|

لكل من يُنظّر
خارج منطق الحقيقة.. مكّة غير الطائف من كافة الوجوه..
وحتى التفاصيل..
نبيل أبو جعفر ـ باريس
لا مجال للمقارنة بين
لقاء مكة الفلسطيني واتفاق الطائف اللبناني من كافة
الوجوه، ولا وجود لأي تشابه بينهما كما يراه البعض، لا
من حيث طبيعة فرقاء الحوار هنا وهناك، ولا ظروفه، ولا
أوضاع كل طرف أو بلد.
حتى في التفاصيل
الدقيقة جداً تظهر الفوارق الكبيرة بين مكة والطائف
لمن يريد ان يُدقّق، ويبحث عن الحقيقة مجرّدة من أي
هوى. صحيح أن راعي اللقائين واحدٌ في الإثنين، لكن
وسيلة هذا الراعي لتحقيق الهدف الأبعد من وراء هدف
التفاهم ليست هي نفسها في الاثنين.
وحتى لا يأخذ القارئ
انطباعاً في غير محلّه بالنسبة للموقف من لقاء مكة،
يقتضي الإقرار بإيجابيته، وعدم إنكار ايجابية خطوة
الداعين له، والهدف العملي الذي حققوه بحقن دماء
الأخوة بمبادرة منهم بعد ان فشل حقنها مراراً بمبادرات
واتفاقات فلسطينية- فلسطينية.
هذا يعني انه مهما
كان الرأي بالسعودية ونظامها وأسلوب عملها، فإن ذلك لا
يجب ان يحجب الإقرار بأن لقاء مكة كان استثناءً
ايجابياً شكل نقطة مضيئة في سجل المسيرة السياسية
السعودية المليء بالعتمة.
ومهما كان وراء هذه
الدعوة من حسابات أخرى يحقّ لأي دولة أن تحسب حسابها،
فإن ذلك لا يطمس ايجابية النتيجة، سواء كان هدف
المملكة استحضار دورها الذي تقلّص، أو تحسين سمعتها
التي اهتزّت إثر مواقف عديدة شابتها، أو لتقوية موقفها
خليجياً وعربياً ودولياً، خصوصاً وأنها على أبواب
القمة العربية المنتظر انعقادها على أراضيها، أو حتى
مصادرة دور البعض او نكاية بالبعض الآخر.
هذا من حيث الإطار
العام، أما من حيث طبيعة اللقائين ونوعية المتحاورين
في كل منهما، وأرضية كل فريق ومنطلقاته، وعلى أي خلفية
تمت دعوته وجرى "إقناعه"، فثمة فرق بين الأرض والسماء.
قبل كل شيء لا يمكن
لأحد في الدنيا أن يقول بأن حوار الفلسطينيين كان بين
وطنيين وغير وطنيين، أو بين مرتبطين بهذا النظام وغير
مرتبطين، بين فرنسي واميركي وإسرائيلي، أو بين مجرمين
وضحايا القتل على الهوّية. انه حوار بين طرفين وطنيين
يؤمنان بنفس المبدأ ونفس الهدف، ولكنهما يختلفان على
النهج ووسيلة الوصول إليه. لا فتح "خائنة" مهما تراخت،
ولا حماس "إرهابية" مهمّا تشدّدت.
ثم، لا يمكن لأحد ان
يُسجّل على أي منهما، ولا على أي تنظيم فلسطيني آخر
تبعيته لجهة معادية، أو عمالته لأي نظام مهما وصلت
حدود التنسيق مع البعض، إلا أن الأمر يختلف بالنسبة
لإتفاق الطائف والأطراف التي شاركت فيه، والكيفية التي
تّمت دعوتها على أساسها، وتمّ "إقناعها" حتى بالريال
بالنسبة للبعض. كما أن أحداً لا يمكنه أن يُنكر أيضاً
تبعية بعض أطراف الصراع في لبنان علناً للأجنبي،
وعمالة بعض هذا البعض الى حد تنفيذه جرائم نيابة عن
الأعداء، وليست مجزرة صبرا وشاتيلا إلا مثلاً واحداً
لا أكثر.
حتى المنطلقات
والمواقف السياسية لكل طرف في لقاء الطائف لم تكن
يوماً واحدة، ولا كان الهدف واحداً باستثناء ترديد
اسطوانة التغنّي بلبنان الديمقراطية والتسامح ورمز
التعايش بين الطوائف (مع أن الحقيقة المؤسفة غير ذلك
منذ أيام الاستقلال وحتى اللحظة). أي باختصار لم تجمع
رموز القوى اللبنانية أرضية وطنية واحدة في لقاء
الطائف، بل جمعت معظمهم شراهة المال والمصالح، والحرص
على حصته من كعكة الأرز. وهذا الأمر بالذات يفهمه
الجميع، وتدركه السعودية بالتجربة الملموسة أكثر من
غيرها.
فالسعودية التي تُدرك
انه مهما ازدادت ثروتها وتعزّز دورها وثقلت موازينها
فإنه يستحيل عليها تغيير قناعة فلسطيني تجاه الثوابت
والأساسيات، ويستحيل عليها شراء قيادة أو فصيل مهما
صغر، فانها تدرك جيداً في المقابل ان بإمكانها شراء
نصف لبنان، بأحزابه وسياسييه ووزرائه وحتى قبضاياته و
"زعرانه" وقد فعلت ذلك!
عدا ذلك، فإن
السعودية التي لا تعنيها فلسطين كمصيفٍ أو بلد سياحي،
ولا تستطيع أن تحوّلها الى "كباريه" يقضي فيه بعض
"طوال العمر" لياليهم الحمراء، ترى هذه الإمكانية أكثر
من متوفرة في أجواء نصف لبنان على الأقل. والنصف هنا
لا يشمل طائفة بعينها أو مذهباً أو عرقاً، بل يشمل
نوعية من البشر تلتصق كالعَلَقْ في جسد كل فئات الشعب
اللبناني ومناطقه. كتلك النوعية من الصحافيين الذين
عملوا مع الحزب الشيوعي، والفصائل الفلسطينية، ثم
انتقلوا الى الصحف الانعزالية فالكويتية، فراديو "سوا
الأميركي وفضائية الحرّة، وهم على استعداد للإرتماء في
حضن فضائية "المنار" اذا دفعت لهم أكثر، أو حتى العمل
كمترجمين مع جيش الاحتلال الأميركي في العراق، دون أن
يرفّ لأحدهم جفن رغم هذا التنقل وسط المتناقضات!
السعودية المشكورة
على خطوتها الايجابية اليتيمة في مكة تعرف ايضا وأيضاً
انها تستطيع تحريك الكثير من رموز القوى اللبنانية
الممتدة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار بالريال
والدولار، ولكنها لا تستطيع تحريك تنظيم فلسطيني
لصالحها، ويستحيل عليها أن تنجح في تجيير الوضع
النضالي المقاوم لصالحها.
خلاصة القول: ليت كل
الذين يُنظرون للتشابه الكبير بين مكة والطائف في هذه
الأيام أن يعوا الفروق الكبيرة بينهما، وأن يفتحوا
أعينهم على الحقائق. فليست شهوة الحصول على المال
سبباً مقبولاً ـ من قبل اي سياسي او صحافي ـ لتبرير
هذا التلاعب المكشوف في التنظير.
|