منصب نائب مدير ثم مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مجرد ذكريات خاصة لموظف كبير في أخطر جهاز أمني على وجه الأرض، بل يكشف وقائع ويصدر أحكاماً في خصوص أشخاص ويخرج باستنتاجات ربما يكون أبرزها ما كتب في ختام مذكراته «في قلب العاصفة» قائلاً: «الشعوب في منطقة الشرق الأوسط تحتاج الى أساس يسمح لها بالانتقال الى نظم حكومية أكثر تمثيلاً وفق طريقتها الخاصة. ومجرد المناداة بالديموقراطية من دون وجود مجتمع مدني نشيط، ربما يعيدنا الى وراء ويقوّي المتطرفين».

أحب ابن العائلة اليونانية المهاجرة الى كوينز (نيويورك) الشرق الأوسط حيث «أشعر انني في بيتي»، وهو يعترف صراحة «لو اننا سعينا بجدية الى تجديد المناقشات قبل سنين من الآن، (بين الفلسطينيين والإسرائيليين) لربما كنا استطعنا التخفيف من الهيجان السائد(...) وإيجاد مناخ أكثر مواتاة لتحقيق السلام وضمان الأمن في المنطقة بعيداً من التطرف الإسلامي الذي نشهده اليوم».

وإذ يكشف تينيت كيف أن «وكالته» «قادت» عملية القضاء على نظام «طالبان» في أفغانستان، يُعلن صراحة عدم مسؤولية الاستخبارات الأميركية عن الحرب على العراق.

وفي مذكرات جورج تينيت التي تبدأ «الحياة» نشرها اليوم، أسرار «انعطافة» العقيد معمر القذافي الحادة والسؤال «الأبدي» عن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وهل أراد فعلاً دولة فلسطينية؟

ويروي ان الـ «سي آي أي» كانت تعقد اجتماعات سرية مع مسؤولين ليبيين كبار منذ 1999. وكان يقود الوفد الليبي رئيس الاستخبارات لدى العقيد معمر القذافي، موسى كوسا، الحاصل على شهادة ماجستير من جامعة ولاية ميشيغان الأميركية في سنة 1978. وفي أوائل أيلول (سبتمبر) 2003 التقى ممثلان للاستخبارات الأميركية والبريطانية العقيد القذافي بحضور كوسا، وأبلغ الزعيم الليبي محدثيه: نريد تنظيف الملف.

ويخصص جورج تينيت الذي كان آخر مسؤول أميركي كبير يقابل عرفات، فصلاً عن الزعيم الفلسطيني: «كان عرفات بطل الثورة وقائد الشعب، والحقيقة الوحيدة الصلبة التي لا يمكن اجتنابها. وكم من مرة في غرفة المفاوضات تمنينا جميعاً أن يختفي. مع ذلك، ما أن يخرج من الباب حتى يصبح الحديث عنه وحده».

ومما يذكر تينيت انه سلم الى البيت الأبيض في 13 آب (أغسطس) 2002 ورقة أعدتها الـ «سي آي أي» بعنوان «العاصفة الكاملة: التخطيط للعواقب السلبية لغزو العراق» وتوقعت الورقة الآتي:

«ستواجه الولايات المتحدة عواقب سلبية في العراق والمنطقة وخارجها، تشمل:

- الفوضى وتفكك مناطق العراق.

- عدم استقرار يهدد النظام في دول عربية رئيسة.

- تزايد الإرهاب العالمي ضد المصالح الأميركية.

- انقطاعات كبيرة في واردات النفط وتوترات حادة في تحالف الأطلسي»._ الحياة _

 

«في قلب العاصفة»
مذكرات جورج تينيت (1)

... فجر أول أيام الجنون العالمي 12/9/2001 يشهد اتهام ريتشارد بيرل المبكر للعراق

طلع فجر الأربعاء 12 أيلول (سبتمبر) 2001، مفتتحاً أول يوم يضرب فيه الجنون العالم. في الصباح الباكر، بعد سويعات من النوم، توجّهت نحو الباب الأمامي للسيارة المصفّحة «فورد إكسبدِشن» التي كانت تنتظر لتقلّني للاجتماع برئيس الولايات المتحدة.

كانت التدابير الأمنية خارج منزلي في ضواحي واشنطن في مريلند أكثر شدة من ذي قبل. وعندما وصلت إلى البيت الأبيض، شاهدت الانتشار الكثيف لرجال جهاز الأمن السري الذين تفصل واحدهم عن الآخر بضعة أقدام وهم يلوّحون بأسلحتهم. وكانت الطائرات المقاتلة التي تجوب الأجواء فوق العاصمة مرئية بوضوح. فقبل أقل من أربع وعشرين ساعة، تعرّضت أميركا لهجوم شنّه جيش أجنبي غير حكومي. قُتل آلاف في مدينة نيويورك، والبنتاغون، وفي حقل في بنسلفانيا. وكان لدينا في السي آي اي سبب وجيه للاعتقاد باحتمال وقوع مزيد من الهجمات في الساعات أو الأيام التالية، وأنّ 11/9 ليس سوى الرشقة الأولى من هجوم متشعّب على البرّ الأميركي.

هذه الأفكار كلها كانت تثقل ذهني عندما مشيت تحت المظلّة التي تؤدّي إلى الجناح الغربي، وشاهدت ريتشارد بيرل خارجاً من المبنى فيما أهمّ بدخوله. وبيرل هو أحد عرّابي حركة المحافظين الجدد، وكان ذات يوم رئيس مجلس السياسة الدفاعية، وهو مجموعة مستقلة تقدّم المشورة لوزير الدفاع. لم تكن العلاقة بيننا أكثر بكثير من معرفة عابرة. وعندما أغلقت الأبواب خلفه، نظر كل منّا إلى الآخر وهزّ رأسه. وعندما وصلت إلى الباب، التفت بيرل إليّ وقال: «يجب أن يدفع العراق ثمن ما حدث أمس. إنّهم يتحمّلون المسؤولية».

ذُهلت، لكنّني لم أقل شيئاً، فقبل ثماني عشرة ساعة، تفحّصت كشوف المسافرين على متن الطائرات المختطفة الأربع وأظهر ذلك بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ «القاعدة» تقف وراء الهجمات. وفي الأشهر والسنين التالية، تفحّصنا بعناية احتمال وجود دور تعاوني لدول راعية، ولم تعثر الاستخبارات لا في ذلك الوقت ولا الآن على أي دليل على تواطؤ عراقي.

التفتّ إلى بيرل عند حاجز جهاز الأمن السري وتساءلت: تُرى عمّ يتحدّث؟ وبعد لحظات، خطر في بالي سؤال ثانٍ: مع من كان ريتشارد بيرل مجتمعاً في البيت الأبيض في صباح هذا اليوم الباكر بالذات؟ ولم أتوصّل قط إلى جواب عن السؤال الثاني.

طغى موضوعا الإرهاب والعراق التوأمان، في السرّاء أو في الضراء، على سنواتي السبع كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية. وعندما تركت منصبي في تموز (يوليو) 2004، بدا أنّ هذين الموضوعين حجبا كل عمل آخر أنجزته وكالة الاستخبارات المركزية، وكل القضايا الأخرى التي واجهتها في عملي. ومنذ ذلك الوقت وأنا أفكّر في ذلك اللقاء الوجيز مع ريتشارد بيرل بأنّه اللحظة التي تقاطع فيها هذان الموضوعان المسيطران في حياتي المهنية، على رغم أنّني لم أدرك ذلك في حينه.

* * *

نشأتُ في حي كوينز في مدينة نيويورك كابن لمهاجرَين من الطبقة العاملة، ولم أتصوّر يوماً أنّني سأجد نفسي في مثل هذا الموقع. كنت أطمح إلى العمل في الحكومة لكن لم أفكّر لحظة قط في الحياة في عالم الاستخبارات الخفي. مع ذلك وجدت نفسي، من خلال سلسلة من الانعطافات والالتواءات المهنية غير المتوقّعة، في متاهة المرايا.

الاستخبارات كمسار مهني تتكوّن من أجزاء متساوية من النشوة والإحباط، لأنّها تتعامل بحكم التعريف مع المبهم والمجهول والمخفي عن عمد. فما يحاول أعداء الولايات المتحدة أن يخفوه جاهدين، يعمل رجال ونساء الاستخبارات الأميركية على كشفه بصعوبة. وطوال حياتي العملية، حاولت باتباع الخصائص المميّزة للاستخبارات، البقاء بعيداً عن الأضواء - ألاّ أظهر أو أسمع كثيراً في العلن.

عندما تركت الحكومة، شعرت بالحاجة إلى التفكير قليلاً قبل أن أكتب أو أتحدّث. وبما أنّني استفدت من الوقت والمنظور، صرت أعتقد بأنّ من واجبي البوح ببعض الأشياء التي عرفتها في السنوات التي قضيتها على رأس الاستخبارات الأميركية. وشعرت بأنّني أدين لعائلتي وزملائي السابقين، والتاريخ، بقول ما يمكنني قوله عن الأحداث التي راقبتها.

* * *

تعتمد هذه المذكّرات على ذكرياتي عن فترة صاخبة في حياة أمتنا. ومثل هذه الأعمال لا يمكن أن تكون موضوعية تماماً، لكنّها نزيهة وغير ملمّعة بقدر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. هناك أشياء كثيرة أفخر بها في عهدي كمدير للاستخبارات المركزية، وأشياء غير قليلة أتمنّى لو أنّني أستطيع أن أعيد عملها ثانية. وفي هذه الصفحات سأذكر أين أخطأت أنا، أو المنظمة التي أرأسها، ولن يجد القرّاء نقصاً في مثل هذه الاعترافات. وعندما أشير إلى مناسبات كان فيها أداؤنا قوياً، آمل أن تحظى هذه التأكيدات باهتمام منصف. لذا يعكس هذا الكتاب كيف بدت لي هذه الأشياء حرفياً في قلب العاصفة.

إنّ موقعك هو الذي يحدّد موقفك من القضايا. ومن موقعي شاهدت تزايد حجم موجة المدّ الإرهابي. كما شاهدت أيضاً مجموعة صغيرة من المحاربين المنفردين الذين لا يُمنحون التمويل الكافي يسبحون عكس التيّار - هناك بمفردهم يحذّرون من حركة عالمية تعمل في نحو سبعين بلداً وعازمة على تدميرنا ويردعونها ويفكّكونها ويحاولون تدميرها.

توضح هذه القصّة كيف رأينا التهديد، وماذا فعلنا حياله، وما الذي اقتُرح ولم ينفّذ، وكيف تطوّر تفكيرنا، ولماذا كان رجال وكالة الاستخبارات المركزية ونساؤها مستعدّين بخطة عمل للردّ بقوة على سقوط ثلاثة آلاف أميركي وأجنبي. وهي قصة توضح أيضاً كيف ساعدنا في نزع سلاح الدمار الشامل من دولة مارقة من دون أن نطلق طلقة واحدة وكيف قدّمنا أمام العدالة أخطر ناشر للأسلحة النووية عرفه العالم. وهي رواية للجهود المبذولة لجسر الخلافات التاريخية بين الإسرائيليين والفلسطينيين وإعطاء الديبلوماسيين فرصة للتوصّل إلى حل سياسي لأزمة قديمة. وهي أيضاً رواية تنبّه إلى التهديدات التي لم تجابه الى الآن والتي تبدو هجمات 11 أيلول باهتة أمامها.

حاول المسؤولون الكبار في الإدارتين اللتين خدمتهما، إدارتي كلينتون وبوش، عمل ما وجدوا أنّه الأفضل لأميركا. ويمكن المجادلة في النتائج التي توصّلوا إليها، بل يجب ذلك - لكن ليس في دوافعهم. وعندما يتعلّق الأمر بتعامل الحكومة الأميركية مع العراق، يوجد قلّة من الأبطال في واشنطن، ولكن، كثير منهم في ذلك البلد المضطرب. والإدارة نفسها التي ضلّت طريقها لاحقاً في أثناء التوجّه إلى بغداد كان أداؤها رائعاً عند تقويض القاعدة في أعقاب 11/9. لقد اضطلعت السي آي اي بمهمّة ضخمة بشجاعة عظيمة وتفانٍ لا يصدّق، لكنّنا لا نقرأ الكثير عن هؤلاء الأبطال.

أعتقد بأنّني حظيت بأفضل منصب في الحكومة، كمدير للاستخبارات المركزية، على رغم كل أعبائه وضغوطه. وكانت أعظم لحظات سعادتي التفاعل اليومي مع الرجال والنساء الذين تجرّأوا على المخاطرة بكل شيء يومياً لحماية بلدنا. لقد أتيحت لي فرصة خدمة بلدي ومحاولة المحافظة على سلامته في ما يحدق به من خطر عظيم. لم يحالفني النجاح دائماً، لكنّني أشعر بالراحة لأنّني حاولت أن أفعل الصواب في الميدان. وهذا امتياز لا يُعطى لابن مهاجرَين إلا في الولايات المتحدة. وسأظلّ شاكراً دائماً لأنّ جون وإفانجليا تنيت غادرا قريتهما في اليونان ليمنحاني هذه الفرصة.

ترميم الـ «سي آي اي» وانشاء جامعة للتجسس والاستعانة بالقطاع الخاص تكنولوجياً

من هجوم سنة 1983 الفتّاك على ثكنة المارينز الأميركيين في بيروت، إلى تفجير رحلة شركة بانام الرقم 103 في سنة 1988 فوق لوكربي في اسكتلندا، إلى تفجير مركز التجارة العالمي في سنة 1993، إلى الهجوم سنة 1996 على ثكنة عسكرية وأبراج الخُبَر في المملكة العربية السعودية. شاهدنا حزب الله وحماس والقاعدة وسواهم وهم يعملون، وعرفنا كيف استخدمت الدول الراعية من ليبيا إلى العراق وإيران وأفغانستان هؤلاء القتلة والمفجّرين الانتحاريين في حرب بالوكالة ضدّ الأميركيين وأصدقائنا ومصالحنا في الخارج.

لم يكن هناك أي شك في هوية الأعداء، لكن الأمور لم تكن بتلك السهولة في العالم حيث نعيش، وفي السي آي اي التي ورثتها. فالسي آي اي في سنة 1997 لم تكن آلة جيّدة التشحيم ذات موارد وفيرة أو منظّمة تدار بدقّة شديدة. ولو كانت كذلك لتنافس العديد من الأشخاص الآخرين على قيادتها. وفي الواقع، ربما سقط المنصب في طريقي بسبب عدم وجود مرشّح آخر، أكثر من أي شيء آخر. وقد وصفتني إحدى الصحف في ذلك الوقت بأنّني خيار «غير تقليدي» لإدارة ذلك المكان. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول لم تكشف عن هويته القول، «لا يمكنني أن أعطيكم اسماً» أفضل من تنيت، «أو حتى أي اسم على الإطلاق» بالنظر إلى التحدّيات التي تواجه الوكالة.

لعل المشكلة الأكثر حرجاً التي واجهتها الوكالة هي الافتقار إلى استمرارية القيادة. فقد كنت المدير الخامس في سبع سنوات. وما من شركة تستطيع النجاح مع مثل هذا المعدّل للتبديل. وكانت نظرة قسم كبير من القوة العاملة في شأن المراسيم الصادرة عن الطبقة السابعة، حيث يعمل معظم المسؤولين الكبار، إذا لم يعجبك أمر ما، ما عليك إلا الانتظار قليلاً - فسرعان ما يغادر من أصدره.

مع ذلك، كانت المشكلة أعمق من القيادة الدائمة التغيّر. ففي التسعينات، كان الاعتقاد السائد أنّنا ربحنا الحرب الباردة وحان الوقت لجني ثمار السلام. لم يكن ذلك الافتراض خاطئاً فحسب - كانت الحرب تتطوّر من حرب جيوش تديرها الدول إلى جيوش غير حكومية، ومن الصواريخ العابرة للقارّات إلى أسلحة نووية يحملها شخص واحد وقوارير الجمرة الخبيثة - بل إنّ «ثمار السلام» كانت مدمّرة لعالم الجاسوسية في وقت بأمس الحاجة إلى الحيوية والهمّة. ففقدت أجهزة الاستخبارات بأكملها، لا السي آي اي فحسب، بلايين الدولارات من التمويل. وخُفّضت القوّة العاملة لدينا بنحو 25 في المئة. ما من طريقة جيدة لإحداث هذا القدر من الخفض في عديد موظفي مؤسّسة ما. لكن ثمة طريقة سيّئة جداً للقيام بذلك - وهي الطريقة التي اتبعتها أجهزة الاستخبارات بالضبط. فقد توقّفت عن توظيف أشخاص جدد. ونتيجة لذلك، مرّ نصف عقد تقريباً من دون دخول أي موهبة جديدة، فيما كان العديد من الخبراء يغادرون.

عندما أصبحت نائب مدير الاستخبارات المركزية في صيف 1995، كنّا نعقد دورتين في السنة «لضبّاط الحالات» الجدد - الأعضاء القادمين في جهازنا السري، الرجال والنساء الذين يجنّدون العملاء الأجانب لسرقة الأسرار. وكانت دورة ذلك الصيف تضمّ ستة ضبّاط حالات وستة «ضبّاط لوضع التقارير» - الأشخاص الذين لا يجمعون المعلومات الاستخبارية بقدر ما يدوّنون الجهود التي يقوم بها زملاؤهم. لا يمكنك أن تدير جهاز تجسّس بتلك الطريقة. وعلمنا في وقت لاحق، أنّنا فيما كنّا ندرّب حفنة من ضبّاط الحالات كل عام، كانت القاعدة تدرّب آلافاً من الإرهابيين المحتملين في أفغانستان والسودان وسواهما.

الروح المعنوية في الوكالة كانت في الحضيض. وكان الخوف يلاحق الضباط المتوسّطين والكبار في الوكالة من الاستدعاء أمام الكونغرس أو المحكمة للدفاع عن أعمالهم. فقد كانت الإدارات المتعاقبة تطلب منهم أن يغامروا ويعملوا بإقدام. لكن إذا حدث خطأ ما، كان المسؤولون في الوكالة يواجهون الخزي والصرف من الخدمة والخراب المالي.

وفي العلم والتكنولوجيا، وهو مجال تعملقت فيه الوكالة ذات يوم، كانت الثورة الرقمية تمرّ بجانبنا. فقد تجاوزت تكنولوجيا القطاع الخاص قدرتنا بكثير على مجاراة أهدافنا. وبدت أدوات تكنولوجيا المعلومات التي نضعها في متناول ضباطنا أشبه بمنتجات من أواسط القرن العشرين منها بالمنتجات التي تقترب من القرن الواحد والعشرين.

كانت الفوضى تسود الوكالة على المستوى التنظيمي أيضاً. لم يكن هناك مدير للمعلومات أو مدير مالي. ولم يكن لدينا برامج متسقة أو موحّدة للتدريب والتعليم، وكان مجلسنا التنفيذي يتخذ القرارات عبر عملية اقتراع ديموقراطي. وفي مؤسّسة تبلغ موازنتها بلايين عدة من الدولارات، تضمن سياسة «الصوت الواحد لكل شخص» حلول القاسم المشترك الأدنى - لن يكون أحد غير مرتاح أو مستاء حقاً من النتائج. في المقابل، القيادة الجيدة تتطلّب أن تتجرّع مؤسّستك في بعض الأحيان دواء مرّاً لكنها في حاجة إليه. والمؤسسات مثل السي آي اي موجودة للدفاع عن الديموقراطية، لا لممارستها(...).

بعدما اكتمل فريق القيادة الجديد (الذي يضم مستقدمين من خارج الوكالة) في آب (أغسطس) 1997، كنّا مجتمعين في أحد مرافق الوكالة السرية في مكان غير بعيد عن واشنطن عندما قال أحدهم إنّنا نقف على «منصّة مشتعلة». وإذا لم نعمل بسرعة لإطفاء الحريق، فستغرق المنظمة ونحن جميعاً في البحر. وقد علق بذهني تعبير «منصّة مشتعلة» - ربما لأنّه استعارة دقيقة ولأنّه يذكّرنا كل يوم بمقدار الخطر الذي نواجهه. لذا شرعنا في تعلّم كيف حوّلت منظّمات أخرى تسودها الفوضى نفسها. وفي ربيع 1988 كانت الخطة حاضرة - وهي وثيقة سميناها «الاتجاه الاستراتيجي». يضع قسم أساسي من الوثيقة تصوّراً لنوع الضباط الذين ستحتاج إليهم الوكالة في سنة 2010. ونظرنا في المهارات التي يجب أن يتحلّوا بها، ولغاتهم، وخلفياتهم الأكاديمية، وما إلى ذلك. لقد كان ضباط السي آي اي منذ خمسة عقود يتخذون نموذجاً لهم أبطال مكتب وايلد بيل دونافان للخدمات الاستراتيجية في أثناء الحرب، ومعظمهم من خريجي الجامعات العريقة. لا تزال العقول مهمّة، وقليل من الأبهة مفيد دائماً، لكن، إذا أريد أن تؤدي السي آي اي عملها في عقد سابع وثامن، علينا أن نأخذ في الحسبان العالم الجديد الذي يعمل فيه رجالنا.

لزمتنا ثمانية أشهر تقريباً من البحث عن الذات لوضع هذه الخطة للمستقبل. وفي 6 أيار (مايو) 1998، وقفت أمام 500 موظّف في الوكالة في قاعة الاجتماعات العامّة التي تشبه بيت الإسكيمو وتعرف باسم «الفقّاعة» للتحدّث عن المنصة المشتعلة وما الذي سنفعله حيالها. وشاهدني آلاف الموظفين الآخرين على تلفزات الدائرة المغلقة. كان لدى كثير منهم مبرّر للتشكيك بما يسمعه، فقد شهدوا في النهاية العديد من فرق القيادة الأخرى التي تأتي وتذهب. فكيف يعرفون أنّني لست شبيهاً بمن سبقني؟

حاولت أن أستحوذ على انتباههم بالتحدّث عن خطورة مشاكلنا. وكانت السي آي اي قد احتفلت بمرور خمسين سنة على تأسيسها، لكنّني قلت إنّ من غير المرجّح أن يكون للوكالة أهمية عندما تصل إلى ذكراها الستين، ما لم يكن أداؤنا مميّزاً بشكل دائم. وأبلغتهم بأنّني سأكون موجوداً من أجل عملية التغيير الطويلة إذا شاء الله والرئيس. بدا هذا البيان ضرورياً، لكنّني ذهلت عندما حظي بتصفيق مدوّ. لم يكن ردّ الفعل يتعلّق بي بالتأكيد، بل كان التصفيق يعبّر أكثر من أي شيء آخر عن مقدار حاجة الوكالة إلى الاستقرار.

وتعهدت بأنّ أيام العمل الكثير بموارد أقل قد ولّت. وأنّ الأشياء التي نقترحها مكلفة، لكنّني طمأنتهم أن ليس عليهم أن يقلقوا. كانت مهمتي تأمين التمويل اللازم، وتعهّدت ببذل قصارى جهدي لتحقيق ذلك. لم أنجح تماماً، لكنّني ألححت وأزعجت في المحاولة. طلبت زيادات كبيرة في تمويل الاستخبارات وحصلت على زيادات صغيرة في الإيرادات الإجمالية. وأعدنا تخصيص أجزاء كبيرة من موازنتنا لمكافحة الإرهاب. فقد ارتفعت موازنة مكافحة الإرهاب، كما تدعى، أكثر من 50 في المئة من سنة 1997 إلى ما قبل 11/9 - في حين تقلّصت معظم الحسابات الأخرى. وفي خريف 1998، طلبت من الإدارة زيادة الموازنة أكثر من بليوني دولار سنوياً لكل أجهزة الاستخبارات في السنوات الخمس التالية. لكن لم أمنح سوى جزء ضئيل من تلك الزيادة للأسف.

كنت شديد الإيمان بأنّنا بحاجة ماسّة إلى الموارد بحيث التففت على التسلسل القيادي. فعلى رغم أنّني عضو في الحكومة في إدارة كلينتون، فإنّني نسجت علاقة مع رئيس مجلس النواب الجمهوري في ذلك الوقت نيوت غنغرتش، وكان من المؤمنين بقوة بوجوب منح أجهزة الاستخبارات مزيداً من الدعم. ويعود الفضل إلى غنغرتش في تمرير قانون تمويل إضافي عبر الكونغرس في السنة المالية 1999، وقد وفّر ذلك للمرة الأولى زيادة كبيرة في تمويلنا الأساسي، ونفّر تحالفي غير الرسمي مع رئيس مجلس النواب بعض أعضاء فريق الرئيس كلينتون. وعلى رغم أن الرئيس كان يدعم مهمّتي على العموم، فإنّ الموارد لم تكن متيّسرة. وكان أسفي الوحيد أنّ الكثير من الأموال الإضافية في سنة 1999 كانت لعام واحد فقط، ولم تستمرّ في السنوات التالية.

لعل أهم رسالة نقلتها إلى القوة العاملة في السي آي اي في ذلك الصباح أنّنا عائدون إلى جذور مهمّتنا الأساسية. من الآن فصاعداً سنشدّد على الصدّ والتعامل. يجب تقديم كل شيء لدعم أهمّ قسم في عملنا وتفعيل قدراته، رأس الحربة في عملنا: التجسّس، وسرقة الأسرار، وما ندعوه «تحليل كل المصادر».

إنّ حجر الزاوية في عملنا هو الأفراد - المحلّلون، والضباط الميدانيون، والمديرون، والفنيون، والجواسيس. وعقب انهيار الاتحاد السوفياتي، كان أول ما ألزمنا أنفسنا به إنشاء مكتب توظيف مركزي لا يقل عن أفضل المكاتب في القطاع الخاص. ولاستقدام أفضل المواهب، عدنا إلى الجامعات وأطلقنا حملة دعاية، وحرصنا على منح علاوات توظيف في مجالات المهارات التي نحن بأمسّ الحاجة إليها - ما بين ثلاثين وخمسة وثلاثين ألف دولار للعلماء والمهندسين واختصاصيي تكنولوجيا المعلومات والأشخاص ذوي المهارات اللغوية الفريدة - أموال مهمة للاحتياجات المهمة. ربما يبدو بعض ما قمنا به مألوفاً في القطاع الخاص، لكن يمكنني أن أؤكّد لكم أنّه كان ثورياً في وكالة استخبارات حكومية.

بدأنا نقدّم عروضاً مشروطة للتوظيف على الفور، وكنّا ندفع للموظفين رواتبهم فيما ينتظرون الفسح. لا شك في أنّ هذه الطريقة زادت من حسابات المخاطر لدينا. واليوم ثمة 40 في المئة تقريباً من مجمل الموظفين بالوكالة مضى على التحاقهم بها خمس سنوات أو أقل، ولا يكاد هذا الوقت يكفي لتعرف أحداً. لكن الحقيقة الجلية أنّ المعايير والممارسات القديمة لم تكن تفضي إلى أداء العمل.

كيف أعطى ذلك النتائج المرجوّة؟

بحلول سنة 2004، كان 138 ألف شخص يتقدّمون لشغل ما يزيد قليلاً على ألفي وظيفة في الوكالة. ولم ينتج ذلك فقط عن تزايد الاهتمام بعملنا بعد 11/9 - فقد شهدنا ارتفاعاً حاداً في بيانات السيرة التي تسلّمناها في أواخر التسعينيات وفي سنتي 2000 و2001. وبلغ معدّل استنزاف الموظفين لدينا 4 في المئة، وهو معدّل متدنّ بشكل ملحوظ في أي منظمة كبرى. وأظهر مسح لتسعة آلاف مهندس وطالب علوم في ثمان وستين جامعة أنّ الوكالة هي المنظمة الحكومية المفضلة للعمل فيها وخامس أفضل ربّ عمل على الإجمال - قبل شركات مثل بفَيْزر وديزني وجونسون أند جونسون. وسمّت مجلّة «بلاك كولِجْيَن» السي آي اي كأحد أفضل الأماكن لعمل الشبان الأميركيين الأفارقة - احتلت المرتبة السابعة والعشرين في قائمة من خمسين شركة، سابقة شركات «إيه تي أند تي» وجنرال موتورز وفورد وببسيكو.

سرّتني النتيجة الثانية على وجه الخصوص لأنّني وضعت نصب عيني أن أعزّز سجلّ الوكالة في التنوّع. لننسَ لحظة الأسباب الأخلاقية للتنوّع، فلأجهزة الاستخبارات مصلحة، تفوق مصلحة أي هيئة أخرى، في أن تعكس القوة العاملة لديها مقطعاً عرضياً واسعاً لعامّة الناس. نحن بحاجة إلى التنوّع الديموغرافي وتنوّع الفكر. فإذا بدا كل موظفينا مثلي، لن نتمكّن قط من اختراق أصعب أهدافنا في العالم.

برزت هذه القضية مبكّراً في أثناء ولايتي عندما حضرت اجتماعاً في الفقّاعة (قاعة الاجتماعات العامة) دعا إليه بعض موظفينا الأميركيين الأفارقة. كان ذلك من أكثر الأوقات التي قضيتها في السي آي اي إنارة لبصيرتي. فقد تعاقب الموظفون السود على رواية القصص المزعجة عن كيفية تعرّضهم إلى الإهانة على مرّ السنين ومعاملتهم كأنّهم مواطنون من الدرجة الثانية في الوكالة. وتعهّدت آنذاك وفي ذلك المكان أن نحلّ هذه المشكلة، وبذلت ما بوسعي للوفاء بذلك التعهّد. وضعنا برنامجاً في السي آي اي يضمن حصول الجميع على فرصة التقدّم والترقية - كان الامتياز المعيار الوحيد الذي يعتدّ به. وفي الوقت نفسه وضعنا برنامجاً لضمان حصول كل رجل وامرأة على فرص التدريب والتعليم التي تتيح لهم التقدّم. ولم يكن ذلك مجرّد كلام، كان يضمّ أدوات قياس ومراجعات لأداء كل مكوّناتنا الكبرى، ومحاسبة القادة الذين لم يعملوا بمقتضى ذلك.

فيما كنّا نعيد بناء السي آي اي، لاحظنا أنّ برامجنا التدريبية والتعليمية، مثلها مثل التوظيف، تعمل باستقلالية من دون مجموعة متكاملة من القيم المشتركة. لذا قمنا باستثمار كبير في إنشاء «جامعة السي آي اي». واليوم تجرى كل أعمال التدريب في السي آي اي تحت سقف واحد، في عشر كليات مختلفة: كليات التقنيات العملانية والتحليلية للتجسّس، واللغات الأجنبية، والأعمال، وتكنولوجيا المعلومات الداعمة، والأهمّ أكاديمية القيادة حيث يتعلّم كل المديرين على مختلف المستويات كيف يقودون التغيير ويعتنون برجالهم.

قبيل أن أترك منصبي في سنة 2004، أدليت بشهادة في الكابيتول هيل عن أجهزتنا السرية. في ذلك العام كنّا على موعد مع تخريج أكبر صفّ من الضباط السريين في تاريخنا. فقد نشرنا منذ سنة 1997 ألف ضابط عمليات في الميدان. قلت إنّ الأعداد كبيرة، ومع ذلك تلزم خمس سنوات أخرى قبل أن يصبح جهازنا السري حيث يجب أن يكون. وليس ذلك مفاجئاً. فعندما تتعرّض لعقد من الإهمال، تلزمك مدّة مماثلة على الأقل لتتعافى.

كانت مواردنا البشرية محدودة عندما توليت إدارة الاستخبارات المركزية في سنة 1997، وربما كانت قدرتنا التكنولوجية أسوأ. ولعل السي آي اي كانت ذات يوم المكان الذي تقصده لتحقيق المآثر التكنولوجية التي لا يمكن تدبّرها في مكان آخر - مثل ابتكار طائرة التجسّس يو 2. لكن الزمن والتكنولوجيا مرّا بقربنا. وبدا القطاع الخاص أكثر رشاقة منّا بكثير في تكييف أحدث التكنولوجيات. وقد قدّم لي رئيس مديرية العلم والتكنولوجيا لدينا في ذلك الوقت، ديفيد روث، ونائبته جوان إيشَم، خطّة جريئة. وكان علينا إيجاد طريقة لاستغلال نبوغ المبدعين الشبان في صناعة تكنولوجيا المعلومات. كنّا لهم بمثابة الآباء: غير ودودين، ونحسب لكل شيء حساباً، ونرتدي البدلات. ولم يكونوا يريدون التعامل معنا. لذا كان علينا جسر الهوّة بين الأجيال.

قرّرنا استخدام أموالنا المحدودة لاستغلال التكنولوجيا المطوّرة في مكان آخر. في سنة 1999 أنشأنا شركة خاصة مستقلّة لا تتوخّى الربح تدعى إن-كيو-تل. وهي مؤسسة هجينة تمزج نماذج البحث والتطوير المتأتية من صناديق الشركات لرؤوس أموال المغامرة، والشركات والمؤسسات غير الربحية والحكومة. كنّا ندفع، ولكن، احتفظت إن - كيو - تل باستقلالها عن السي آي اي. كانت السي آي اي تحدّد المشاكل الملحّة، فيما تقدّم إن - كيو - تل التكنولوجيا التي تتعامل معها. وأعاد التحالف معها الوكالة إلى الحدود المتقدّمة للتكنولوجيا، وهي الحدود التي ما كان ينبغي لنا أن نتراجع عنها في المقام الأول. ومكّن هذا التعاون غير المألوف بين الحكومة والقطاع الخاص السي آي اي من الاستفادة من التكنولوجيا التي تستخدمها لاس فيغاس لتحديد لاعبي الورق الفاسدين وتطبيقها لربط تحليل الإرهابيين، وتكييف التكنولوجيا التي يستخدمها باعة الكتب وتحويلها لاستعراض ملايين الصفحات من الوثائق بحثاً عن نتائج غير متوقّعة.

كان عمل مدير الاستخبارات المركزية بمثابة عملين في الواقع - إدارة السي آي اي ومجتمع الاستخبارات الأوسع أيضاً، ست عشرة وكالة استخبارات مختلفة. ومن الانتقادات التي لم توجه لي فحسب بل لكل المديرين الذين سبقوني أيضاً أنّنا ركّزنا على السي آي اي على حساب المكوّنات الخمسة عشر الأخرى لمجتمع الاستخبارات. لكن عندما وصلت إلى السي آي اي وأجهزة الاستخبارات المتضرّرة بشدّة، كنت أؤمن أنّ من الضروري في المقام الأول إعادة بناء قاعدة المدير، أي السي آي اي. فإذا كانت الدعامة المركزية للاستخبارات الأميركية عرجاء، فسيكون كل شيء آخر صعباً جداً._الحياة اللندنية _

تصدر الترجمة العربية للكتاب عن دار الكتاب العربي في بيروت آخر هذا الشهر

 

مذكرات جورج تينيت «في قلب العاصفة» (2)
الثمن الأميركي لاتفاق واي بلانتيشن تسليم اسرائيل جاسوسها جوناثان بولارد

نشرت «واشنطن بوست» في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 الخبر الآتي: «ذكرت بعض المصادر أنّ مدير وكالة الاستخبارات المركزية جورج ج. تينيت أبلغ الرئيس كلينتون في الشهر الماضي أنّه يجد من الصعب عليه البقاء مديراً إذا ما أطلق سراح الجاسوس الإسرائيلي المدان جوناثان بولارد كجزء من اتفاق سلام في الشرق الأوسط.

«من الصعب» هي الكلمة الخاطئة. وربما تكون «من المتعذّر» أقرب إلى الصحّة، لكن حتى تلك الكلمة لا تفي الموقف حقّه. إليكم ما حدث في أواسط تشرين الأول (أكتوبر) 1998 في مركز المؤتمرات بواي بلانتيشن، وهو عقار جميل يمتدّ على مساحة 100، 1 فدان على نهر واي، عند الشاطئ الشرقي لمِرِلند. غير أنّ القصّة نفسها تبدأ قبل ذلك بثلاث سنوات، بحادثة اغتيال وحشية.

اغتيل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في تشرين الثاني 1995 على يد إسرائيلي يعارض عملية السلام، بعد مرور أقل من سنتين على تشارك رابين جائزة نوبل للسلام مع وزير خارجيته شمعون بيريز، وياسر عرفات. وكان لذلك تأثير عميق لا في مؤيدي رابين فحسب، وإنّما في الفلسطينيين أيضاً. كان الإسرائيليون معتادين على ابتهاج الفلسطينيين على سطوح المنازل كلما وقعت كارثة في الجانب الآخر من الحدود. لكن ليس هذه المرة. فقد أطلق مقتل رابين دفقاً من المشاعر الحقيقية في أوساط الفلسطينيين، وصاحب ذلك بداية حدوث تغيّر تامّ في تصوّر الإسرائيليين لجيرانهم. تسلّم بيريز منصب رابين وإرثه وزخمه، ومضت أشهر لم يبدُ فيها السلام معقولاً بين الإسرائيليين والفلسطينيين فحسب، بل ممكناً في شكل حقيقي أيضاً.

بعد ذلك جاءت موجة من التفجيرات الانتحارية، بدءاً من أواخر شباط (فبراير) 1996 - أربعة في تسعة أيام خلّفت أكثر من ستين قتيلاً - نفّذتها حركة حماس الإسلامية المتشدّدة. ردّ عرفات على ذلك بسرعة مفاجئة، وكان انتُخب رئيساً للسلطة الفلسطينية في كانون الثاني (يناير)، فأمر باعتقال عشرات من المتشدّدين بمن فيهم الرجل المشتبه بأنّه جنّد المفجّرين الانتحاريين، وشنّ غارات على أكثر من عشرين منظمة ومؤسسة إسلامية يعتقد أنّها تقدّم الدعم المالي وغير المالي الى حركة حماس.

كان من الواضح بالنسبة إلينا في السي آي إيه أنّ العنف فاجأ عرفات، فقد أدرك أنّ حماس أقوى مما يعتقد، بل قوية بالقدر الكافي لتهديد سلطته. لم تؤدّ التفجيرات إلى إخراج عملية السلام عن سكّتها فقط - فتلك قصة قديمة في الشرق الأوسط. بل إنّها هذه المرة شكّكت في بنية العملية بأكملها والمقدّمات المنطقية التي بنيت عليها.

من الصعب المبالغة في تقدير أهمية السلام في الشرق الأوسط. فهذه القضية تتجاوز الاهتمامات الإنسانية في وقف العنف والمعاناة. بل إنّها أكثر أهمية من الرغبة في القضاء على السبب الأساسي لجانب كبير من الإرهاب العالمي الذي يزعج العالم. فأفضل الآمال وأسوأ المخاوف في العالم مستثمرة في هذه الرقعة الصغيرة نسبياً في الأرض.

في آذار (مارس) 1996، توجّه وفد أميركي رفيع المستوى إلى الشرق الأوسط للاجتماع بالقادة هناك بغية إعادة بدء المفاوضات. وكان في عداده بيل كلينتون الذي يستكمل ولايته الأولى فيما أصبحت حملة إعادة الانتخابات وشيكة، ودنيس روس، مبعوث كلينتون الخاص إلى المنطقة برتبة سفير، ورئيسي في ذلك الوقت جون دويتش؛ وآخرون. وفي أثناء الرحلة، كما أخبرني دنيس روس لاحقاً، طرح الرئيس سؤالاً بسيطاً: ماذا علينا أن نفعل لننقذ عملية السلام؟ ومن ذلك السؤال ولدت قمة صنّاع السلام التي عقدت في ذلك الربيع في منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر. وكانت القمة ترمي إلى أن توضح أمام الإسرائيليين في شكل لا لبس فيه ما كان بيّناً قبل أن تشرع حماس في رحلة القتل - أنّهم ليسوا وحدهم. وكان الفلسطينيون مهدّدين بالأخطار نفسها التي تتهدّد الإسرائيليين، لذا دانوا أيضاً هذه الأعمال العنيفة.

لم يتوقّف كلينتون والآخرون عند هذا الحدّ. ففي الرحلة نفسها، تم التوصّل إلى قناعة أخرى: من دون تحقيق تقدّم متزامن في القضايا الأمنية، لن تؤدّي العملية السياسية وحدها إلى جلب السلام إلى الشرق الأوسط. يمكن التوصّل إلى كل الاتفاقات في العالم بكل النيات الحسنة التي يمكن تصوّرها، لكن، ما لم تكن القوى الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية في اتصال دائم وتعمل على تحقيق الأهداف النافعة المتبادلة، فستتمكّن حماس، أو أي مجموعة مماثلة، من تدمير ما أنجز السياسيون. كان الإسرائيليون يريدون التحقّق من أنّ الفلسطينيين لا يمنحون الإرهابيين ملاذاً آمناً. وكان الفلسطينيون يريدون في المقابل التحقّق من عدم قيام جهاز أمن إسرائيلي قمعي بالتنكيل بشعبهم.

اتفق كلينتون وروس على المبدأ، لكنّهما ارتأيا أن يكون أحدٌ ما مسؤولاً عن إنجاز الترتيبات الأمنية، ويبدو أن جون دويتش قال، «إنّني أعرف الشخص المناسب لهذا العمل». وتبيّن أنّ ذلك الشخص هو أنا. كان الأمن الموضوع الرئيسي، فبإمكانك أن تتحدّث عن السيادة والحدود والانتخابات والأراضي وما شاكل طوال اليوم، لكن الأمر لا يهمّ إذا لم يشعر الجانبان بالأمان.

قال لي أحد المفاوضين الفلسطينيين بعد جلسة مرهقة، «نعلم أنّ لديكم علاقة وثيقة واستراتيجية مع الإسرائيليين لن نتمكّن قط من إنشاء مثلها معكم، لكن، كل ما نطلب منكم أن تكونوا منصفين». وذلك مبدأ يجب الالتزام به في الشرق الأوسط، وكان قاعدتنا الذهبية من البداية إلى النهاية.

في أوائل آذار (مارس) 1996، قبل أيام من انعقاد قمة صنّاع السلام في شرم الشيخ، وفي أول ممارسة حقيقية لواجباتي، توجّهت إلى إسرائيل مع بعض كبار المسؤولين لمحاولة التوصّل إلى أرضية مشتركة بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والفلسطينية. وكان من المحتّم أن ينشر الخبر قبل أن تحطّ طائرتي على الأرض، فقد أفادت صحيفة «جيروزالم بوست» نقلاً عن مصادر مغفلة في 10 آذار أنّ «الوفد الأميركي سيرأسه نائب مدير السي آي إيه جورج تينيت». وكتب تيم واينر في صحيفة «نيويوك تايمز» أنّ «الاجتماعات الرسمية بين مسؤول في الاستخبارات الأميركية على مستوى تينيت ونظيره الفلسطيني قد تكون غير مسبوقة».

لا يمكنني القول ما إذا كان الأمر كذلك، لكنّ التشديد على قضايا الأمن كمسار موازٍ للقضايا السياسية - الإقرار بأنّ عملية السلام غير ممكنة بدون الأمن - كان فريداً، في تجربتي على الأقل. وشدّد دنيس روس، كبير المفاوضين الأميركيين في شرم الشيخ، على النقطة نفسها أمام ياسر عرفات. وكما روى دنيس روس لاحقاً ما دار بينه وبين الرئيس الفلسطيني، «ستنتهي عملية السلام ما لم تفعل شيئاً في القضية الأمنية. ولا يمكنك تزوير الأمر، بل يجب أن يكون حقيقياً»، وقد وصلت الرسالة، فالتفجيرات أقنعت عرفات بالفعل بالتهديد الذي تشكّله حماس عليه، شخصياً وسياسياً. وعندما أقنعه روس بأنّنا جاهزون للمساعدة وأنّه لا يستطيع أن يرفض عرضنا، أبلغ عرفات كلينتون بأنّه مستعدّ للتحدّث مع الإسرائيليين، فدارت عجلة عملية السلام ثانية، إلى حدّ ما.

طلب مني دنيس روس التوجّه إلى الشرق الأوسط ومساعدة الفلسطينيين في تطوير خطة أمنيّة محدّدة يُحْضرونها معهم إلى واي - نوع من بوليصة التأمين بأنّ القدرة على التأثير ستكون حاضرة عند الحاجة إليها - وهكذا وجدت نفسي، قبل أيام فقط من بدء القمة، محصوراً في غرفة المعلومات الحسّاسة في القنصلية الأميركية في القدس مع محمد دحلان، وجبريل الرجوب (مدير جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية) وأمين الهندي (المسؤول عن جهاز الاستخبارات العامة الفلسطيني).

كان هدفي، وفقاً للتعليمات الحصول كتابة على التنازلات المحدّدة التي كان الفلسطينيون مستعدّين لتقديمها وتنفيذها. وكان هدفهم، كما تبيّن بسرعة، أن يفعلوا كل شيء سوى ذلك.

في البداية تصوّرت أنّهم غير منظّمين أساساً أو غير قادرين على وضع الرسوم البيانية وفتح ميكروسوفت وورد كي يبدأوا الكتابة. لكنّني سرعان ما أدركت أنّ الفلسطينيين قلقون من الاحتمال الكبير لتسرّب كل ما يضعونه على الورق إلى الإسرائيليين، ومن الإسرائيليين إلى وسائل الإعلام، قبل أن يصل أحد إلى واي. وذلك يعني مواجهة المشاكل في مجتمعهم لأنّهم قدّموا تنازلات، لكن كانوا يرون أيضاً أنّ من غير الحكمة الالتزام بأي شيء، على الورق أو في المفاوضات الثنائية، قبل أن يروا لون العملة الإسرائيلية ويعرفوا ما التنازلات المقابلة التي يرغب الإسرائيليون في تقديمها.

كان اجتماعي الثاني أكثر نجاحاً، أو بدا هكذا في ذلك الوقت. فقد طلب مني دنيس أيضاً الاجتماع بعامي أيالون، رئيس الشين بيت، أي جهاز الاستخبارات الداخلية الإسرائيلي. وكان دنيس قلقاً من أن يطلب نتانياهو لأسباب سياسية مطالب تتجاوز المعايير المعقولة. كان عامي، وهو أميرال متقاعد في البحرية الإسرائيلية، صريحاً، وفي وسعنا الاعتماد عليه في عدم المناورة. وصحبه في اجتماعنا أحد نوّابه، إسرائيل حسّون.

في تشرين الأول 1998، عندما التقى الجميع في واي رفر، بدا عامي المسؤول الوحيد تقريباً الذي لم يكن حاضراً أو في طريقه إلى الحضور. ترأس بنيامين نتانياهو وياسر عرفات وفديهما بطبيعة الحال، لكن الطبقة الثانية من القياديين كانت فاعلة أيضاً في عملية السلام. وكان إلى جانب عرفات، أبو علاء وأبو مازن وصائب عريقات وجبريل الرجوب ومحمد دحلان.

ضمّ الوفد الإسرائيلي شلومو يناي، كبير المخطّطين العسكريين، ومئير داغان، مستشار نتانياهو لمكافحة الإرهاب؛ والجنرال مايك هرتزوغ، رئيس قسم التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي؛ والجنرال عاموس غيلَند، وهو ضابط استخبارات رائع. وجاء إسرائيل حسّون لتمثيل الشين بيت، وتبيّن أنّه واحد من الأبطال المغمورين لهذه العملية بأكملها.

وضمّ الفريق الأميركي، بالإضافة إلى الرئيس، ساندي بيرغر؛ ووزيرة الخارجية مادلين أولبرايت؛ ودنيس روس؛ ومارتن إندِيك، مساعد وزيرة الخارجية للشرق الأدنى؛ وستان موسكوفتز، أحد كبار ضبّاط السي آي إيه في الشرق الأوسط؛ وجمال هلال، المترجم في وزارة الخارجية. وحضر نائب الرئيس آل غور بعد ظهر يوم الأحد مدّة ساعات ليضيف حضوره أيضاً.

لكنّ ذلك كان مسرح بيل كلينتون منذ البداية. فالرئيس يحب محاولة حلّ المشاكل الكبيرة، وليس هناك أكبر من هذه المشكلة. لكن، كان ثمة ما يرتبط بها أكثر من ذلك، بل حتى أكبر من الأمن الإقليمي والشواغل الإنسانية. فإيجاد حل للقضية الإسرائيلية - الفلسطينية قد يكون له تأثير كبير في الظروف التي تعزّز الإرهاب في الشرق الأوسط. وكان كلينتون يدرك ما هي المخاطر في نهاية المطاف، وعمل فترة رئاسته على إيجاد حلّ.

وكما يفعل دائماً، درس القضية في شكل واسع. ومن المدهش مقدار التفاصيل التي انغمس فيها وسهولة استرجاعه لها. ولم يكن يعتزم السماح بفشل هذا الاجتماع مهما طال. وفي وقت متأخّر من الليل، أحياناً في الثانية أو الثالثة صباحاً، كان بوسعك سماع مروحية كلينتون وهي تُقلع متجهة إلى البيت الأبيض، حيث يعمل حتى الفجر على قضايا الموازنة. وفي الصباح تسمع هدير المروحية وهي عائدة. لم أكن أعرف متى ينام وكم يمتدّ به الوقت من دون أن ينام. فقد وصلنا إلى مركز واي يوم الجمعة متوقّعين أن نعود إلى البيت في نهاية يوم الاثنين التالي على الأبعد. وبحلول يوم الثلاثاء دون أن تلوح النهاية في الأفق، كان علي التحرّك بسرعة للحصول على ثياب نظيفة.

سلّط افتتاح المناقشات الضوء على لبّ المشكلة، فللتنازلات وخطط العمل ضدّ البنية التحتية والعسكرية لحركة حماس عواقب سياسية بالنسبة إلى الفلسطينيين. وانعدام الثقة، واحتمال حدوث تسريبات، يمكن أن تصوّر دحلان تابعاً لإسرائيل. لم يكن حرج موقف دحلان خافياً على الإسرائيليين، لا سيما إسرائيل حسّون، الذين يدركون معضلته. مع ذلك لم تكن تفوتنا أيضاً حاجة الفلسطينيين المطلقة إلى العمل والسؤال في نهاية المطاف عما فعلوه وما لم يفعلوه.

هنا جاء دور السي آي إيه. فنحن الهيئة التي يثق بها الجانبان. لكن، يجب أن تكون هناك خطة عمل ومواعيد قابلة للقياس كي يحظى التعاون الثنائي بفرصة. مع ذلك كان يتمّ إحراز تقدّم متزايد. وفي صباح الأربعاء، بعد نحو خمسة أيام من المناطحة، حصلنا في النهاية على مسوّدة اتفاق، وعندئذ قرّر الإسرائيليون اتخاذ إجراءات متصلّبة. فقد وضعوا حقائبهم في الخارج، للإشارة إلى أنّهم عائدون إلى وطنهم. وذلك يوحي بأنّ المسوّدة الأمنية غير مقبولة. ومن دون ذلك لا يمكن عمل أي شيء، فلماذا نبقى؟

لم يتأثّر دنيس روس هذه المرّة. فقد أبلغ مادلين أولبرايت؟ «اسأليهم متى يريدون المغادرة كي نجري الترتيبات». وكان دنيس يعتقد أنّهم عندما يُخرجون حقائبهم، فإنّهم لا ينوون المغادرة. وإذا كانوا ينوون الرحيل، فلن يكون الفلسطينيون الخاسرين بل نتانياهو - الشخص الذي ضيّع فرصة تاريخية للسلام.

لم أكن واثقاً جداً من ذلك، لذا ذهبت أبحث عن إسحاق مردخاي، وزير الدفاع الإسرائيلي الذي وصل إلى واي قبل أقل من يوم واحد. ومردخاي رجل جاد لا يثق باستعراض السياسيين الشعبيين. وكانت مادلين أولبرايت طلبت مني أن أتجاهل الحقائب، لكن، لم يكن باستطاعتي أن أدخل المبنى من دون أن أتعثّر بها، لذا ناديت بعض الإسرائيليين الواقفين قربها ويبدو على وجوههم مظهر المرتبكين خجلاً، «ما هذه الحقائب؟ هل تريدون الذهاب إلى مكان ما»؟ ثم وجدت مردخاي وطلبت منه أن نتمشّى معاً. قلت له، «هذا ما وصلنا إليه وما لدينا»، وتابعت لأجمل له المفاوضات الأمنية حتى اليوم. فقال لي: «سأذهب وأتحدّث إليهم. وسأقنعهم بالموافقة». وبعد ذلك أعيدت الحقائب إلى الغرف وعدنا إلى العمل. ربما كان الإسرائيليون يقومون بتمثيل دور الشرطي الصالح/الشرطي السيئ، لكن الأمر نجح، أياً تكن الخلفية. وكان مردخاي حاسماً في المراحل النهائية من المفاوضات الأمنية، بما في ذلك تقديم بعض التنازلات التي جعلتنا نتجاوز المطلوب.

وأخيراً، في اجتماع يوم الأربعاء في 21 تشرين الأول في السادسة بعد الظهر، تمّ التوصّل إلى اتفاق (...).

بدونا جميعاً متفقين في شأن القضايا الأمنية، لكن كان هناك مسألة أخيرة لم تحلّ: جوناثان بولارد.

دين جوناثان بولارد سنة 1986 لتقديمه موادّ سرية جداً إلى الإسرائيليين عندما كان يعمل محلّلاً في استخبارات البحرية. وكان في ذلك الوقت (ولا يزال) يقضي عقوبة السجن مدى الحياة في سجن فدرالي في بتْنر، كارولينا الشمالية (...).

يذكر مارتن إندِيك أنّ قضية بولارد أثيرت في أول اجتماع بين الرئيس كلينتون ونتانياهو في واي. لم أكن حاضراً في ذلك الاجتماع. وفي أعقاب الاجتماع، وفقاً لمارتن، سأل ساندي بيرغر الرئيس، هل أثار بيبي قضية بولارد؟ أجاب الرئيس نعم، وأنّه أبلغ بيبي بأنّه سيتعامل مع ذلك في النهاية.

في يوم الخميس، دعا ساندي بيرغر إلى اجتماع ضمّني ودنيس روس ومادلين أولبرايت وآخرين، وفي هذا الاجتماع كشف ساندي عما كان قنبلة مذهلة بالنسبة إلي. فقد قال، «عليكم أن تدركوا أنّ نتانياهو طرح موضوع بولارد للبحث».

أجبته «لا. أنت مخطئ. بولارد ليس مطروحاً للبحث». وبعد ذلك نهضت وغادرت الغرفة. لحق بي ساندي. قلت له، «هذا أمر سخيف. ليس لبولارد شأن في ما نقوم به هنا».

قال لي، «لم يوافق الرئيس على أي شيء، لكني أعد بأن أمنحك فرصة عرض وجهة نظرك على الرئيس إذا ما عاود الإسرائيليون طرح الموضوع».

التقيت كلينتون وقلت له: «سيدي الرئيس، علي أن ألفت انتباهك إلى أمر ما. لقد أنجزنا اتفاقاً أمنياً هنا أعتقد أنّه مهمّ. ونتيجة ذلك، أعتقد أنّ المفاوضات يمكن أن تنجح، لكن إذا أطلق بولارد، فلن أعود مدير الاستخبارات المركزية في الصباح. فليس لهذه القضية علاقة بهذه المفاوضات».

أستطيع أن أكون شخصاً عاطفياً. لكنّني كنت هادئاً جداً في تلك اللحظة، وغير عاطفي البتة. كنت أعرف ما يجب عمله. وتابعت قائلاً، «لقد عملت جاهداً لإعادة الروح المعنوية إلى الوكالة. وأعتقد بأنّ جهودنا بدأت تثمر، لكنّني شاركت في التفاوض في شأن هذا الاتفاق الأمني. والكل يعرف ذلك. وإذا أطلق سراح جاسوس نتيجة هذه المفاوضات، لن يكون في وسعي أن أقود رجالي».

عندما انتهيت، شكرني الرئيس وخرجت من الغرفة غير موقن إذا ما كنت سأحتفظ بمنصبي في الصباح التالي.

في السادسة صباحاً، كنت أنا وستان جالسين في غرفة صغيرة خارج منطقة المفاوضات الرئيسة مع بعض المشاركين الإسرائيليين والفلسطينيين، بمن في ذلك بيبي نتانياهو ومحمد دحلان، عندما دخل الرئيس مع عرفات ومشى معه باتجاه نتانياهو كي يتصافحا وينهيا الاتفاق. وبعد جولة من التهاني، بدأ الجميع بالخروج من الغرفة.

عندما ظهر دحلان عند الباب وقال: «سيكون هناك أمر إضافي».

قلت: لا، قضي الأمر. ألم ترَ المصافحة»؟

فقال: «الإسرائيليون يريدون دائماً شيئاً إضافياً».

ذلك بالضبط ما يقوله الإسرائيليون عن الفلسطينيين، لكنّ دحلان كان مصيباً في هذه الحال.

كنت واثقاً من أنّ موقفي من بولارد مصيب - لكنّ ذلك لم يعفني من الشعور بقدر كبير من الضغط الذاتي. ماذا لو كنت السبب في انهيار عملية السلام بأكملها؟ فكّرت في ذلك. تمشّيت مع دنيس روس وأبلغته أنّني لا أعتقد أنّ لديّ أي خيار سوى اعتماد الموقف الذي اتخذته، لكنّني قلق حقاً من أن أصبح عائقاً بشرياً أمام السلام. فقال لي دنيس، «لا تقلق، سنحصل على اتفاق في النهاية».

عندما رأيت الرئيس ثانية أنا وستان موسكوفِتز، كان من الواضح أنّه قد اتخذ قراره. وبدلاً من تجنّب الموضوع، وضع يده على كتف ستان، ونظر إليّ وقال مازحاً، «لمَ لا نبادل ستان ببولارد».

وافق الإسرائيليون بطبيعة الحال على الاتفاق، مثلما كنت أنا ودنيس مقتنعين. لقد كانت تلك لعبة عضّ أصابع؛ تمسّك نتانياهو وجماعته بموقفهم إلى اللحظة الأخيرة كي نقول آخ. ووقّع الفلسطينيون أيضاً. فقد كانت مذكّرة واي رِفر لمصلحتهم بقدر ما كانت لمصلحة الإسرائيليين، وصار بوسعنا أن نهنّئ أنفسنا مدّة قصيرة جداً على إنجاز المهمة في شكل جيد. وتغيّبت عن احتفال توقيع اتفاق واي رِفر بعد ظهر يوم الجمعة في الغرفة الشرقية للبيت الأبيض. فلم أكن أعتقد أنّ حضور رئيس الجواسيس تلك المناسبة أكثر ملاءمة مما كان عليه الوضع في اجتماع التقاط الصور الفوتوغرافية في بداية المفاوضات.

هل كان هذا السلام خاتمة كل السلام؟ لا، كان مجرّد بداية، لكن الفلسطينيين كانوا مستعدّين للتصرّف بطريقة لم يقدموا عليها من قبل. ونتيجة للتعاون الأمني، تراجعت حوادث الإرهاب بين 1996 و1999. يستحقّ الجانبان حصة الأسد من الثناء، لكن ضباط السي آي إيه لعبوا دوراً حاسماً وفتحوا خطوط الاتصال. كما كانت الولايات المتحدة منخرطة سياسياً أيضاً. وكما قال ستان موسكوفِتز، كانت السي آي إيه ترعى الثقة بالفلسطينيين. وكان دبلوماسيونا يضغطون على عرفات، وكان يثق بنا لأنّهم يضغطون على الإسرائيليين أيضاً. لقد نجحت مكافحة الإرهاب لأنّ الأمن والدبلوماسية اجتمعا في الوسط. وقد قدّم دور السي آي إيه الى حكومتنا الأساس للمساعدة في التدخّل في السنوات التالية، ومنح العملية السياسية الأوكسجين الذي تحتاج إليه لمواصلة التنفّس._ الحياة اللندنية _

 

محادثات كامب ديفيد كانت فرصة لاتفاق لم يحصل وعندما جاء بوش أقفل الأبواب
مذكرات جورج تينيت «في قلب العاصفة» (3) ...

بين اختتام قمة واي في تشرين الأول (أكتوبر) 1998 ونهاية أيلول (سبتمبر) 2000، لم تقع هجمات إرهابية داخل الخط الأخضر - وتلك استراحة للعنف تبدو مستحيلة التصوّر تقريباً اليوم.وفي 28 أيلول 2000، قام آرييل شارون، زعيم حزب الليكود المعارض بزيارة لجبل الهيكل في القدس القديمة، وهو المكان الذي يضمّ بقايا الهياكل اليهودية القديمة، إضافة إلى قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وربما أكثر قطعة أرض مثيرة للخلاف عرفها الإنسان.كانت غاية شارون المعلنة النظر في شكاوى الجيولوجيين الإسرائيليين الذين كان المسلمون يتلفون موقعهم، لكنّه وصل محاطاً بألف جندي وشرطي إسرائيلي، بعد يوم واحد على مقتل رقيب في الجيش الإسرائيلي في هجوم إرهابي. وفي اليوم التالي للزيارة، بدأت الانتفاضة الثانية، ودبّت الفوضى في عملية السلام. وفي السنوات الخمس التالية، قُتل قرابة 950 إسرائيلياً، أكثر من نصفهم داخل إسرائيل وكثير منهم في تفجيرات انتحارية فظيعة. وفي نهاية سنة 2005، بلغت حصيلة القتلى الفلسطينيين نحو 3200.لم تنهر عملية السلام في الشرق الأوسط من قلّة المحاولة. فقد شاركتُ في ثلاث اندفاعات أخرى للسلام في الشرق الأوسط في عهد كلينتون: ملحمة كامب ديفيد بدأت في 11 تموز (يوليو) واستمرّت مندون توقّف مدّة أسبوعين؛ واجتماع المتابعة في باريس الذي بدأ في 4 تشرين الأول 2000، بعد أقلّ من أسبوع على تصدّع السلام ثانية بفعل اندلاع الانتفاضة الثانية؛ وقمة 16 ـ 17 تشرين الأول في شرم الشيخ، التي شارك في رئاستها كلينتون والرئيس المصري حسني مبارك (...).في الـ «سي آي إي»، اضطلعنا بدور لم يكن الكثير منّا في الوكالة وغالبية أعضاء الكونغرس وغيرهم مرتاحين إليه. فعلى المستوى الشخصي، بذلنا الكثير من الطاقة في التحدّي. فالجلوس في غرفة مع الفلسطينيين والإسرائيليين لا يشبه الجلوس في غرفة مع رؤساء أقسام الشركات أو حتى محامي الطلاق. بادئ ذي بدء، كنت أعرف في شكل مطلق أنّنا سنستمع في الساعات الثلاث أو الأربع الأولى إلى ما استمعنا إليه في اجتماعات سابقة بالضبط - سرد طويل للشكاوى. ذلك هو المعطى، ولا خيار لنا سوى القبول، مع العلم أنّه يمكن أن يكون في أي وقت 40 في المئة مما نسمعه غير صحيح. وكان من المسلّم به أيضاً أن ينشب في منتصف الجلسة نقاش عائلي ساخن جداً بحيث نخشى أن يصل الطرفان إلى اللكمات. هكذا كانت الأمور تجري. كان الفلسطينيون والإسرائيليون يتصايحون ويتصارخون. ولا يمكن أن يحدث شيء على الإطلاق في هذه المفاوضات.كنت في قائمة الانتظار في قمة كامب ديفيد في تموز 2000. لم تشغل القضايا الأمنية الأهمية القصوى في المباحثات في البداية. فقد انتقلت المحادثات إلى قضايا أخرى وشملت فاعلين آخرين، في الجانب الإسرائيلي على الأقل، حيث ذهب نتانياهو وحلّ محلّه باراك. غير أنّ عرفات كان لا يزال يرأس الجانب الفلسطيني ومن الصعب زحزحته، إذا لم تكن مستحيلة، كالعادة. وليس للمسؤولين الرئيسين المشاركين أي تأثير تقريباً حين يكون معنياً. كانت علاقة مادلين أولبرايت بعرفات تتراوح بين المحبّة والكراهية، وفي ذلك الوقت كان جانب «الكراهية» طاغياً على جانب «المحبّة». وكان يمكن الرئيس كلينتون أن يزحزحه، لكنّ عرفات استعصى.في الظاهر، كان من المدهش مقدار التضحية التي أبدى الإسرائيليون استعدادهم لتقديمها باسم التوصّل إلى نوع من الاتفاق الدائم، ومن الصعب فهم سبب رفض عرفات. مع ذلك فإنّ تقويم الـ «سي آي إي» السابق للقمة أظهر أنّ باراك قادم إلى كامب ديفيد لإبرام اتفاقية إطار للحل الدائم، لكن لم يكن لدى عرفات مثل هذه النية. فقد كان عرفات يعتقد أنّه حصل على التزام مؤكّد من باراك بتسليم ثلاث قرى عربية قرب القدس. وعندما اتضح لعرفات في أواسط أيار (مايو) أنّه لن يحصل على القرى عما قريب، استنتج أنّه لا يستطيع الثقة بباراك في شأن تنفيذ وعوده. فحجّة باراك أنّ وضعه الدقيق في الداخل يقتضي منه المحافظة على رأسماله السياسي لمحادثات الوضع النهائي بدلاً من تبديده على سلسلة من الخطوات المرحلية لم تبدُ منطقية بالنسبة إلى عرفات. وهكذا جاء عرفات إلى القمة لأنّه لا يريد إهانة الرئيس كلينتون. لكن من دون إرجاع القرى وإبداء المرونة الإسرائيلية فإنّه سيتريّث حتى انتهاء المسعى الحالي.بعد عشرة أيام من المحادثات تغيّرت حالة الانتظار التي كنت أتخذها. فقد اتصلت بي مادلين أولبرايت القلقة وطلبت أن أحضر إلى كامب ديفيد بعد ظهر 22 تموز لإقناع عرفات بالتفاوض على أساس خطة باراك. اجتمعت أنا وغيوف أوكونِل، خليفة ستان موسكوفِتز، مع مادلين أولبرايت القانطة وفريق السلام في حجرة وزيرة الخارجية. فأبلغتنا بأنّ المفاوضات انهارت إلى حدّ ما بعد تلك الصورة الشهيرة لباراك وعرفات وهما يحضّان أحدهما الآخر على الدخول أولاً إلى مقرّ الرئيس. والواقع أنّ باراك وعرفات لم يجتمعا معاً منذ ذلك الحين (...).في تشرين الأول 2000 اجتمع الأطراف ثانية في باريس. في ذلك الوقت، كان مضى على الانتفاضة أسبوع، كنّا نحاول التوصّل إلى شيء مثير لإيقاف العنف. فاجأتني مادلين بالتوجّه نحوي في وقت مبكّر من الاجتماع والقول، «تولّ الأمر». قبلت على مضض. وراجعت في ذهني نقاط الحديث التي لدي، وخلال وقت قصير توصّلنا إلى عشر خطوات يجب اتخاذها - عشر خطوات وافق الطرفان عليها، وذلك اختراق كبير. وفيما عمد دنيس روس إلى إيجاز الخطوات العشر ووضعها على الورق، غادر عرفات لزيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وبدأ كل شيء ينحرف عن مساره ثانية.بحث الرئيس الفلسطيني مع شيراك أكثر النقاط العشر إثارة للخلاف - التحقيق في أسباب الانتفاضة. في اجتماعنا وافق الطرفان على لجنة تحكيم برئاسة أميركية، يشارك فيها الأوروبيون، لكنّ عرفات ضغط على شيراك من أجل محكمة دولية، محاكمة استعراضية مع هيئة محلّفين جذّابة لن ترضى بها إسرائيل قط. وأيّد شيراك عرفات، وعدنا إلى المراوحة ثانية (...).

* * *

ترأس عمر سليمان جهاز الاستخبارات المصرية منذ سنوات. وهو كلواء ورئيس للاستخبارات، طويل القامة ذو مظهر ملكي، وشخص قوي جداً، ويتحدّث بتمهّل شديد. كما أنّه شديد وجذّاب. وهو صريح تماماً في عالم مملوء بالظلال. كما أنّ عمر عمل بعيداً من الأضواء في محاولة لإحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وينطبق ذلك أيضاً حتى عندما كانت الولايات المتحدة لا تزال منخرطة في العملية. وعندما لم يكن أحد يحاول الاجتماع بحماس، ولا يتحدّث أحد إلى الفلسطينيين. وعندما لم يكن أحد يتحدّث إلى الإسرائيليين، وعندما لم يكن هناك من يتقدّم بأفكار مبتكرة لمحاولة جعل الأطراف تتحدّث بعضها إلى بعض، كان عمر على الأرض يعرّض نفسه للمخاطر.

لم أكن أعرف حسني مبارك جيّداً، لكنّه أحد أكثر الشركاء موثوقية في محاربة الإرهاب ومحاولة تحقيق السلام في الشرق الأوسط. لم تكن علاقتنا علاقة الندّ للندّ. إنّه شخصية تاريخية مهمة. فهو يرأس مصر منذ سنة 1981، في أعقاب اغتيال السادات. وكان هو نفسه قاب قوسين أو أدنى من التعرّض للاغتيال سنة 1995، عندما كان في أثيوبيا، وبعد أربع سنوات نجا من الموت أيضاً عندما هاجمه أحدهم بسكين. إنّه يمتلك حكمة كبيرة، وثمة جانب مرح فيه على رغم أنّه رجل جدّي. وكانت قمة تشرين الأول في شرم الشيخ مثالاً على ذلك. فقد أمضيت أنا وعمر سليمان النهار بأكمله محبوسَين في غرفة مع الفلسطينيين والإسرائيليين للتوصل إلى صفقة أمنية. وعندما فرغنا، ذهبت لأطلع ياسر عرفات على التفاصيل، في حين جلس مبارك على كرسي في ركن الغرفة. كان لدى عرفات في مثل هذه الظروف طريقة في النظر إليّ كأنّني أتحدّث لغة أجنبية غير مفهومة. وذلك أمر معهود عنه، كان يشتري الوقت للتفكير في الأمور. لكن في هذه المناسبة لم يكن الأمر كما هو مألوف. فقد رأيت بزاوية عيني حسني مبارك، الرئيس المصري، ومستضيف المؤتمر، وأقرب ما يكون الضامن لفلسطين، ينظر إلي وإلى عرفات وهو يحرّك إصبعه قرب رأسه، وتلك هي الإشارة الشائعة التي تعني أنّ «الشخص الذي تتحدّث إليه مخبول»! وتابعت الاطلاع - فأنا مهني مدرّب في النهاية - لكن لم يكن الأمر سهلاً، وبخاصة عندما استسلم مبارك للضحك بهدوء بعد أدائه حركته المضحكة.

كانت الثقة بعرفات مشكلة عويصة دائماً، لا سيما في السنة الأخيرة من إدارة كلينتون. فقد كان يعرف مقدار تلهّف الرئيس الأميركي للتوصّل إلى سلام - لأسباب إنسانية واستراتيجية، ولكي يخلّف ميراثاً. وكان عرفات يريد شيئاً إضافياً دائماً، ولم يكن هذا الشيء الإضافي يكفي البتة لأنّ ما يريده حقّاً أن تبقى عملية السلام ناشطة دائماً من دون أن يتمّ التوصّل إلى حلّ. فبقاء العملية مستمرة يعطي عرفات نفوذاً. الوصول إلى حافّة الاتفاق ثم التراجع يجعلانه لاعباً مركزياً على المسرح العالمي، ويضفيان عليه الشرعية. وسيراه شعبه في أخبار الـ «سي أن أن». وكان يحبّ وجود الـ «سي آي إي» في وسط المفاوضات. فالـ «سي آي إي» تعويذة قوية في الشرق الأوسط. كان يأخذ ما يستطيع منّا، ولا يعطي بعد ذلك سوى القليل.

عندما جاءت إدارة بوش إلى السلطة، لم تكن تبدي اهتماماً كبيراً بعرفات. لقد جعله فريق كلينتون جزءاً مركزياً من عملية السلام. مع ذلك لم يتمكّن عرفات من إنجاز الاتفاق. لذلك - وتلك نظرة كنت أؤيّدها - لن يُسمح له بالدخول من الباب الأمامي. ولن يصوّر بعد الآن كلاعب مركزي. ولا مزيد من المكافآت لتصرّف لا يقودنا إلى أي مكان (...).

عندما تدخّلنا في عملية السلام، كان من الصعب ألا نستغرق بها تماماً. فلدينا روابط عميقة جداً مع الإسرائيليين، الذين يشبهوننا من نواح عدة. وكانت العلاقات التي نسجناها مع رجال استخباراتهم المهنيين عميقة وذات مغزى. وقد أصبحت علاقات شخصية، حيث تحوّلت إلى صداقة دائمة مع داني ياطوم وإفرايم هاليفي وأفي دختر. فهؤلاء رجال يمكنني الاعتماد عليهم. ولدينا دوافع واهتمامات مشتركة.

في الوقت نفسه، كان من الصعب عدم نشوء مودّة مع الفلسطينيين. فقد كنت أدرك أنّهم يريدون وضع أنفسهم في مكان أفضل. لكنّ السياسة والعداوات التاريخية أشياء لا تستطيع المحادثات الأمنية وحدها التغلّب عليها. وكنت أرى أنّه إذا كان هناك من طريقة لتحسين حياة هذا الشعب الذي يعاني منذ مدة طويلة، فينبغي لنا أن نجرّبها. صحيح أنّها بيئة عاطفية، لكن ثمة مواهب وإمكانات كبيرة لدى الجانبين. وهناك احتمالات عظيمة. المسألة لا تتعلّق البتة بتأييد الإسرائيليين أو الفلسطينيين. فقد كنت أؤيّد الجانبين.

من الواضح أن الطرفين يتحمّلان المسؤولية النهائية عن نجاح العملية أو فشلها. فلا يمكننا أن نبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي ما هي احتياجاته الأمنية. ولا يمكننا أن نبلغ رئيس الوزراء الفلسطيني ما هي احتياجاته الأمنية. لكنّ الولايات المتحدة كانت في تلك الفترة وفي هذه القضية تلعب دوراً مميّزاً. وقد نجح ذلك، لا بالنسبة إلى الأمن والفائدة الأخلاقية فحسب، وإنّما لفائدة العالم أيضاً إلى حدّ كبير.

على رغم أنّ استراتيجيتنا كانت متركّزة أولاً وقبل كل شيء على الإسرائيليين والفلسطينيين، فقد كانت هناك منافع أخرى. لقد منحنا ذلك شرعية أكبر في العالم العربي لأنّنا أظهرنا الكرامة والاحترام في التعامل مع الشعب الفلسطيني. وأتاح لنا أن نُظهر للشارع العربي أنّنا نهتمّ بقضية استخدمها الإسلاميون والإرهابيون لتحريك مشاعر الظلم. وقد فُتحت أمامنا الأبواب لأنّنا ظهرنا منصفين. لم يقتصر ذلك فقط على رؤساء الاستخبارات في كل أنحاء المنطقة، بل تعدّاه إلى رؤساء الدول أيضاً، بحيث يقفون إلى جانبنا عندما نحتاج إلى مساعدتهم حقاً. وكان ذلك الوقت يقترب. ففي معظم الأحيان، كانت العقبة الكأداء أمام السلام تحمل الاسم نفسه: عرفات._ الحياة _

* تصدر الترجمة العربية للكتاب عن دار الكتاب العربي في بيروت آخر هذا الشهر.

 

إن القدرة على التعبير هي القدرة على الحياة

الرئيسية
أضف مقالك
حرية الرأي
ملفات
إقتصاد
ثقافة
كتب ودراسات
إبداع
تحقيقات
فلكلور
المرأة
ملعب الأنباء
نقابات
مسرح
قصة قصيرة
نــقــد
شعر وشاعر
معرض الأنباء
رأيك إيه
مجتمع مدني
بيانات
أضف موقعك
مقابلات وحوارات
إستراحة الأنباء
الثقافة الجنسية
دردش مع الأنباء
بتحب ولا إيه
لمسات
اتوموبيل
سينما
صحف المعارضة