<% Dim fsoObject 'File System Object Dim tsObject 'Text Stream Object Dim filObject 'File Object Dim lngVisitorNumber 'Holds the visitor number Dim intWriteDigitLoopCount 'Loop counter to display the graphical hit count Set fsoObject = Server.CreateObject("Scripting.FileSystemObject") Set filObject = fsoObject.GetFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) Set tsObject = filObject.OpenAsTextStream lngVisitorNumber = CLng(tsObject.ReadAll) lngVisitorNumber = lngVisitorNumber + 1 Set tsObject = fsoObject.CreateTextFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) tsObject.Write CStr(lngVisitorNumber) 'Reset server objects Set fsoObject = Nothing Set tsObject = Nothing Set filObject = Nothing For intWriteDigitLoopCount = 1 to Len(lngVisitorNumber) Response.Write("") Next %>
                            ان القدرة على التعبير هى القدرة على الحياة // تصدر عن مؤسسة الانباء العالمية للصحافة والطباعة والنشر والدعاية والاعلان
 

دعوة للأخر
مقالات رئيس التحرير
 
بلال الحسن

أما آن أوان الحسم في السياسة العربية؟

بلال الحسن

كما أن الطبيعة لا تحتمل الفراغ، كذلك فإن السياسة لا تحتمل المواقف المعلقة. السياسة موقف وقرار وحسم، وسواء كان صائبا أو خاطئا، مرضيا أو مثيرا للغضب، فإنه موقف وقرار وحسم لا بد منه.

والسياسي أيضا لا يستطيع إلا أن يقول، فإذا واجه وضعا، مهما كان نوعه، عليه أن يبادر إلى إعلان الحل الذي يرتئيه، وعليه مهما كان الوضع معقدا، أو مهما كان الظلام مخيما، أن يبتكر، أن يبتكر الحلول، وأن لا يستسلم لليأس، وإلا لما كان رجل سياسة.

ولكن هذه القواعد البديهية المعروفة في عالم السياسة والسياسيين لم تعد أمرا مسلما به في السياسة العربية، وحلت محلها قواعد جديدة، أساسها المواقف المعلقة، وتأخير الحسم، والانتظار الطويل بدل اتخاذ القرار. نشهد ذلك الآن من حولنا بكثافة في مناقشات جامعة الدول العربية التي انتهت قبل أيام، وفي الجدل الدائر حول القمة العربية، تنعقد أو لا تنعقد، وفي جدل انتخابات الرئاسة في لبنان، تتم أو لا تتم، وفي التفاوض الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يتواصل أم يتوقف.

والمسألة هنا ليست تحبيذا أو لوما، إنما هي توصيف لحالة نمر بها فرادى ومجتمعين، تضع الحياة السياسية العربية كلها في مرحلة «التعليق»، فلا هي تقطع ولا هي تصل، ولا هي تتوقف ولا هي تمضي إلى الأمام. وفي إطار هذا التوصيف لا نستطيع أن نصف الوضع إلا بأنه خطير. ليس خطيرا بسبب ما نواجهه من قضايا جوهرية، بل خطير لأن الحسم لا يتم، لا بهذا الاتجاه ولا بذاك. وغياب الحسم هذا هو أخطر ما يمكن للسياسة أن تتعرض له، وأخطر ما يمكن للسياسي أن يواجهه.

لنأخذ مثلا من مناقشات الجامعة العربية.. لقد توقف الوزراء والقادة أمام مسألة جوهرية وهامة تتعلق بمبادرة السلام العربية. لقد رفضت إسرائيل هذه المبادرة عند الإعلان عنها، وتعاملت معها على مضض في مرحلة لاحقة، وقالت إنها تقبلها من حيث المبدأ، ولكنها تريد فقط تغيير كل بنودها بالكامل، بينما هي تواصل نسفها على أرض الواقع من خلال عدوانها الدموي المتصل على الشعب الفلسطيني، ومن خلال استعدادها المتواصل لحرب لا يعرف أحد أين ستندلع، في فلسطين أم في لبنان أم في سوريا أم في ايران؟. وما كان من الوزراء والقادة في جامعة الدول العربية إلا أن يتوقفوا أمام هذه المماطلات الإسرائيلية ليعلنوا أن المبادرة لا يمكن أن تبقى معروضة إلى الأبد إذا لم تتجاوب إسرائيل معها، ملمحين إلى أن المبادرة يمكن أن تسحب من على الطاولة، وملمحين أيضا إلى ما هو أخطر، وهو أن سحب المبادرة يمكن أن يعيد المنطقة إلى أجواء المواجهة العربية ـ الإسرائيلية. ولكننا بالمقابل نستطيع أن نسأل هل تم سحب المبادرة ؟ الجواب هو طبعا لا. وهكذا أصبحنا أمام وضع سياسي «معلق»، تجاه وضع استراتيجي خطير، فلا نحن موقنون بأن إسرائيل ستقبل المبادرة، ولا نحن جاهزون بعد لسحبها من على الطاولة.

لنأخذ مثلا آخر يتعلق بالقمة العربية.. إن قرار انعقاد قمة عربية دورية كل عام هو قرار عربي جماعي، وليس قرارا يخص هذه الدولة أو تلك، ولكن الظروف المحيطة بالقمة، من التوتر السعودي ـ السوري، إلى ارتباط ذلك بأزمة انتخابات الرئيس اللبناني، إلى التساؤلات الخفية والمعلنة حول ايران وسياستها العربية، كل ذلك أحاط القمة بأسئلة كثيرة، هل تنعقد أم لا تنعقد؟ هل تنعقد في دمشق أم في مكان آخر؟ هل تسبقها قمم مصغرة أم يتم الذهاب إليها مباشرة؟ وحين تم حسم أمر هذه القضايا كلها في مداولات الجامعة العربية، قيل إن القمة ستنعقد حتما، وستنعقد في مكانها المحدد في دمشق، ولكن مسألة التمثيل بقيت فيها معلقة، بحيث بتنا أمام قمة ستنعقد، ولكننا لا ندري إذا كانت ستتخذ قرارات ملزمة أم لا. وهو أمر يبقي قضية القمة معلقة سياسيا حتى لو انعقدت، فقد تنعقد ولكن يغيب عنها الإجماع السياسي، وقد يتوفر الإجماع ولكنه يبقى دائرا في إطار العموميات، ومن دون أن ينفذ إلى الجوهر.

وثمة أمثلة أخرى فردية وليست جماعية.. إذ على دوي الغارات الإسرائيلية، وعلى هدير الدبابات التي هاجمت قطاع غزة، أعلن الرئيس محمود عباس «تعليق» المفاوضات مع إسرائيل، وفهم هذا التعليق على أنه درجة من درجات الاحتجاج على القتل الإسرائيلي للمدنيين والأطفال. ولكن هذا الموقف الخجول (التعليق) لم يرض وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، فجاءت فورا إلى المنطقة، وأعلنت منذ لحظة وصولها إلى القاهرة أن الفلسطينيين هم المعتدون، وأن المفاوضات يجب أن تستمر، ثم صاغت موقفها هذا بشكل تهديدي، وقالت بصراحة إن الصواريخ الفلسطينية يجب أن تتوقف، وأن على الرئيس الفلسطيني أن يدرك أن الوقت يمضي، وأنه لا يوجد وقت كاف لإنجاز التسوية (في نهاية العام 2008) إذا هو واصل تعليقها بين وقت وآخر. لم تتحدث رايس، ولو بكلمة واحدة، عن «الاحتلال» الإسرائيلي، بل أشارت بخجل إلى قتل المدنيين والأطفال، قائلة بحنان إن على إسرائيل أن تراعي إصابات المدنيين أثناء دفاعها عن نفسها. وأمام هذا كله ظهرت التصريحات الفلسطينية التي تمهد للعودة إلى المفاوضات انسجاما مع التهديدات الأميركية، وأصبحنا هكذا أمام وضع سياسي فلسطيني «معلق»، فلا نحن منخرطون في المفاوضات كما تتمنى رايس، ولا نحن مبتعدون عنها كما يريد الرئيس عباس. والمواقف السياسية المعلقة هي أخطر ما يمكن أن تواجهه السياسة، وهي أخطر ما يمكن أن يواجهه السياسي.

لو أن الأمور تسير سلميا نحو الحسم والإنجاز لأصبحت السياسة العربية بألف خير. ولو أن الأمور تسير نحو القطيعة والاستعداد للمواجهة مع إسرائيل لأصبحت السياسة العربية بألف خير، أما هذه الحالة المعلقة، حيث لا السلام يسير نحو هدفه، ولا المواجهة تسير نحو هدفها، فإن المنطقة كلها تدخل في حالة من التوتر.

نقول كل هذا لنصل إلى نتيجة محددة وهي أن السياسة العربية لم تعد قادرة على تحمل هذا الوضع المتأرجح، وهو أمر يستدعي ضرورة العمل من أجل الوصول بالسياسة العربية إلى مرحلة الحسم، وهو حسم له ما يبرره، بعد أن جربنا كل ما هو ممكن مع السياسة الأميركية ولم نجن سوى الانحياز الأميركي لإسرائيل. وبعد أن جربنا كل ما هو ممكن في التفاوض مع إسرائيل ولم نجن سوى المماطلة والمستوطنات والعمل اليومي الدؤوب للسيطرة على مدينة القدس.

ولا بد أن نسجل هنا أن الحسم في القضايا الكبرى ينعكس مباشرة على القضايا الأصغر. الحسم في التعامل مع السياسة الأميركية، والحسم في التعامل مع المماطلة الإسرائيلية، ينعكسان تلقائيا على لبنان، وعلى القمة العربية، وعلى العلاقات مع جيراننا في ايران وتركيا.

إن العيون مشدودة نحو تلميح توصيات الجامعة العربية، بأن مبادرة السلام العربية لا يمكن أن تبقى طويلا على الطاولة في مواجهة الرفض الإسرائيلي لها. والأمل معقود على موقف تال يعلن أن الرفض الإسرائيلي للمبادرة يلغي مبرر وجودها، فتنتهي بذلك حالة المواقف السياسية المعلقة، ويعرف الجميع أن الكيل قد طفح لدى العرب، لدى العرب جميعا، وأن لذلك نتائجه الكبيرة.

 

من يجرؤ ويقول لبوش: كفى .. لقد تجاوزت الحدود؟

بلال الحسن

يصل بعد يومين إلى إسرائيل الرئيس الأميركي جورج بوش، بادئا من هناك زيارة إلى السلطة الفلسطينية وإلى بعض الدول العربية. يسعى الرئيس بوش إلى هدفين معلنين، أولهما دفع المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بعد أن اصطدمت بصخرة مواصلة الاستيطان. وثانيهما محاولة دفع العلاقات العربية ـ الإسرائيلية نحو المزيد من التطبيع. أما الهدف غير المعلن للزيارة، وهو الهدف الحقيقي، فهو إشاعة جو إعلامي بأن سياسة الإدارة الأميركية ناجحة ومتصلة ونشطة، وهي لم تفشل كما يؤكد الجميع.

وقد نظمت إسرائيل إجراءات أمنية كثيفة من أجل حماية الرئيس، حيث سيتم وقف التنقل على الطرقات الرئيسية مثلا يوم وصوله، مع ما يعنيه ذلك من عنت يشل حركة الناس. وقد أعادت هذه الإجراءات الأمنية غير المعهودة إلى الأذهان، تصريحات إسرائيلية حول زيارة سابقة قامت بها كوندوليزا رايس إلى إسرائيل، وسئل المسؤولون بعدها: هل نجحت الزيارة أم لا؟ وكان الجواب أنها كانت زيارة ناجحة جدا. لماذا؟ لأن رايس عادت حية إلى واشنطن. ويتضمن هذا التقييم إشارة إلى أن من يضغط على إسرائيل سيقتل، ومن يوافق على مخططاتها يعود حيا إلى بلده. هذه الفظاظة الإسرائيلية لا مبرر لها مع الرئيس بوش، فهو ليس رئيسا مؤيدا لإسرائيل. إنه المخطط الأكبر لكل ما من شأنه أن يمنحها مزيدا من القوة العسكرية والسياسية ضد جيرانها فلسطينيين وعربا.

وإذا كانت هناك فظاظة إسرائيلية في التعليق على الزيارات الأميركية، فهناك فظاظة أميركية في التعامل مع الفلسطينيين، إذ يتضمن برنامج الرئيس بوش زيارة إلى رام الله، واجتماعا مع الرئيس محمود عباس، مع رفض أميركي رسمي لزيارة ضريح عرفات ووضع إكليل من الزهور عليه. ذلك أن الرئيس بوش يعتبر عرفات إرهابيا، وهو الذي وضع الخطط لإقالته أو إزاحته كشرط إنجاز للعمل باتجاه إنشاء دولتين، ومن أجل إنجاح خطة خارطة الطريق، فكيف يزور ضريحه إذا؟ يريد بوش أن يقول للفلسطينيين إنه يزورهم لأن عرفات انتهى، ولأن الفلسطينيين كانوا جيدين فانتخبوا قيادة جديدة وديمقراطية بدل قيادة عرفات الإرهابية. ولكن ما سيلاحظه بوش أثناء زيارته، هو العلامات البارزة في كل مكان من أثر الاحتفال بذكرى انطلاقة فتح، حيث تشكل صور عرفات بندا اساسيا من بنود الاحتفال. وهو حين يعقد لقاءه مع عباس في غرفة مكتبه، ستكون صورة عرفات موضوعة في صدر الغرفة، مع تمنيات حارة من قبلنا بأن لا يطالب البروتوكول الأميركي برفع الصورة أثناء اللقاء، ومع تمنيات حارة من قبلنا بأن لا يقبل الرئيس الفلسطيني ذلك إذا طلب منه.

العنوان الأول الطاغي على الزيارة سيكون طلب بوش من إسرائيل أن توقف (توسيع) المستوطنات، وهو أمر من المرجح أن توافق عليه. والموافقة على وقف (توسيع) الاستيطان هو مطلب فلسطيني أساسي من أجل استمرار المفاوضات، ولكن هذا الشرط سيكون باهتا إذا لم يكن شاملا، وسيتحول إلى أكثر من باهت إذا لم يعترض المفاوض الفلسطيني على التفسير الإسرائيلي له.

أولا: لقد أصبح الموضوع منحصرا بـ«وقف التوسيع»، أما المستوطنات نفسها فقد أصبحت وكأنها مسلم بوجودها وبقائها.

ثانيا: لقد أصبح الموضوع منحصرا بإزالة «البؤر» الاستيطانية غير المرخص بها، أما المستوطنات المرخص بها، وهي المستوطنات الأساسية والأكبر، فقد أصبحت وكأنها خارج الموضوع.

يعترف ايهود اولمرت (في مقابلته مع صحيفة جيروزالم بوست مطلع العام) «أن خريطة الطريق تلزم إسرائيل بوقف جميع البناء (التوسع) في المستوطنات، ولكنه يعتبر أن ذلك يسري على الضفة الغربية ولا يسري على مستوطنات منطقة القدس لأنها في عرفه جزء من إسرائيل، ولأنها تضم 80% من المستوطنين، فإذا تم التغاضي عن هاتين المسألتين يصبح «الانتصار» الفلسطيني بوقف (توسيع) المستوطنات بدعم من الرئيس بوش، انتصارا يشبه المهزلة، وستبنى عليه تنازلات مستقبلية خطيرة.

وإذا كان المفاوض الفلسطيني سيحصر مطالبه مع الرئيس بوش بوقف (توسيع) المستوطنات كشرط لإطلاق المفاوضات، فإن اولمرت سيطرب لذلك، وهو يعلن طربه هذا بنفسه. لنستمع إليه في مقابلته التي أشرنا إليها:

يقول: إنه لا يتصور اتفاقا دائما مع الفلسطينيين طبقا لحدود 1967. إن مستوطنة «معاليه أدوميم» مثلا هي جزء لا يتجزأ من القدس وإسرائيل.

ويقول: إن إسرائيل ستتمكن من الاحتفاظ ببعض المناطق في الضفة الغربية في أي اتفاق سلام بموافقة أميركية.

ويقول: إن الاستثنائي حول الرئيس جورج بوش، هو أنه منذ رسالته التاريخية التي كتبها إلى رئيس الوزراء آرييل شارون، فإنه أوضح أنه يتصور أن تحتفظ إسرائيل ببعض المناطق من يهودا والسامرة (أي الضفة الغربية). إن بوش قال: حدود 1967 زائد. وهذا يعتبر إنجازا مذهلا لإسرائيل.

ويقول: إن خريطة الطريق تلزم إسرائيل بوقف جميع البناء في المستوطنات، ولكن رسالة بوش تضفي مرونة فائقة الأهمية لما ورد في خريطة الطريق ... وبناء على ذلك فإن مستوطنة «معاليه أدوميم» هي جزء لا يتجزأ من القدس ومن دولة إسرائيل.

ويقول: إن إسرائيل لن تقبل أبدا بحق عودة الفلسطينيين إلى إسرائيل. وأنا مقتنع بأن الرئيس محمود عباس قد اتخذ الخيار في قلبه بين التعلق بأسطورة حق العودة وبين فرصة إقامة دولة فلسطينية.

وختم قائلا: إن الرئيس بوش لا يضغط على إسرائيل بأي شكل. إنه لا يفعل أي شيء لست متفقا معه حوله. وهو لا يدعم شيئا أعارضه.

وعلى ضوء هذا الموقف الإسرائيلي الواضح والصريح، والمستند إلى رسالة بوش إلى شارون في 14/4/2004، فإن أي تفاوض فلسطيني مع بوش لا يتطرق إلى تلك الرسالة، ويبلغه الرفض الفلسطيني والعربي لها، ويبلغه أنها تتناقض مع القانون الدولي ومع اتفاقية جنيف الرابعة، سوف يكون تفاوضا لا معنى له. إن العلة تكمن في هذا الموقف الأميركي، فهو موقف خطير يكرر وعد بلفور عام 1919 ويكمله. وهو موقف خطير يحمل معه وزن الدولة العظمى مما يغري إسرائيل بالاعتماد عليه وتحويله إلى سياسة رسمية. وهو موقف خطير يجعل منطلق المفاوضات دعوة الفلسطينيين للاستسلام، ودعوة العرب للتخلي عن مبادرتهم.

ولنتذكر أن رسالة بوش إلى شارون تتضمن ما يلي: موافقة أميركية على عدم العودة إلى حدود 1967. موافقة أميركية على بقاء المستوطنات. موافقة أميركية على إلغاء حق العودة للاجئين. موافقة أميركية على استمرار سيطرة إسرائيل بعد الحل، على الأجواء، والمياه الإقليمية، والممرات البرية (المعابر) في الضفة الغربية وغزة.

هذه بعض نقاط رسالة بوش إلى شارون، وهي أهم وأخطر وأفدح من بند (وقف توسيع الاستيطان). والمفاوضات مع بوش لا بد أن تكون حولها، وإلا فإن تجاهلها يعني الرضوخ لها. فهل هناك من سيجرؤ على القول للرئيس الأميركي: قف. لقد تجاوزت الحدود.

 

ملاحظات حول الاستيطان في المفاوضات مع إسرائيل

بلال الحسن

لم يكد المفاوض الفلسطيني يعلن استعداده للذهاب إلى المفاوضات الجديدة مع الإسرائيليين، حتى وجد أمامه تحديا إسرائيليا من النوع الذي لا يمكن قبوله. وتمثل هذا التحدي بالقرار الإسرائيلي بتوسيع مستوطنة جبل أبو غنيم (هار حوماه) جنوب القدس بإضافة 307 مساكن إليها. ثم جاء تحد ثان أكبر، بعد أن قامت ضجة فلسطينية وعربية ودولية ضد هذا القرار، وذلك حين سعت إسرائيل إلى تبرير قرارها بالقول إن الاستيطان الجديد لا يمثل انتهاكا لما تم الاتفاق عليه في مؤتمر أنابوليس، ذلك أن منطقة القدس هي جزء من إسرائيل، وتوسيع المستوطنات فيها هو جزء من القرار السيادي الإسرائيلي. وبهذا تكون إسرائيل قد وضعت تحديا مزدوجا أمام المفاوض الفلسطيني: المستوطنات والقدس.القبول بالمستوطنات، والقبول بأن القدس إسرائيلية وهي خارج نطاق التفاوض. ويتفرع من هذين التحديين تحد ثالث، ذلك أن القبول بهذا المنطق الإسرائيلي حول المستوطنات والقدس، يعني أن تعديل حدود 1967 أصبح أمرا مقبولا، وأصبح أمرا مسلما به في مسيرة المفاوضات. وهكذا تكون ثلاث قضايا أساسية وجوهرية من قضايا الحل الدائم قد أصبحت محسومة لصالح المفاوض الإسرائيلي قبل أن تبدأ المفاوضات.

هل يقبل المفاوض الفلسطيني ذلك؟

أحمد قريع، حتى أحمد قريع رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض، والذي قاد مفاوضات اتفاق اوسلو السيئ الصيت، أبلغ الرئيس محمود عباس، أنه لن يتوجه إلى جلسة المفاوضات الأولى مع إسرائيل (يوم 12/12/2007) قبل أن يعرف الجواب الإسرائيلي حول الاستيطان. ولكن الرئيس محمود عباس كان لديه رأي آخر أعلنه بنفسه وجاء فيه : قلنا له نذهب ونتحدث ونسمع الجواب حول الاستيطان، ثم نجلس ونفكر وعلى ضوء ذلك نقرر ما هي الخطوة الواجب اتخاذها.

موقف الرئيس محمود عباس هذا يحكمه عاملان متناقضان: العامل الأول هو الرفض المبدئي للاستيطان، وقد نشرت جريدة «الأيام» الفلسطينية تصريحا على لسان الرئيس عباس يقول فيه «يجب الاستمرار في المطالبة بوقف الاستيطان. رأينا أن الاستيطان من أساسه غير شرعي. أول حجر بني في أراضي 1967 غير شرعي. والثاني غير شرعي. والحجر العشرة آلاف غير شرعي. مهما بنوا فهذا غير شرعي من وجهة نظرنا، وسيستمر موقفنا هكذا». أما العامل الثاني المناقض الذي يحكم موقف الرئيس عباس، فهو أنه سيذهب غدا أو بعد غد، إلى مؤتمر الدول المانحة في باريس. وهو يعرف أن واشنطن تستخدم هذا المؤتمر الاقتصادي للضغط عليه، ويعرف أن مبلغ الدعم المالي للسلطة الفلسطينية سيتقرر على ضوء تسهيلها لسير عملية التفاوض مع الإسرائيليين، فإذا عارض بدء المفاوضات بسبب موضوعات الاستيطان والقدس والحدود، فإن الدعم الاقتصادي سيتقلص، وربما يلغى، أو يتم اتخاذ القرار المالي ثم يجمد التنفيذ إلى حين قبول الأمر الواقع والذهاب إلى المفاوضات. وعليه حينئذ أن يواجه أزمة اقتصادية في الضفة الغربية. ومن المفيد هنا تسجيل ملاحظتين:

الأولى: لقد أوكلت اللجنة الرباعية الدولية إلى توني بلير، إدارة الخطة الاقتصادية الفلسطينية (بناء المؤسسات وبناء المشاريع)، ورفضت أن تتجاوب مع طلبه بأن يكون لمهمته جانب سياسي. ولكن ها هي اللجنة الرباعية التي ترعى مؤتمر الدول المانحة في باريس، تستخدم المال والاقتصاد كوسيلة ضغط سياسي، إنما على الفلسطينيين وحدهم فقط.

والثانية: ان الولايات المتحدة، تقدمت رسميا بمشروع قرار إلى مجلس الأمن، يدعو إلى دعم قرارات مؤتمر أنابوليس. ولفت نظر العالم كله، كيف تراجعت واشنطن بسرعة، وسحبت مشروع قرارها من مجلس الأمن، بعد أن اعترضت إسرائيل. والسؤال لماذا اعترضت إسرائيل على ذلك؟. إن السبب لا يتعلق بمشروع القرار الأميركي، فهو في النهاية داعم لما وافقت عليه إسرائيل في أنابوليس. ولكن السبب الحقيقي يتعلق بمجلس الأمن نفسه. وإسرائيل ترفض من حيث المبدأ أن يكون للأمم المتحدة، أو لمجلس الأمن، دور في المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية. وهي ترفض أيضا أن يكون لأي جهة دولية مثل اوروبا دور في المفاوضات. إنها تقبل فقط دور الولايات المتحدة الأميركية بحكم تأييدها المطلق لإسرائيل. ومن هنا رفضها الدائم لأية خطوة صغيرة أو كبيرة يلوح فيها طابع التدويل. لماذا؟ لأن التدويل يجر معه منطق القرارات الدولية حول الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهي في أغلبها قرارات ضد سياسة الاحتلال الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين ومع الأرض الفلسطينية. ولنتذكر هنا بعض القرارات الدولية:

1 ـ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 465 لعام 1980، والذي ينص على وجوب إلغاء المستوطنات، وترحيل المستوطنين من داخل الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967.

2 ـ المادة 49 (من اتفاقية جنيف الثانية) التي تنص على عدم جواز نقل أو إدخال جزء من السكان المدنيين لدولة الاحتلال إلى المناطق التي احتلتها.

وهناك قرارات كثيرة أخرى تؤكد المضمون نفسه، ولهذا كانت الغضبة الإسرائيلية من استحضار مجلس الأمن ليكون داعما للتفاوض الفلسطيني ـ الإسرائيلي الجديد.

ومن المؤكد هنا أن هذه الإشارات، ومع كل ما تحمله من دلالات، ماثلة في ذهن الرئيس عباس وهو يتعامل مع مأزق التفاوض الذي وجد نفسه في مواجهته. ومن هنا نجد أنفسنا في وضع يسمح لنا بتشجيعه على ضرورة أن يتخذ موقفا حاسما، وأن يضع مفهومه الذي شرحه حول عدم شرعية الاستيطان موضع التنفيذ. ليس لأن ما أعلنه هو موقف صحيح وجريء وصائب فقط، بل لأن عدم التمسك به، أو سحبه من جدول أعمال المفاوضات، يدفع بالأمور فورا نحو منهج تفاوضي مناقض، لا يستطيع أن ينتج دولة فلسطينية مستقلة، إنما ينتج، وينتج فقط، كيانا فلسطينيا يعمل في إطار التقاسم الوظيفي، حيث تتولى السلطة الفلسطينية إدارة شؤون السكان اليومية، وتتولى إسرائيل شؤون السيادة. وتصبح السلطة الفلسطينية في هذه الحالة أداة تعمل في خدمة الاحتلال الإسرائيلي، بل وتقدم لهذا الاحتلال خدمة جليلة، أساسها استمرار الاحتلال من دون دفع ثمن هذا الاحتلال، حيث تتولى الدول المانحة (مؤتمر باريس) تقديم ثمن الاحتلال ونفقاته.

وهنا يمكن للوفد الفلسطيني المفاوض، أن يذهب أو لا يذهب، إلى المفاوضات.

أن يذهب إلى المفاوضات، طالبا منذ اللحظة الأولى، اعترافا بعدم شرعية الاستيطان، حسبما أعلن الرئيس عباس، وإلا فإن المفاوضات لن تنتقل إلى نقطة أخرى، إلا بعد البت بالنقطة الأولى.

أو أن يعلن الوفد الفلسطيني أنه لن يذهب إلى المفاوضات، إلا بعد أن تعلن إسرائيل استعدادها للتفاوض على إخلاء المستوطنات، واستعدادها لاعتبار القدس مدينة محتلة. وإذا ما أوقفت إسرائيل المفاوضات هنا، يبادر الفلسطينيون إلى طلب توضيح قرارات مؤتمر أنابوليس، وهل هي مع الاحتلال أو ضد الاحتلال؟ ومن شأن موقف كهذا أن يعيد المفاوضات إلى نقطتها الأولى التي بدأها الرئيس عباس نفسه في لقائه الأول مع إيهود أولمرت، حين طلب تحديد مرجعية ومضمون التعاطي والمدى الزمني لهذا التعاطي، في كل قضية من قضايا الوضع النهائي، ورفضته إسرائيل في حينه.

إن اتباع هذا التكتيك ليس عملية تعجيز فلسطينية، بل هو تكريس لمبدأ أساسي من مبادئ التفاوض، تم تجاوزه بسبب التعنت الإسرائيلي، ولا بد من صدمة مقابلة، تأتي هذه المرة من الجانب الفلسطيني، لإعادة وضع الأمور في سياقها المنطقي، وإلا فإن البديل هو أن نصبح موظفين لدى الاحتلال الإسرائيلي، وربما موظفين أغنياء، كما يتحمس لذلك الخبراء الاقتصاديون._ الشرق الأوسط _

 

المفاوض الفلسطيني ومسألة الأمن والإرهاب

بلال الحسن

قبل أنابوليس، وبعد أنابوليس، تقوم إسرائيل بعملية إرهابية منظمة ومتصلة، ضد الشعب الفلسطيني. قتل يومي في قطاع غزة (ثلاثون شهيدا في اسبوع واحد)، وخطف وقتل يومي في الضفة الغربية. اجتياح للمدن والمخيمات بالمدرعات والسيارات المصفحة والإطلاق المنظم للنيران. يتم ذلك مرة باسم تدريب الجيش حتى يستعيد مهارته بعد هزيمته في حرب لبنان. ويتم ذلك مرة أخرى بهدف استكشاف ما لدى الفدائيين من أسلحة جديدة يخشون من تأثيرها عليهم. ويتم ذلك مرة ثالثة باسم الرد على صواريخ الفدائيين من قطاع غزة.

هذا الإرهاب الإسرائيلي المنظم، والذي هو إرهاب الدولة، أي الإرهاب الأخطر من «إرهاب» الأفراد والمنظمات، له منبع واحد هو الاحتلال، وهذا الاحتلال هو الذي يتجاهله الإعلام الإسرائيلي، وتتجاهله الولايات المتحدة الأميركية، ويتجاهله حتى الإعلام العالمي، ليجري التركيز بعد ذلك على «الإرهاب» الفلسطيني، والذي هو حق مشروع لأي شعب محتل في مقاومة جيش الاحتلال.

وقد تم تنظيم تغطية دولية لهذا الإرهاب الإسرائيلي المنظم، والذي يجاهر الآن باستعداده لاجتياح قطاع غزة، من خلال ما يسمى «خطة خريطة الطريق»، ومن خلال بندها الأول الذي يطالب الفلسطينيين بوقف «الإرهاب» أولا. «خطة خريطة الطريق» هي خطة أميركية، ولكنها تحمل للأسف توقيع اللجنة الرباعية الدولية، ومن ضمنها توقيع الأمم المتحدة.

موضوع «الإرهاب» والأمن هذا، كان مطروحا على جدول الأعمال منذ الأيام الأولى لاتفاق اوسلو، يومها كان المفاوض الفلسطيني الدكتور نبيل شعث، يقول ويردد، ويا ليته يتذكر ذلك الآن، إن الأمن الفعلي يأتي من خلال السلام، بينما كان المفاوض الإسرائيلي يخرب مفاوضات السلام، بحجة الحاجة إلى ضرب البنية التحتية للإرهاب، أي اعتقال الفدائيين ونزع سلاحهم ومحاكمتهم، وإلا فإن إسرائيل ستتولى عمليات قتلهم. وللأسف فإن المفاوض الفلسطيني تخلى منذ ذلك الحين عن حجته الأساسية الصحيحة تلك، ولم نعد نسمع شيئا عنها في سياق المفاوضات، وبقيت الحجة الإسرائيلية وحدها مطروحة على الطاولة.

وعندما تولى محمود عباس (ابومازن) رئاسة الوزراء للمرة الأولى عام 2003، واجهه آرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل بمطلب القضاء على «الإرهاب» الفلسطيني أولا. وكان عباس مؤمنا بضرورة وقف ما يسميه «عسكرة الانتفاضة»، وأخذ على عاتقه أن ينفذ ذلك. ولكن عباس كان مؤمنا أيضا، وهذا أمر يسجل لصالحه، برفض استعمال العنف في التعامل مع الفدائيين، وبرفض الإيغال في سفك الدم الفلسطيني، فرفع شعار الدعوة إلى «التهدئة»، وذهب بنفسه إلى الفصائل الفدائية محاورا، وطلب منها تسهيل مهمته بإعلان «التهدئة»، ووافقوه على ذلك، وقدموا له ما يريد. وكان مفهوما أن هذه «التهدئة» الفلسطينية ستجر تهدئة إسرائيلية مقابلة، ولكن ذلك لم يحدث أبدا. استمرت «التهدئة» الفلسطينية، واستمر الإرهاب الإسرائيلي المنظم، حتى سقطت التهدئة على أرض الواقع، وكانت إسرائيل هي المسؤولة عن ذلك. والسبب أن إسرائيل لم تكن تريد وقف «عمليات العنف» ضدها، إنما كانت تريد حربا أهلية فلسطينية، رفض محمود عباس أن ينجر إليها.

مرت الأيام ... وأصبح محمود عباس هو الرئيس الفلسطيني. وأصبح سلام فياض رئيسا للوزراء. وأصبح اللواء عبد الرزاق اليحيى وزيرا للداخلية، وإذا بنا ندخل مباشرة إلى أتون موقف فلسطيني جديد، يأخذ على عاتقه تنفيذ ما تريده إسرائيل، أي اعتقال الفدائيين، ونزع سلاحهم بالقوة، تحت شعار فرض الأمن أحيانا، أو تحت شعار أن السلاح الشرعي الوحيد هو سلاح السلطة الفلسطينية والشرطة الفلسطينية التي تم تدريبها في أريحا تحت إشراف الجنرال الأميركي دايتون. سلام فياض أعلن رسميا وبلسانه، أن العمل الفدائي عبث، وأن على الفدائيين أن يعرفوا أن هذه «الحفلة» قد انتهت، ووضع بنفسه الخطة السياسية لوزارة الداخلية، وتولى اللواء عبد الرزاق اليحيى وضع خطتها التنفيذية. وهكذا شهدنا دعوة للفدائيين لكي يعلنوا توبتهم، ولكي يحظى بعضهم بالعفو الإسرائيلي. وشهدنا اتفاقات للأمن تقول إن الشرطة الفلسطينية تتولى الأمن في النهار (في مدينة واحدة هي نابلس)، على أن يواصل الجيش الإسرائيلي مهماته الأمنية في ساعات الليل. وحدث على أرض الواقع أن شنت الشرطة الفلسطينية حملات عسكرية ضد الفدائيين الذين رفضوا تسليم أسلحتهم، ورفضوا أن تكون إسرائيل حكما في تبرئتهم وكأنهم مجرمون، ووقعت اشتباكات قاسية بين الطرفين استمرت النهار بطوله، وحين جاء الليل انسحبت الشرطة الفلسطينية حسب الاتفاق، وجاء الجيش الإسرائيلي ليواصل المهمة في المكان نفسه، وضد الفدائيين أنفسهم. وكان هذا «الانحدار» يحدث للمرة الأولى في تاريخ الثورة الفلسطينية.

ولا بد أن نذكر هنا أن اللواء عبد الرزاق اليحيى مناضل قديم، له دوره المشهود به له في قيادة وإدارة جيش التحرير الفلسطيني، وله دوره المشهود به له في تأسيس وإطلاق «قوات التحرير الشعبية» في الأعوام 1968 و 1969، و 1970. وكانت «قوات التحرير الشعبية» في حينه من أقوى التنظيمات الفدائية وأكثرها فاعلية، وكانت تمتد من مخيمات لبنان إلى مخيمات قطاع غزة. ولكن المفاجأة الكبرى كانت قبل عام، حين أصدر اللواء عبد الرزاق اليحيى مذكراته، ولم يرد فيها أي ذكر لهذا التنظيم، كيف تأسس؟ وماذا فعل؟ وماذا أنجز؟. تذكر اللواء اليحيى أنه شكل وهو مراهق تنظيما في مدرسته، ونسي أنه شكله وهو برتبة عقيد تنظيم «قوات التحرير الشعبية». ونسي أن يذكر أيضا أنه كان عضوا قياديا في تنظيم سري داخل جيش التحرير الفلسطيني، بل ونفى وجود هذا التنظيم أصلا، مع أنه هو الذي شكل وأطلق «قوات التحرير الشعبية». لماذا نسي اللواء اليحيى أن يذكر تلك الوقائع؟ يقول البعض إن التنصل من «الإرهاب» الفلسطيني، وإن التنصل من «التنظيمات السرية» هما الشرطان الأساسيان للدخول في عضوية النادي ........ سامحهم الله.

نعود إلى موضوعنا الأساسي حول خطة خريطة الطريق، وهو الأمن ومفهومه، ونقول إن على المفاوض الفلسطيني أن يلتزم هنا بجملة من القواعد التي هو صاحبها في الأصل، ليضعها في وجه المفاوض الإسرائيلي بعد أنابوليس:

1 ـ إن الوصول إلى الأمن الحقيقي له طريق واحد وحيد هو الاتفاق السياسي. الاتفاق السياسي ينتج آليا اتفاقا أمنيا وليس العكس.

2 ـ إن الأمن حين يتم السعي إليه هو أمن يلتزم به الطرفان، ولا يلتزم به طرف واحد كما تريد إسرائيل.

3 ـ إن الأمن ليس مطلقا، في كل الدول، وفي كل النزاعات، وفي كل الاتفاقات. إنه اتفاق شامل، قد يحدث خلاله تجاوز هنا أو تجاوز هناك. وهذه التجاوزات لا تلغي الاتفاق الأساسي، ولكنها تستلزم ضبطه وتحسينه. وهذا المفهوم الأساسي للأمن رفضه آرييل شارون، وترفضه إسرائيل الآن، وتصر على طلب الأمن المطلق، وتعتبر أن عملية واحدة تعني أن الأمن لم يتحقق. وهذه ليست سوى حجة لرفض الاتفاقات الأمنية مع الفلسطينيين، ولرفض نظرية التهدئة، ولرفض الوصول إلى اتفاق سياسي.

4 ـ إن الأمن لا يعني إطلاق الرصاص فقط، بل يشمل حق التنقل، وحق العمل، وإمدادات المياه والكهرباء والطعام والدواء. ومن يمس بهذه القضايا يمارس عملا إرهابيا أكبر وأكبر.

5 ـ يستطيع المفاوض الفلسطيني الآن، العودة إلى مرافعات المفاوض الفلسطيني نبيل شعث عام 1994 حول الأمن ومعناه، للاستفادة منها. شرط ألا يكون الدكتور نبيل شعث قد نسي تلك المرافعات.

...... ومن هو المفاوض الفلسطيني المهيأ لتبني هذا النوع من التفاوض؟_ الشرق الاوسط اللندنية _

 

ماذا بعد مؤتمر أنابوليس؟

بلال الحسن

ماذا بعد انتهاء أعمال مؤتمر أنابوليس؟ نقول بإيجاز، واستنادا إلى الوقائع والوثائق الرسمية، إن المؤتمر سيسفر عن ثلاث نتائج:

أولا: بيان أميركي (فخيم)، يستعمل كلمات كبيرة وبراقة، تقول إن الولايات المتحدة الأميركية، ستدعم وترعى إجراء مفاوضات إسرائيلية ـ فلسطينية، حتى انتهاء ولاية الرئيس جورج بوش، وبهدف إنشاء دولة فلسطينية.

ثانيا: ستبدأ بعد المؤتمر مفاوضات إسرائيلية ـ فلسطينية، تتكرر فيها تجربة المفاوضات التي جرت قبل المؤتمر، ويستحيل معها الاتفاق على قضايا الحل النهائي .

ثالثا: يتم تغطية هذا الفشل المتوقع في المفاوضات، بمساعدات تقدمها الدول المانحة، لتنفيذ خطة ثلاثية تقوم على: إعادة بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية التي هدمها اجتياح آرييل شارون، وإعادة بناء قوات الأمن الفلسطينية التي ستتولى قمع واعتقال الفدائيين الفلسطينيين من فتح وحماس والجبهة الشعبية وسواهم (كما يحدث الآن في نابلس)، وأخيرا إعادة إطلاق خطة للتنمية الاقتصادية لتسهيل حياة المواطنين الفلسطينيين، وسيتولى رعاية هذه الخطة توني بلير مندوب اللجنة الرباعية الدولية.

وتأكيدا لهذا المنهج المتوقع نشير إلى أن مؤتمرا للدو ل المانحة سيعقد بعد أسبوعين من انتهاء أعمال مؤتمر أنابوليس، وبالتحديد يوم 17/12/2007 في باريس، ويضم 80 دولة ومنظمة دولية، لما يسمى «تمويل قيام دولة فلسطينية». وقال رياض المالكي وزير الإعلام والقائم بأعمال وزير الشؤون الخارجية في حكومة سلام فياض «نحن نعول كثيرا على مؤتمر باريس ونراهن على نجاحه».

وحين تدخل هذه الصورة مرحلة التنفيذ والتطبيق، سنجد أنفسنا أمام حلول اقتصادية لقضية الاحتلال الإسرائيلي، وستتراجع إلى الخلف إمكانية إيجاد حلول سياسية تقوم على أساس الانسحاب والاستقلال.

وبالإضافة إلى هذه الصورة الكلية للنتائج المتوقعة لمؤتمر أنابوليس، هناك ثلاث نتائج (تداعيات) أخرى سوف تجد طريقها إلى التطبيق:

النتيجة الأولى: تتمثل في المعنى الرمزي للقرار الذي اتخذه ايهود اولمرت قبل أيام من موعد مؤتمر أنابوليس، ومنح فيه للسلطة الفلسطينية دبابات روسية وبنادق وذخائر، لمساعدتها في تنفيذ خطتها الأمنية. يشير هذا القرار إلى ما تراه إسرائيل من دور للسلطة الفلسطينية، أي ضرب وتصفية المقاومة المسلحة للاحتلال. وبمعنى آخر سلطة تعمل في خدمة الاحتلال. وهو ما يطلق عليه أحيانا وصف (التقاسم الوظيفي)، الذي رفضه الملك حسين عام 1974.

النتيجة الثانية: إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ثم أجهزة السلطة والوزارات، ولاحقا أجهزة منظمة التحرير الفلسطينية، بالاعتماد على جيل فلسطيني جديد. جيل ناشئ. جيل لم يسبق له أن كان منخرطا في إطار حركة المقاومة الفلسطينية لا عسكريا ولا سياسيا. وذلك تنفيذا لما ورد في ما يسمى «رؤية بوش» التي أعلنت عام 2002، وأخذت عنوان «إنشاء دولتين»، ولكنها تضمنت ما نسيه الناس، تضمنت شرحا تفصيليا لما هو مطلوب من الشعب الفلسطيني كشرط لإنشاء الدولة (مجهولة الحدود والعاصمة). وخلاصة ما هو مطلوب من الشعب الفلسطيني حسب تلك الوثيقة، أن يغير الشعب الفلسطيني نفسه، وأن ينتخب قيادة جديدة (بديلة لقيادة عرفات المحاصر آنذاك)، تحارب «الإرهاب» ولا تشجعه. ومن يتابع الإجراءات العملية لحكومة سلام فياض، يجد أن هذه السياسة قد تم وضعها موضع التطبيق بالفعل. النتيجة الثالثة: تلك المتعلقة بيهودية الدولة. لقد أعلنت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية بصراحة ومن دون مداورة، أن يهودية الدولة تعني بالنسبة لها ولحكومتها، رفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين، واعتبار الدولة الفلسطينية التي ستنشأ موئلا قوميا للفلسطينيين المقيمين في وطنهم الذي أصبح يسمى دولة إسرائيل، الأمر الذي يعني العزم على وضع قضية الترحيل (الترانسفير) موضع التطبيق في الفترة المقبلة. وما يجب تذكره دائما أن هناك رسالة أميركية موجهة من بوش إلى شارون تؤكد اعتراف اميركا بيهودية دولة إسرائيل (عام 2004).

وهذا الموقف الخطير المتوقع من إسرائيل، تمت مواجهته من قبل فلسطينيي 1948 برد فعل سريع وشامل، حيث تتشاور جميع القوى السياسية هناك من أجل إصدار وثيقة جماعية ترفض هذا المنهج الإسرائيلي، وتؤكد على حقوق الفلسطينيين في بلدهم. وقد انعقد قبل أيام في مدينة شفاعمرو مؤتمر شعبي دعا إليه حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي ينتمي إليه الدكتور عزمي بشارة، وقال عوض عبد الفتاح سكرتير عام التجمع «ليس خافيا على أحد أن هناك مخططات، ومشاريع فعلية، ومشاريع يتم التداول بها داخل المؤسسات الأمنية والاستراتيجية في إسرائيل، في كيفية التقليل من عدد المواطنين العرب داخل الدولة العبرية، وكيفية فرض الولاء على من يتبقى منهم للدولة اليهودية، مما يعني سلب ما تبقى لهم من أرضهم، وتكريس دونيتهم إلى الأبد». وأضاف أيضا موقفا لا بد من التمعن فيه ودراسته بعناية جاء فيه باختصار «.... إن مجمل القضية الفلسطينية بجوانبها الأساسية: اللاجئون، القدس، الحدود، السيادة، وعرب الداخل، مستهدفون في هذا اللقاء الدولي» (مؤتمر أنابوليس).

إن هذا التحرك في أوساط عرب 1948 الذي يبدو عاديا، ليس عاديا على الإطلاق. إنه مؤشر لولادة نضال مشترك ينبع من مؤتمر أنابوليس والتصورات الأميركية والإسرائيلية له. وإذا ما تمت ترجمة هذا النضال المشترك على الأرض، فإن تفاعلاته ستصيب هذه المرة إسرائيل من داخلها، وليس من حولها فحسب.

إزاء كل هذه النتائج والتفاعلات المنتظرة من مؤتمر أنابوليس، ثمة حاجة لوقفة مراجعة فلسطينية. لقد مثل الرئيس محمود عباس نهجا جديدا في المعالجة السياسية للقضية الفلسطينية، نهجا يقوم على رفض النضال المسلح، والإصرار على التفاوض وعلى التفاوض فقط. وقد توفرت للرئيس عباس كل الظروف التي تمكنه من وضع منهجه موضع التطبيق، وعقد في الآونة الأخيرة تسعة لقاءات حوار مع ايهود اولمرت، وكانت النتيجة لا شيء. بل كانت النتيجة هجوما سياسيا إسرائيليا لفرض المزيد من التنازلات على الجانب الفلسطيني. وما دام هذا النهج الذي وضع موضع التطبيق قد وصل إلى هذه النتائج المرة، فقد آن الأوان للقيام بمراجعة سياسية شاملة. مراجعة ذات مضمون استراتيجي. مراجعة تتعامل مع المستقبل البعيد، وتتعالى عن النقاش المسطح الذي يدور حول كلمتي «تفاوض أو مقاومة». آن الأوان لمصارحة الذات بأن هذا النهج التفاوضي لم يثمر مع إسرائيل، ولا بد من البحث عن منهج نضالي جديد، يتبلور فلسطينيا ولا يكتمل إلا عربيا.

إنها مسؤولية الرئيس محمود عباس أولا. وهي مسؤولية كل من يتصدى للإسهام في النضال الفلسطيني الراهن. وهي مسؤولية كل قائد عربي يدرك أن ما تفعله إسرائيل ليس موجها ضد الفلسطينيين وحدهم.

 

إسرائيل مظلومة .. وتطالب الفلسطينيين بحقوقها !

بلال الحسن

حين بدأ البحث بعقد مؤتمر الخريف بناء على دعوة من الرئيس بوش، كان المناخ الإعلامي السائد هو عقد مؤتمر من أجل أن ينال الفلسطينيون حقهم في إنشاء دولتهم المستقلة. وكان المناخ الإعلامي السائد يقول إن الإدارة الأميركية تحتاج إلى هذا المؤتمر لموازنة سياستها في الشرق الأوسط. وكان المناخ الإعلامي الإسرائيلي السائد يتطلع إلى حضور أكبر عدد من الدول العربية، من أجل أن تنال إسرائيل اعترافا عربيا أوسع بها، يكون بداية للتطبيع معها، وذلك خلافا للمبادرة العربية التي تدعو إلى التطبيع بعد الانسحاب الإسرائيلي، وبعد نيل الفلسطينيين لحقوقهم بالكامل.

على أساس هذه القواعد بدأ الشد والجذب. طرح المفاوض الفلسطيني ثلاثة مطالب أساسية:

أولا: أن يتم تحديد موضوعات الحل النهائي التي سيبت بها المؤتمر.

ثانيا: أن يتم تحديد إطار الحل (المرجعية) لكل قضية من قضايا الحل النهائي، بحيث يتضح مضمون الحل المنشود.

ثالثا: أن يتم تحديد سقف زمني للتفاوض، بناء على البندين السابقين، لا يتجاوز ستة أشهر.

وقد حدث عمليا أن إسرائيل رفضت هذه المبادئ الثلاث لانعقاد المؤتمر، وقبلت فقط أن يتم ذكر قضايا الحل النهائي في وثيقة تقدم إلى المؤتمر، ولكن ليس من شأن المؤتمر أن يبت بها، بل أن يشير إلى أن هذه القضايا ستكون موضوع التفاوض، بتشجيع منه، بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وعند البحث في قضايا الحل النهائي طلبت إسرائيل حذف قضية (الانسحاب الكامل من أراضي 1967). كما طلبت حذف قضية (حق العودة للاجئين الفلسطينيين). وطلبت أيضا (حذف قضية القدس). ولم يعد أحد يدري بعد ذلك، لماذا إذا سينعقد هذا المؤتمر؟ وبدا واضحا أن الجواب المطروح هو أن المؤتمر سيكون مناسبة لإطلاق مفاوضات «جدية» و«معمقة» و«جوهرية» حسب توصيفات كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية، وهي توصيفات كلامية لا علاقة لها بالسياسة.

ويتضح من هذا الذي جرى حتى الآن، إن إسرائيل كانت تعمل على أساس تخفيف وتقليل ما سيناله الفلسطينيون، وكانت تعمل بالتحديد على إعادة إنتاج مفاوضات تقوم على قاعدتين:

القاعدة الأولى: التفاوض حول اقتسام الضفة الغربية، وليس حول الانسحاب الكامل منها.

القاعدة الثانية: رفض البحث بالقضية الفلسطينية الأصل، من خلال البند الوحيد المطروح حولها، والمتعلق بحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وذلك كإعادة إنتاج لمفاوضات كامب ديفيد 2000، التي رفض فيها الرئيس الراحل ياسر عرفات خطة رئيس الوزراء ايهود باراك.

استغرق العمل بهذا التكتيك الإسرائيلي أشهرا عدة، وجاءت كوندوليزا رايس إلى المنطقة ثماني مرات دون أن يتغير منهج البحث. إلى أن بدأت إسرائيل في الأسبوع الماضي وضع تكتيك تفاوضي جديد موضع التطبيق. ويقوم هذا التكتيك على قاعدة ضرورة «اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل» كشرط لانطلاق المفاوضات. ويمكن أن نسجل تبلور هذا المطلب كتكتيك تفاوضي كما يلي:

يوم 12/11/2007 نشرت صحيفة «هآرتس» مقالا للكاتب يهودا بن مئير قال فيه: إن إقامة دولة فلسطينية على جزء كبير من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة «يعتبر تنازلا مأساويا.... ومن المحظور على الشعب اليهودي، بأي شكل من الأشكال، أن يتوجه نحو هذا التنازل، إذا لم يترافق مع قبول وتسليم فلسطيني واضح بأن إسرائيل هي دولة قومية للشعب اليهودي».

يوم 13/11/2007 قال ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي في كلمة ألقاها في مؤتمر «الإرهاب العالمي والجريمة الدولية» الذي انعقد في هرتسليا «يجب أن تعترف مفاوضات أنابوليس بإسرائيل كدولة يهودية».

يوم 14/11/2007 قال بيان صادر عن مكتب ايهود اولمرت رئيس الوزراء، وبعد اجتماعه مع خافير سولانا المنسق الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي «إن نقطة انطلاق المفاوضات بعد أنا بوليس ستكون الاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي». وأضاف البيان «لقد أعلن رئيس الوزراء بوضوح إن هذه المسألة من وجهة نظر إسرائيل غير قابلة للتفاوض أو البحث».

يوم 15/11/2007 تقدم أفيغدور ليبرمان وزير التهديدات الاستراتيجية وداعية الترانسفير، بمشروع قرار إلى الحكومة الإسرائيلية «يشترط المفاوضات مع الفلسطينيين باعتراف من قبلهم بإسرائيل كدولة يهودية». وسيطرح مشروع القرار هذا على الحكومة الإسرائيلية في اجتماعها المقبل. إضافة إلى ذلك، ستتقدم ثلاثة أحزاب إسرائيلية بمشروع قرار إلى الكنيست الإسرائيلي حول الموضوع نفسه. وبذلك يسعى ليبرمان إلى بلورة تصريحات أولمرت في إطار قرارين ملزمين، قرار صادر عن الحكومة، وقرار ثان صادر عن الكنيست.

إن هذا التكتيك التفاوضي الإسرائيلي الجديد، يعمل من أجل قلب قاعدة التفاوض. يعمل على أساس أن المطلوب في مفاوضات أنابوليس هو أن يقدم الفلسطينيون شيئا لإسرائيل، لا أن يقدم الإسرائيليون شيئا إلى الفلسطينيين، إضافة إلى ما يعنيه ذلك من مخاطر جسيمة أخرى تمس مستقبل اللاجئين ومستقبل فلسطينيي 1948.

حركت هذه المخاطر الجسيمة القوى الفلسطينية داخل دولة إسرائيل، وهي تتحاور الآن من أجل إعلان موقف موحد إزاء فكرة «يهودية» دولة إسرائيل. فقد دعت «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» و «الحزب الشيوعي» إلى بلورة موقف موحد للجماهير الفلسطينية في إسرائيل، وإصداره في وثيقة رسمية. وقد وجها معا رسالة إلى رئيس «لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية»، وجاء في الرسالة: إننا نرى في هذا الموقف الإسرائيلي خطورة استثنائية، لأن الحديث عن يهودية الدولة يحمل معان ثلاثة أساسية هي:

1 ـ الطعن بمواطنيتنا وحقنا في البقاء والحقوق.

2 ـ يفتح الباب على مصراعيه لشرعنة دولية للتبادل السكاني والترانسفير (الطرد الجماعي من الوطن).

3 ـ يغلق الباب في وجه أي حل لقضية اللاجئين.

ودعت الرسالة إلى تشكيل لجنة فلسطينية خاصة لبلورة موقف واضح، وتوزيع مضمونه على القيادات الفلسطينية والإسرائيلية، وكذلك على الأطراف العربية والدولية ذات العلاقة بالعملية التفاوضية.

ومع وصول الأمور إلى هذا الحد، تكون العملية التفاوضية الجديدة، قد وصلت إلى مفترق طرق جديد. إذ يمثل الموقف الإسرائيلي تحديا للمفاوض الفلسطيني وللمفاوض العربي. كما وتريد إسرائيل أن تخرج نفسها من إطار الجهة التي يجب عليها أن تتراجع وتتنازل، إلى إطار الجهة التي تطلب من الآخرين أن يتراجعوا وأن يتنازلوا. وحين يحتدم الجدل، ويتم رفض المطلب الإسرائيلي الغريب هذا، لا يبقى مطروحا كأمر واقع، سوى المشاريع الاقتصادية التي سيقدمها توني بلير باسم اللجنة الرباعية الدولية. وإذا حدث ذلك، وهو المرجح أن يحدث، تكون الأمور قد تمخضت عن تراجع عن موضوع المفاوضات، إلى بحث في تسيير الأمور المعاشية اليومية، وتغيب فكرة إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة، وتبرز على أرض الواقع سلطة تعمل تحت إشراف الاحتلال. ويصح عندئذ القول إن إسرائيل لا تريد التسوية. لا تريد المفاوضات. لا تريد دولة فلسطينية. تريد استمرار الاحتلال بأرخص الطرق وأقلها كلفة. إسرائيل تعتبر نفسها مظلومة، ومعتدى عليها من قبل الفلسطينيين، وهي تريد أن تطالب الفلسطينيين الآن باستعادة حقوقها منهم. وهذا هو الدرس الذي لا بد أن يعيه الفلسطينيون والعرب، مع أنه درس يحاذر الفلسطينيون والعرب أن يطرحوه علانية وبصراحة، ويحاذرون استخلاص نتائجه وتبعاته._ الشرق الاوسط اللندنية _

 

من يخاف النشاط الشعبي الفلسطيني؟

بلال الحسن

تم «رسميا» تأجيل انعقاد المؤتمر الشعبي الفلسطيني في دمشق، ليترافق مع انعقاد مؤتمر الخريف الأميركي. وتم واقعيا (حسب رأيي) إلغاء المؤتمر وليس تأجيله فقط. وقصة التأجيل أو الإلغاء هذه تحتاج إلى وقفة.

لقد تعرض هذا المؤتمر منذ بداية الإعداد له إلى حملة فلسطينية غير مسبوقة. قيادة السلطة الفلسطينية أعلنت أنها سترسل وفدا رسميا إلى دمشق ليطلب منها أن ترفض استضافة المؤتمر. وقد وصل الوفد فعلا إلى دمشق، واجتمع إلى نائب الرئيس فاروق الشرع، وإلى وزير الخارجية وليد المعلم، واستضاف التلفزيون السوري أحد أعضائه (صالح رأفت أمين عام حزب فدا)، حيث عرض في شرح مطول رؤية السلطة الفلسطينية لأعمال مؤتمر الخريف المقبل. تفيد هذه الوقائع في القول إن دمشق استقبلت الوفد الفلسطيني بترحاب، وتجاوبت، كما يبدو، مع رغبتهم المضمرة أو المعلنة، بسرعة فائقة. وهي سرعة تطرح سؤالا هاما: إذا كان هناك مخطط سوري ـ إيراني يقف وراء هذا النشاط الشعبي الفلسطيني، فهل انفك هذا التحالف السوري ـ الإيراني؟ هل انتقلت سوريا من موقع المؤيد للانقلاب الحمساوي ـ الإيراني في غزة، كما يقول المروجون، وأصبحت جزءا من حلف جديد بينها وبين السلطة الفلسطينية؟ وإذا كان هناك حلف فلسطيني ـ إيراني، هو جزء من معسكر «الممانعة» المذموم، وهو جزء من «فسطاط الممانعة والمقاومة» كما يقول الهازئون، فهل تلاشى هذا المعسكر وأصبحنا أمام معسكر جديد، ليس لديه أية ممانعة وليست لديه أية مقاومة؟

نطرح هذه الأسئلة لنقول، إن نظرية السياسة الإيرانية، ونظرية المحور الإيراني، التي تحرك النشاط الشعبي الفلسطيني، ليست نظرية واقعية، وهي في هذا الجانب جزء من الحملات الإعلامية والدعاوية ليس غير.

ونطرح هذه الأسئلة لنذكر الغافلين الكثر، بأن النشاط الشعبي الفلسطيني له تاريخه، وله قواه الذاتية المحركة، وهو نشأ وتحرك وتبلور، قبل أن تطرح القضية الإيرانية نفسها على السياسة العربية أو على السياسة الدولية. نشأ التحرك الشعبي الفلسطيني بعد اتفاق اوسلو العام 1993، والذي حرك الإعلان عنه خوفا شعبيا فلسطينيا شاملا على مصير اللاجئين الفلسطينيين (6 ملايين نسمة)، وعلى مصير حق العودة لهؤلاء اللاجئين. لقد خلا ذلك الاتفاق من أية إشارة إلى قضية اللاجئين والعودة، ووردت بصدد ذلك كلمة واحدة، كلمة واحدة فقط، تقول إن موضوع اللاجئين سيبحث في المفاوضات النهائية. وقد حرك هذا الخوف عشرات ومئات وآلاف اللاجئين المنتشرين في البلاد العربية وفي كل بقاع العالم، ودفعهم إلى تشكيل لجان «حق العودة»، واصبحت لجان حق العودة موجودة من السويد قرب القطب الشمالي وحتى مخيمات صيدا ونابلس وجنين وغزة ورفح، وشكل تكوين هذه اللجان ظاهرة سياسية جديدة هي الأبرز في المسيرة السياسية الفلسطينية، منذ اندلاع الثورة الفلسطينية عام 1965، وانضوى تحت لوائها القوميون واليساريون والإسلاميون، وانضوى تحت لوائها المسلمون والمسيحيون، وانضوى تحت لوائها اللاجئون (1948) والنازحون (1967)، وانضوى تحت لوائها اللاجئون في وطنهم داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، واللاجئون خارج وطنهم في البلاد العربية وفي بلاد الشتات، وانضوى تحت لوائها اللاجئون الفلسطينيون داخل دولة إسرائيل، وبخاصة اولئك الممنوعين من الوصول إلى قراهم التي لا تزال قائمة، وأبرزها قريتا «إقرت« و«كفر برعم». هذه الحركة الشعبية المديدة، نشأت وبسرعة، لتعبر عن ضرورة التذكير والتأكيد بأنه لا يمكن إنجاز حل فلسطيني مقبول إلا إذا ضمن حق العودة الذي ترفضه إسرائيل من حيث المبدأ. ولا يستطيع أحد القول بأن حركة حق العودة هي حركة إيرانية، ويعيب أي إنسان أن يصفها بأنها جزء من «حركة الممانعة»، أو أنها جزء من «فسطاط الممانعة والمقاومة». كما لا يخطر ببال أحد القول بأن هذه الحركة الشعبية الفلسطينية ونشاطاتها، هي جزء من السياسة الإيرانية، وجزء من المحور الإيراني.

بعيدا عن حركة حق العودة، من المفيد أن نذكر الناسين والمتناسين، أن دمشق استضافت عام 1998، مؤتمرا شعبيا موسعا، أعلن موقفا متمسكا بالميثاق الوطني الفلسطيني، وفي الأيام التي كانت غزة تشهد فيها مؤتمرا لإلغاء الميثاق، حضره الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون. ولم يكن المحور الإيراني موجودا يومها، ولم يقل أحد أن ذلك الموقف الشعبي الفلسطيني قد قام بتحريك قوى خارجية، بينما يوصم أي تحرك شعبي فلسطيني الآن، بأنه تحرك غير فلسطيني، وأنه يتم لخدمة أهداف المحور الإيراني.

وقد أدى هذا الحراك الشعبي الفلسطيني، المؤيد لحق العودة، والرافض لإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، إلى أن تصبح قضية منظمة التحرير الفلسطينية مطروحة للنقاش الجاد والعميق، وانعقدت من أجل ذلك حوارات متعددة في السودان واليمن ومصر، تبلورت في النهاية في اتفاق القاهرة عام 2005، وهو اتفاق تم بحضور السلطة الفلسطينية ورعايتها، وهو اتفاق يدعو إلى تفعيل وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية. ولم يقل أحد يومها أن الخلاف الذي استدعى تلك الحوارات إنما يتم بتوجيه إيراني، أو أنه يعمل لصالح المحور الإيراني.

ثم انعقدت مؤتمرات شعبية فلسطينية، شكلت تطويرا للعمل الشعبي العفوي المتمثل في حق العودة، وولدت فكرة إيجاد هيئة فلسطينية عالمية تنسق أعمال كل تلك اللجان، وولدت كذلك الفكرة الداعية لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني على قاعدة الانتخاب. وانعقدت هذه المؤتمرات في لندن، وفي العواصم الاوروبية، وفي المدن الأميركية، ومؤخرا في بيروت وهولندا ولشبونه، ولم يكن لكل هذا النشاط علاقة بايران أو بالمحور الإيراني.

هذه هي عناوين الحراك الشعبي الفلسطيني المميز، والذي نجح في أن يطرح على أجندة العمل السياسي الفلسطيني والعربي والدولي، قضية حق العودة، وقضية إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، ووضع السلطة الفلسطينية تحت ضغط هاتين المسألتين.

هنا ...... وفي السنوات الأخيرة فقط، برزت ظاهرة جديدة لدى السلطة الفلسطينية. ظاهرة رفض النشاط الشعبي الفلسطيني واتهامه والسعي لإفشاله. وهي ظاهرة جديدة حتى على السلطة الفلسطينية نفسها، فأيام الرئيس الراحل ياسر عرفات، وعند انعقاد مؤتمر إلغاء الميثاق في غزة، انعقد مؤتمران شعبيان فلسطينيان، مؤتمر في غزة ومؤتمر في رام الله، وأعلن المؤتمران رفضهما لتعديل الميثاق، ولم يصدر عن السلطة الفلسطينية أي اتهام لهذين المؤتمرين.

ولكن هذه السياسة تغيرت، وأصبحت السلطة الفلسطينية تضيق ذرعا بأي اجتماع شعبي فلسطيني، حتى لو كان من أجل تقوية موقفها التفاوضي في وجه إسرائيل. وبدأنا نقرأ قرارات صادرة عن قيادة حركة فتح، وعن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وعن رئاسة المجلس الوطني، تقول كلاما عجيبا غريبا خلاصته أنه لا يجوز عقد اي لقاء شعبي لا تدعو إليه قيادة السلطة أو قيادة المنظمة، وبدأنا نشهد مؤتمرات صحافية ممجوجة تهاجم هذه المؤتمرات بكلمات نابية، وتتهمها لأول مرة بأنها تتحرك في إطار المحور الإيراني. حدث ذلك مع اجتماع بيروت الذي دعت إليه «اللجنة الراعية لحق العودة» (سلمان ابو سته، شفيق الحوت، طاهر كنعان وآخرون)، وقالوا إنه اجتماع إيراني، وكان كل ما قاله ذلك الاجتماع أنه يدعو إلى التأكيد على حق العودة، وأنه يؤكد على ضرورة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية. وحدث ذلك مع لقاء لشبونه الذي اتخذت حركة فتح بشأنه قرارا يدعو إلى مقاطعته كليا، وهو لم يخرج عن إطار هذه التوصيات نفسها. وها هو الموقف يتكرر مع الاجتماع الشعبي في دمشق، مع أنه كان اجتماعا حريصا على الوحدة الوطنية، ووجه دعوات لحضور المؤتمر إلى رئاسة السلطة الفلسطينية، وإلى رئاسة المجلس الوطني الفلسطيني، وإلى حركة فتح بالذات، وإلى الفصائل الفدائية كافة، ولم يمنع ذلك كله من توجيه الاتهام له، والقول بأنه يعمل لخدمة أطراف غير فلسطينية.

لقد سألنا من قبل .... ونحن نسأل الآن، لماذا تخاف السلطة الفلسطينية من النشاط الشعبي الفلسطيني؟ لماذا تخاف من نشاط يسعى إلى دعمها وتقوية موقفها التفاوضي؟ لماذا تخاف من موقف شعبي يؤكد على حق العودة، في وجه الموقف الإسرائيلي الرافض لذلك، وفي وجه موقف كونداليزا رايس الداعم للموقف الإسرائيلي؟

إنهم يتحدثون عن الخوف من نشوء قيادة بديلة، أو منظمة تحرير بديلة. ونحن نقول ببساطة، إن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى قاعدة الانتخاب الحر لأعضاء المجلس الوطني، حسب اتفاق القاهرة 2005، هو الطريق لمنع نشوء منظمة تحرير بديلة. ومن لا يعمل من أجل هذا الهدف، سيجد نفسه بالضرورة أمام قيادة بديلة مهما كان اسمها.

وثمة في هذا البلد أو ذاك، في هذا المخيم أو ذاك، شباب في العشرين أو الثلاثين، سيفاجئون الكثيرين بما لا يتوقعون. فإما الإصلاح والوضوح السياسي والتخلص من مناضلي الأجرة ......... وإما._ الشرق الاوسط اللندنية _

 

مؤتمر الخريف: ضغط أميركي لتكريس الفهم الإسرائيلي

بلال الحسن

تعاني السياسة الأميركية في المنطقة العربية من اضطراب يكاد يوازي الاضطراب العسكري الذي تواجهه في العراق وأفغانستان. ويتجلى اضطرابها السياسي في التحضير لمؤتمر الخريف الذي دعا إليه الرئيس بوش، والذي تتولى أموره وزيرة الخارجية كونداليزا رايس. وكان أبرز تعبير عن هذا الاضطراب ما نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية عن أن الولايات المتحدة تفكر بتأجيل المؤتمر، بسبب عدم قدرة محمود عباس وإيهود أولمرت على الاتفاق على ورقة العمل التي ستقدم إلى المؤتمر. وتبعتها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التي قالت إن المؤتمر قد يؤجل خمسة عشر يوما، وكأن خمسة عشر يوما كافية لاستحضار معجزة التفاهم والتوافق بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وقد تم قبل أيام انعقاد اللقاء السادس بين عباس وأولمرت، ودشن هذا اللقاء الانتقال إلى عمل فريقين تفاوضيين على صياغة الورقة التي عجز الرئيسان عن بلورتها في ما بينهما، وهو أمر مستحيل بالطبع إلا إذا تراجع أحد الفريقين عن مواقفه. وعند هذه النقطة الحرجة ستصل وزيرة الخارجية كونداليزا رايس لترعى المفاوضات، وهي رعاية أصبحت تعني تشجيع الجانب الإسرائيلي لكي يبقى عند مواقفه، والضغط على الجانب الفلسطيني لكي يقدم التراجعات المتوالية. وفي الأنباء شبه المؤكدة أن الجانب الفلسطيني تعرض إلى ضغوط أميركية قوية. الضغط الأول برز في لقاء الرئيس عباس مع الرئيس الأميركي في البيت الأبيض، حيث كان جوهر التصور الأميركي هو أن يركز الرئيس عباس على بناء الاقتصاد والأجهزة الأمنية، وبمعنى أن يتراجع عن مطالبه السياسية ببحث قضايا الحل الدائم. وبما أن سلام فياض هو رئيس الحكومة الفلسطينية، وهو المسؤول بالتالي عن تنفيذ الجانب الاقتصادي حسب خطة توني بلير، فإن الحلقة الناقصة هي من سيتولى بناء الأجهزة الأمنية. وهنا كانت مفاجأة الرئيس عباس حين بدأ الرئيس الأميركي يتحدث عن فضائل ومحاسن ومزايا المواطن الفلسطيني الأول محمد دحلان، وأمضى نصف اللقاء تقريبا وهو يقلب هذا الموضوع على مختلف جوانبه، ويحث عباس ويشجعه على ضرورة التصالح معه، وإعادته إلى موقع المسؤول الأول عن الأمن في الضفة الغربية، وليتولى مواجهة حركة حماس من جديد.

ويتعرض الرئيس عباس هذه الأيام إلى ضغط آخر تمارسه السيدة كونداليزا رايس. وقد كان الضغط من قبلها ناعما، ومن تذكيرها له بأن الأموال التي قدمت إلى حكومته ينتهي مفعولها مع نهاية هذا العام، ومن الصعب أن يتجدد دفعها إلا إذا تم الاتفاق بينه وبين أولمرت على ورقة العمل المطلوبة لإنجاح مؤتمر الخريف. والتهديد صريح هنا بين رضوخ عباس لمطالب أولمرت، وبين تلقيه لأموال الدول المانحة. وعلى وقع هذا التهديد ستحضر رايس إلى المنطقة بعد أيام، وستجتمع مع عباس وأولمرت، وستطلع على أعمال فريقي التفاوض، وستنتظر أن تستمع إلى الجواب الذي يرضيها ويدفع الابتسامة إلى شفتيها، وهو جواب واحد وحيد، يعلن لها أن الطرف الفلسطيني قد تراجع، وأنه يقبل عرض أولمرت بإعداد ورقة عامة، لا تبحث في التفاصيل، وبخاصة تفاصيل الحدود والمستوطنات والقدس والمياه واللاجئين.

وقد مهد كل من رايس وأولمرت طريق الوصول إلى هذه النقطة من خلال إطلاق شعارين: شعار رايس أن المؤتمر سيكون مؤتمرا إجرائيا يمهد للمفاوضات، وأنه محطة تليها محطات تفاوضية بعد المؤتمر. وشعار آخر أطلقه اولمرت وأعلن فيه لأول مرة أنه يريد «بيان مصالح». بيان المصالح يعني أنه لا يريد بيانا سياسيا. وبيان المصالح غير السياسي يعني أن الاتفاق في هذه المرحلة سيقتصر على الشؤون السياسية (سلام فياض)، وعلى الشؤون الأمنية (محمد دحلان)، وعلى خطوات «حسن النوايا» المتعلقة بإزالة الحواجز وسواها.

يطرح هذا التصور للمؤتمر المنشود، تصورا بعيدا كل البعد عما يفكر فيه الجانب العربي. ويضع هذا التصور عقبات ومواقع جديدة أمام الحضور العربي الفاعل في المؤتمر. العرب يريدون مؤتمرا يبحث قضايا الصراع بشكل شامل، ولكن هذا التصور الأميركي ـ الإسرائيلي ينتج مؤتمرا يبحث بالموضوع الفلسطيني فقط، ويستثني البحث بالأرض السورية المحتلة وبالأرض اللبنانية المحتلة. يضاف إلى ذلك أن العرب يتعاملون مع المؤتمر من منطلق مبادرة السلام التي أعلنوها وكرسوها في مؤتمرين للقمة. ويتعامل التصور الأميركي ـ الإسرائيلي للمؤتمر مع هذه المبادرة وكأنها غير موجودة، بل إنهم يطرحون في وجهها ما يرفضها وينسفها. فبعد أن أطلق أولمرت شعاره الجديد عن (بيان المصالح)، أعلن أيضا أن لديه تصوره الخاص عن الأوراق والمقترحات التي ستكون أساسا موجها لعمل المؤتمر، وأنه سيؤكد على ورقة «وعد بوش» التي قدمت إلى آرييل شارون في نيسان ـ ابريل 2004، إضافة إلى خطة خارطة الطريق «التنفيذية». وللتذكير فإن وعد بوش يحسم سلفا أبرز قضايا المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، فيقرر بأنه لا عودة إسرائيلية إلى حدود العام 1967. ويقرر أن لا تنازل عن المستوطنات الإسرائيلية «لأن الوضع الديمغرافي الجديد يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار». ويقرر أن لا بحث في موضوع عودة اللاجئين الفلسطينيين. ثم أضاف بوش إلى هذه البنود بندا آخر يؤكد على يهودية دولة إسرائيل، وهو مفهوم يتضمن معاني خطيرة، منها فقط، أنه يهدد وجود وحقوق مليون ونصف مليون فلسطيني عربي مسلم ومسيحي، يقيمون كمواطنين داخل دولة إسرائيل، وعبر نظريات الترانسفير التي يكثر الإسرائيليون الحديث عنها في هذه المرحلة. إن هذه التوجهات كلها تضع سدا منيعا أمام مبادرة السلام العربية، حيث تتحدد التوجهات والأسس بعيدا عنها، ويتم الاكتفاء بايرادها عرضا كأساس من أسس المفاوضات كنوع من رفع العتب.

إن إبعاد مبادرة السلام العربية عن جوهر البحث الأساسي في المؤتمر المنشود، يلغي نظرية الحل الشامل للصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويلغي عمليا موضوع البحث بالأراضي السورية المحتلة (الجولان)، ويطالب سوريا بأن يكون حضورها مجرد حضور شكلي، أو داعم، أو بروتوكولي، ومن أجل خطة لا تخصها، وتعمل ضد مصالحها. ولهذا كان ما عبر عنه الرئيس بشار الأسد في مقابلته الصحافية الأخيرة، تعبيرا دقيقا وعميقا، حيث أعلن أن سوريا لديها قضية، ولديها أرض محتلة، وهي لا تستطيع أن تذهب إلى مؤتمر لا يضع قضيتها على جدول الأعمال.

وحين ينشأ موضوعيا مؤتمر يرفض مبادرة السلام العربية، ويتبنى عمليا الأوراق والوعود المناقضة لها ولمنطقها بالتسوية الشاملة والمتكافئة، وحين تبادر دول كسوريا إلى رفض حضور المؤتمر، فإن الموقف العربي برمته سيتعامل مع المؤتمر بحذر شديد، وهو إما أن يقاطع المؤتمر، وإما أن يذهب ليعلن اعتراضه على ما هو مطروح.

وهذا التصور السوداوي للمؤتمر ليس مقتصرا على الجانب العربي، فثمة أميركيون كبار يتوقعون ما هو أسوأ. وفي الأسبوع الماضي وزع أربعة سفراء أميركيون عملوا في المنطقة العربية، بيانا صادرا عن «منتدى السياسة الإسرائيلية» في واشنطن ، وقالوا فيه:

1 ـ يبدو المؤتمر ضربا من المقامرة، وإذا لم تكن هناك ورقة متفق عليها فينبغي تأجيله.

2 ـ لمّح البيان إلى أنه من الجدير إيجاد طريقة لإشراك حركة حماس في اللقاء.

3 ـ تم تحميل فشل المحاولات السابقة إلى إسرائيل مرة، وإلى ياسر عرفات مرة أخرى، أما الآن فإن الفشل سيحمل مباشرة إلى الولايات المتحدة.. إلى الرئيس بوش، وإلى أداء رايس المنخفض جدا.

ومن شأن موقف أميركي كهذا، أن يشجع المسؤولين العرب على وقفة حاسمة ضد هذا المؤتمر، وضد المضمون الذي يسعى الأميركيون والإسرائيليون إلى فرضه عليه.

 

هل الفلسطينيون فقط هم المقصرون؟

بلال الحسن

تبدو صورة المستقبل أمام الفلسطينيين مظلمة للغاية، فهم لا يرون أفقا في أي موضوع مطروح أمامهم. لا يرون أفقا في عمل السلطة التي يترأسها محمود عباس في رام الله. ولا يرون أفقا في التسوية السياسية التي يديرها الأميركيون ويتولاها ايهود اولمرت رئيس وزراء إسرائيل. ولا يرون أفقا في الحوار الوطني الداخلي، سواء ذلك الحوار المنشود بين فتح وحماس، أو ذلك الحوار المظلم داخل حركة فتح نفسها. وينذر هذا الوضع المسدود بانفجار كما هي الحال لدى أي شعب من الشعوب، أو هو ينذر بانهيار كل ما هو قائم بانتظار ولادة قوى جديدة تنهض على أنقاض القوى المنهارة.

هذه الصورة المظلمة للمستقبل أمام الفلسطينيين، تدفع بعض العرب، سياسيين وكتابا ومحللين، إلى استسهال اللوم والنقد للقوى السياسية الفلسطينية. مرة ينتقدون تشدد الرئيس الراحل ياسر عرفات لأنه لم يقبل العرض الإسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد 2000. ومرة ينتقدون الفساد الضارب في أعماق السلطة الفلسطينية. ومرة ينتقدون حماس ويصفونها بأنها نفذت انقلابا دمويا في غزة بينما كانت أجهزة أمن محمد دحلان ترشقهم بالورود. في حين تغيب عن الصورة مسؤولية الوضع العربي العام، وبالجوهر مسؤولية السياسة الأميركية التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن.

لقد واجهت المنطقة العربية بأسرها منذ العام 2000، أي منذ تسلم الرئيس جورج بوش لمسؤولية القيادة في البيت الأبيض.

أي منذ أن تم وضع سياسة المحافظين الجدد موضع التطبيق على مستوى العالم.

أي منذ أن برزت سياسة السيطرة على الشرق الأوسط الكبير والجديد.

أي منذ أن تم إتباع سياسة الفوضى البناءة وولدت سلسلة من الحروب والضغوط والمتاعب لا حد لها، عانى منها الجميع، وضربت عاصفتها الدول والحكومات والشعوب، وكانت القضية الفلسطينية في عين هذه العاصفة، بسبب اعتماد البيت الأبيض على إسرائيل كقوة أساسية يتم تحضيرها لإنجاح السياسة الأميركية.

لم تنجح السياسة الأميركية في تحقيق أهدافها، ولكنها نجحت في إحداث الفوضى فقط، وبدلا من أن تكون الفوضى مدخلها لتحقيق هيمنتها والديمقراطية التي تحلم بها أو تتستر بها، أصبحت الفوضى سلاحا ضدها، في العراق وفي فلسطين وفي لبنان وفي السودان وفي الصومال وفي أفغانستان. ولذلك فإن ما يعانيه الوضع الفلسطيني الآن من خلافات وتناقضات، ليس إلا نتاجا لتلك السياسة. والمثاليون فقط، هم الذين يغمضون عيونهم عن هذه الصورة الأميركية الشاملة، ويركزون أنظارهم فقط، على الخلافات الفلسطينية، وعلى الفشل الفلسطيني في تحقيق الوحدة والتماسك.

ليس القصد هنا تبرئة الفلسطينيين أو إعفاءهم من المسؤولية عن وضعهم وأنفسهم، إنما القصد أن نرى الصورة بوجهيها، لأنه من دون ذلك تنعدم سبل البحث عن مخرج، سواء كان المخرج المنشود عربيا أو فلسطينيا.

أمام الفلسطينيين الآن ثلاث مشكلات تتضارب حولها الآراء بشدة. وفي كل مشكلة من هذه المشكلات، مسؤولية فلسطينية، وشبح أميركي يخيم ويفرض الشروط والسياسات.

أولا: مشكلة السلطة الفلسطينية في رام الله. قامت هذه السلطة ولا زالت تقوم على حركة فتح. وأصبحت حركة فتح من خلال الواقع، حزب السلطة الرسمي، وهي تعاني من مشاكل يعرفها الجميع: تهميش لقيادتها المركزية، وعجز عن عقد مؤتمرها الحركي، وتشجيع من الرئاسة لكل متمرد أو طامح لضرب نفوذ قيادة فتح. وهناك من يقول الآن، إن الرئيس محمود عباس يريد تنحية حركة فتح عن السلطة، والاعتماد في بناء السلطة على المستقلين فقط، ومن هنا كانت حكومة سلام فياض خطوة أولى على هذا الطريق.

لا نريد هنا أن نقف مع الفصائل الفدائية ضد المستقلين، أو مع المستقلين ضد الفصائل. نريد أن نركز أنظارنا على أن هدف إسرائيل الأساسي هو إلغاء المقاومة المسلحة للاحتلال، وضرب حركة فتح يقود إلى تحقيق هذا الهدف، إذ من دون حركة فتح لا يعود هناك وجود فعلي لما يسمى «كتائب الأقصى». وحكومة سلام فياض واضحة جدا في تبني هذا الهدف، ولذلك فإن موضوع حركة فتح، وبقدر ما هو تعبير عن أزمة فلسطينية داخلية، هو أيضا تعبير عن صراع فلسطيني مع إسرائيل والسياسة الأميركية التي تريد رضوخا فلسطينيا كاملا يسبق بدء أية مفاوضات سياسية.

ثانيا: مشكلة التسوية السياسية. ولا نريد هنا أن ندخل في الجدل المفتوح حول مؤتمر بوش الدولي ومدى جديته. إنما نريد أن نركز على التجليات الجديدة لمفهوم إسرائيل للتسوية. وهنا نجد أنفسنا أمام فيض من المشاريع الإسرائيلية:

مشروع شمعون بيريس رئيس الدولة. وهو مشروع يرفض البحث في عودة اللاجئين، ويعتبر القدس مدينة تحت السيادة الإسرائيلية، وحتى المسجد الأقصى سيكون تحت السيادة الإسرائيلية، ولكنه يتكرم علينا بإمكانية رفع علم عربي أو فلسطيني عليه. والمستوطنات ستبقى على حالها، وهنا يقترح مبادلة للأراضي تقوم على قاعدة التخلص من الفلسطينيين داخل دولة إسرائيل. يبسط بيريس موضوع المستوطنات ويقول إنها تشمل 5% من أراضي الضفة الغربية فقط (وهذه نسبة غير صحيحة)، ولكنه لا يتحدث عن أراضي غور الأردن، ولا يتحدث عن المطالبة بنصف مياه البحر الميت، ولا يتحدث عن أراضي القواعد العسكرية التي تريدها إسرائيل، ولا يتحدث عن مستوطنات القدس التي تصل إلى مشارف أريحا، ولا يتحدث عن مستوطنة آرييل التي تدخل في عمق الأرض الفلسطينية باتجاه نابلس، وهل ستبقى أم تزال؟ ولا يتحدث عن الجدار الفاصل والأراضي التي تم الاستيلاء عليها من أجل بنائه. ومشروع بيريس هذا مرشح لأن يقدم كاقتراح سلام إسرائيلي في مؤتمر بوش الدولي.

مشروع ايهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي. وهو مشروع يقوم على أساس عسكري أمني، فهو ينطلق من أولوية العمل لمواجهة لصواريخ التي قد تنصب على إسرائيل، ويقترح أن لا تنسحب إسرائيل من الضفة الغربية إلا بعد أن تتوفر لها منظومة صواريخ مضادة للصواريخ. وتتطلب عملية التسلح هذه حسب قوله، فترة تمتد إلى خمس سنوات. وعلى ضوء هذه الوثيرة الأمنية سيناقش الإسرائيليون في مؤتمر بوش الدولي.

مشروع حاييم رامون النائب الأول لرئيس الوزراء. وهو مشروع يقترح أن تنسحب إسرائيل من 70% فقط من أراضي الضفة الغربية، ومن بعض المستوطنات المنعزلة، مع تحديد بعيد المدى للتفاوض حول التسوية الدائمة.

وهناك أخيرا مشروع ايهود اولمرت رئيس الوزراء، الذي يصر على مفاوضات تدور حول وضع اتفاق مبادئ جديد. وهو ما تم الاتفاق عليه مع الرئيس الفلسطيني في لقاء أريحا الأخير.

وبنظرة سريعة على هذه المشاريع كلها، يتبين بجلاء أنها مشاريع تغلق الطريق أمام أية تسوية معقولة، ولا ينتج عنها سوى كيان فلسطيني يعيش في حضن إسرائيل، وفي إطار سيطرتها الاستراتيجية على الأمن والاقتصاد والمياه. وهو ما يعني سلفا أن مؤتمر بوش الدولي لن يكون أكثر من مؤتمر علاقات عامة.

ثالثا: مشكلة الحوار بين الرئاسة وحركة حماس. وهنا لا حاجة للحديث عن بؤس هذه المسألة، حيث يتم وضع الشروط المستحيلة لإنجاز هذا الحوار، وحيث يغيب الدور العربي ولا يبرز سوى الدور الروسي ودور فلسطينيي 1948، وحيث يعلن ديفيد ولش مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط «إن الولايات المتحدة هي التي تضغط على كافة الأطراف لمنعها من إجراء حوار مع حماس» (8/8/2007). وهو موقف أميركي علني يؤكد أهمية الربط بين الأزمة الفلسطينية الداخلية وتجليات السياسة الأميركية في «الشرق الأوسط الكبير». ولكن اللافت للنظر هنا، أن الرئاسة الفلسطينية، وهي ترفع صوتها في وجه حماس، ولا ترفع صوتها إلا في وجه حماس، تنسى، أو تريد أن تنسى، أن الأمور لم تصل إلى ما وصلت إليه، إلا بسبب الضعف الشديد الذي تعاني منه السلطة. تريد الرئاسة الفلسطينية أن تنسى أنها خسرت الانتخابات في وجه حماس، وخسرت بالتالي الأغلبية في المجلس التشريعي، ثم خسرت انفرادها بالحكومة، ثم خسرت معركة السيطرة على قطاع غزة، بعد مراهنة طويلة على عبقرية محمد دحلان القيادية. وبعد كل هذه الخسائر تتم الدعوة للحوار على قاعدة دعوة الطرف الآخر إلى الاستسلام، وعلى قاعدة (شروط المسكوب) كما يقول المثل الشعبي.

لقد عددنا هذه المشكلات، لنحدد المسؤولية الفلسطينية في ما يجري من تفتت وضعف وخلل. ولكن أي حديث عن المسؤولية الفلسطينية يبرز فورا دور الشر الأميركي في كل بند من بنود الأزمة.

إن حركة حماس ليست عصية على النقد، ولكن الأزمة الفلسطينية أكبر وأعقد من أخطاء حركة حماس في غزة. وهذا ما لا يحب كثيرون أن يحدقوا إليه بأعينهم.

مع التقدير لما أتى في المقالة فهي لا تعبر بالضرورة عن رأي حركة القوميين العرب

 

نشر حركة القوميين العرب

السياسة الفلسطينية: العودة إلى نقطة البدء

بلال الحسن

بعد الاجتماع الأخير في جامعة الدول العربية وضع العرب أنفسهم على طريق حضور المؤتمر الدولي الذي دعا إليه الرئيس الأميركي جورج بوش، للبحث في القضية الفلسطينية. قال العرب إن دعوة الرئيس بوش تضمنت العديد من الأمور الايجابية.. وهذا صحيح، ولكنه يشكل نصف الجملة فقط. نصف الجملة الآخر الذي لم يكمله العرب أن الدعوة تتضمن أيضا عددا من الأمور السلبية، فهي تكاد تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية في كل قضايا الوضع النهائي، وتنطوي على مفهوم للدعوة وشروطها يحاول قسمة العرب إلى معتدلين ومتطرفين، ويحاول قسمة الفلسطينيين إلى فريقي السلطة وحماس. وبما أن الموقف الفلسطيني في هذا الموضوع كله حاسم جدا، فسنحاول الوقوف عنده، وذلك لأننا أصبحنا أمام موقف سياسي فلسطيني جديد، يختلف عن كل المواقف السياسية الفلسطينية التي عرفناها منذ اتفاق اوسلو حتى الآن، وهو موقف تعبر عنه حكومة سلام فياض تعبيرا كاملا وصريحا.

وقبل الدخول في صلب الموضوع، نتوقف أمام واقعتين لافتتين للنظر.

الواقعة الأولى تمت في مجلس الأمن، حين تقدمت قطر مع اندونيسيا بمشروع بيان رئاسي يطلب إعلان غزة منطقة منكوبة إنسانيا بسبب الحصار الإسرائيلي لها. وكانت المفاجأة حين بادر المندوب الفلسطيني رياض منصور إلى الوقوف ضد مشروع البيان مطالبا بسحبه من التداول، واعتبره تدخلا في الشؤون الفلسطينية الداخلية.

الواقعة الثانية تمت داخل جامعة الدول العربية، التي شهدت نقاشا متعدد الجوانب، برزت فيه فكرة (دعوا شؤون الفلسطينيين للفلسطينيين أنفسهم)، وتصدى عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية لهذا المطلب، وقال إن القضية الفلسطينية كانت دائما قضية العرب كلهم، ولم يقل أحد في السابق إنها يجب أن تترك للفلسطينيين. وجاء الاعتراض على هذا الموقف من خلال بيان منسوب إلى مصادر وأوساط فلسطينية مطلعة، يشن هجوما قاسيا على عمرو موسى لأنه «يشجع الانقلابيين على مواصلة جرائمهم ضد القضية والشرعية الفلسطينية ونظامنا الدستوري»، وذلك لأن عمرو موسى واصل تطبيق قرار الجامعة بإنشاء لجنة لتقصي الحقائق بعد أحداث غزة، وكان تقرير اللجنة سيعرض على الأعضاء في الاجتماع.

هل تشكل هاتان الواقعتان مجرد خلاف عربي ـ عربي؟ ربما. ولكن هناك اجتهادا آخر في تفسير هاتين الواقعتين، يرى أننا أصبحنا أمام سياسة فلسطينية جديدة تجاه قضية التسوية، تعبر عنها حكومة سلام فياض.

نعود إلى العام 1993 الذي شهد توقيع اتفاق أوسلو في احتفال كبير في البيت الأبيض. لقد أبرز هذا الاتفاق، والذي هو اتفاق مبادئ ليس إلا، جملة من المخاوف الفلسطينية والعربية، وذلك لأن إسرائيل، بحكم الاحتلال، ستكون هي الطرف المقرر في كيفية تنفيذ الاتفاق. وذلك لأن الاتفاق كان ذروة في الغموض في كل ما يتعلق بموضوعات الحل النهائي المؤجلة. وهنا برز منهجان في التعامل مع مفاوضات اتفاق أوسلو: منهج الرئيس الراحل ياسر عرفات، والمنهج الآخر الذي نشهد تبلوره الآن أمام أعيننا.

منهج الرئيس عرفات، كان يقوم على أساس التزام الطرف الفلسطيني بتنفيذ كل ما يترتب عليه، من أجل دفع الطرف الإسرائيلي نحو التسليم بنشوء دولة مستقلة ذات سيادة ضمن حدود العام 1967. وأبدى في مفاوضات المرحلة الانتقالية (خمس سنوات امتدت إلى سبع) مرونة زائدة عن الحد في قبول كل ما اشترطته إسرائيل في مواضيع إعادة الانتشار، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، وعلى أمل أن تؤدي هذه المرونة إلى «طمأنة» إسرائيل وإقناعها بقبول مطالب الحد الأدنى الفلسطينية. وقام عرفات في سياق السعي إلى هذا الهدف بخطوات كبيرة أبرزها:

1 ـ قراره بوقف الانتفاضة الفلسطينية، وأوامره إلى المسلحين بتسليم أسلحتهم.

2 ـ قراره بالاعتراف بإسرائيل مقابل اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية فقط.

3 ـ قراره بضرب حركة حماس واعتقال قادتها، بعد أن قامت بسلسلة عمليات انتحارية في العام 1996.

4 ـ إقدامه على تعديل وإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني حسب طلب إسرائيل. أولا في عام 1996، ثم عام 1998 بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون.

لقد كانت هذه المواقف تنازلات هائلة، قدمها عرفات، أملا بالحصول على موافقة إسرائيلية بقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على أراضي 1967. ولكن عرفات اكتشف، في مفاوضات كامب ديفيد 2000، أن تفكير إسرائيل بعيد عن كل هذا، وأن أقصى ما تفكر فيه هو كيان فلسطيني مقسم إلى أربعة كانتونات، يقوم على جزء من الضفة الغربية وقطاع غزة، وتتم محاصرته بالقدس الكبرى ومستوطناتها من جهة الغرب، وبسيطرة إسرائيل على جزء كبير من أراضي منطقة الأغوار المحاذية لنهر الأردن من جهة الشرق، إضافة إلى أربع قواعد عسكرية داخل ذلك الكيان الفلسطيني. وهنا أدرك عرفات أن المعروض عليه ليس دولة فلسطينية مستقلة، بل كيان فلسطيني داخل القبضة الإسرائيلية. كيان يدير الحياة اليومية، بينما تتولى إسرائيل الهيمنة الاستراتيجية أم