<% Dim fsoObject 'File System Object Dim tsObject 'Text Stream Object Dim filObject 'File Object Dim lngVisitorNumber 'Holds the visitor number Dim intWriteDigitLoopCount 'Loop counter to display the graphical hit count Set fsoObject = Server.CreateObject("Scripting.FileSystemObject") Set filObject = fsoObject.GetFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) Set tsObject = filObject.OpenAsTextStream lngVisitorNumber = CLng(tsObject.ReadAll) lngVisitorNumber = lngVisitorNumber + 1 Set tsObject = fsoObject.CreateTextFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) tsObject.Write CStr(lngVisitorNumber) 'Reset server objects Set fsoObject = Nothing Set tsObject = Nothing Set filObject = Nothing For intWriteDigitLoopCount = 1 to Len(lngVisitorNumber) Response.Write("") Next %>
                            ان القدرة على التعبير هى القدرة على الحياة // تصدر عن مؤسسة الانباء العالمية للصحافة والطباعة والنشر والدعاية والاعلان
 

دعوة للأخر
مقالات رئيس التحرير
 
عزمي بشارة

شحة النفط والامبريالية المفرطة والبقاء في العراق..

د.عزمي بشارة

يتعامل باحثون مع النفط كحتمية تحدد وتحكم السلوك السياسي، بما فيه الحرب، مثل قانون. لا شك في أن النفط هو الدافع والمحرك الرئيسي للسياسات الامبريالية في المنطقة العربية. ولكنه لا يصنعها بل هي التي تصبغه بلونها. الامبريالية وسياسات الهيمنة تدفع بمسألة الطاقة ولكنها هي التي تحدد شكل التعامل مع هذه القضية.

يشخص مايكل كلير (مجلة نيشن عدد 5- 12نوفمبر/ تشرين الثاني) المرحلة كنهاية مرحلة البترولpetroleum age وبداية مرحلة عدم الكفاية in sufficiency وهو يكتب أن الولايات المتحدة باتت تتصرف على هذا الأساس معدداً مشاريع أبحاث الطاقة البديلة، واستحضار مصطلح سوائلl iquids للاستخدام بدلاً عن نفط، واندفاع الدول للاستثمار في ابحاث السيلولوز وفي صناعات تحويلية لنبتة الذرة إلى كحول إثيلي، مما يهدد بقية العالم برفع اسعار الخبز وغيره من المنتوجات.

ومع نمو اقتصادي عالمي بنسبة 5.4 في المائة، يلعب فيه اقتصادا الهند والصين دوراً رئيسياً، سوف تحتاج الدورة الاقتصادية العالمية لرفع إنتاج النفط ب5.2% سنوياً لملاقاة زيادة الطلب. يستهلك العالم حالياً 86 مليون برميل من النفط يومياً، وسوف يستهلك 96 ميلون برميل يومياً عام 2012 بعدها سوف تبرز صعوبة هائلة في زيادة الإنتاج لسد الحاجة. وحالياً يتلاقى العرض والطلب من دون احتياط للتخزين وهذا سبب رئيسي لارتفاع أسعار النفط، فكل ما يضخ يجد له مشترين فوراً، والطلب يفوق الضخ. كما أن العالم بدأ يدرك حجم احتياطي النفط المتبقي وحدوده.

ولا بد أن يكون مصدر هذا الارتفاع المطلوب في الدول التي تملك غالبية احتياط النفط في العالم. ويقع معظمها في مناطق غير مستقرة بنظر أمريكا، أهمها الشرق الاوسط وشمال إفريقيا وبعض الدول الإفريقية. وللوصول إلى زيادة كهذه، خاصة مع نضوب حقول كاملة في دول الأوبك، يتطلب الأمر فتح حقول جديدة وأعمال تنقيب وبنى تحتية تحتاج إلى استثمار مئات مليارات من الدولارات، وهي دولارات قلقة غير مطمئنة.

وإضافة للقدرة على الاستثمار ترى الولايات المتحدة انها الدولة الوحيدة القادرة على تأمين تدفق النفط إلى الدول الصناعية بالردع وبالتدخل العسكري المباشر، الأمر الذي برره مبدأ كارتر منذ العام ،1980 عندما أكد بعد الثورة الإيرانية التزام الولايات المتحدة الاستراتيجي لضمان عملية تدفق النفط من الخليج إلى اسواق الغرب حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة... وقد استند بوش الأب إلى هذا المبدأ في حينه للتدخل في حرب الكويت. وهو المبدأ الذي برر أصلاً إنشاء قوات التدخل السريع وتأسيس قيادة المنطقة الوسطى.

الطفرة الاقتصادية وتزايد الطلب على النفط في فترة شح الطاقة والبحث عن سوائلمولدة للطاقة وارتفاع أسعار النفط المطرد تقوي ميل الولايات المتحدة للجوء إلى حروب النفط، أو التدخل المباشر للسيطرة على مصادره. وهي لا تنتظر أن تصبح الصين قادرة على تدخل كهذا، وذلك لحاجتها إلى هذه المصادر أكثر من أمريكا. وأمريكا ترصد التحولات في السياسات الخارجية الصينية والروسية. وكنا قد تطرقنا إلى حجم التسلح الأمريكي وميزانيته في المقال السابق.

وليس صدفة أن أياً من المرشحين الديمقراطيين للرئاسة لم يعلن أنه سوف يسحب الجيش الأمريكي من العراق حتى العام ،2012 أي خلال فترة رئاسته إذا فاز. لقد بررت الإقامة الأمريكية المديدة في كوريا والبالغة من العمر خمسين عاماً بالتمام والكمال بخطر كوريا الشمالية. وربما سوف تبرر في العراق بوجود إيران والخطر الإيراني. ولكن مع وصول سعر البرميل إلى تسعين دولاراً، ومنذ أن وصل إلى سعره الثمانين لم يبق سياسي في أمريكا يعاني من التردد والحرج بشأن النفط وتأمينه. لقد باتت حماية مصادر النفط، اي السيطرة عليها، مسألة إجماع يخترق الأحزاب ويحظى بشعبية.

تقوم شركات التعهدات الأمريكية الكبرى ببناء خمس قواعد عسكرية دائمة من النوع المتطور جداً (سوبر قواعد) خارج المدن في العراق. تتسع كل منها لعشرين الف قاطن. انها في واقع الحال ضواح امريكية محصنة في وسط الصحراء وبمطار مشغول جداً. وهي مزودة بكل ما يلزم الامريكي المتوسط، كما يتخيله البنتاغون وشركات المقاولات، من مطاعم الأكل السريع حتى ملعب الميني جولف ودار السينما. وتتسع هذه القواعد سوية إلى مائة الف جندي تقريباً مجهزين للتدخل الخاطف في أي مكان في العراق كقوة ردع أو قمع من دون ولوج شوارع اية مدينة، ومن دون احتكاك يومي بالعراقيين. هذه، إضافة إلى سفارة أمريكية تبنى في بغداد على نمط مبنى البنتاغون، كفيلة أن تؤشر لمقاصد بوش وجدية ما يقوله في أروقة البيت الأبيض عن بقاء في العراق على نمط كوريا وعلى نهج وزير دفاعه روبرت جيتس.

إذا كان هذا صحيحاً فيبدو أن كل ما نشر وينشر عن الغباء وسوء التدبير الأمريكي إنما كان سابقاً لأوانه. فإذا تولت حماية حكومة ضعيفة في عراق مفككٍ من دون أن تسمح بأن ينحل فعلاً، ومن دون أن تسمح بأن يتوحد، تكون أمريكا قد انجزت الظرف المثالي لاستمرار بقائها في العراق لغرض السيطرة على النفط: انفصال كلي لكردستان يغضب تركيا، وانفصال كلي للجنوب ينشئ قاعدة تأثير إيرانية، أما انفصال الوسط فقد يتحول إلى قاعدة للقاعدة كما ينمط المعلقون الأمريكيون توقعاتهم. أما وحدة العراق فتلغي الحاجة للوجود الأمريكي. من هذا المنظار وبأثر رجعي لا تبدو خطوات مثل حل الجيش واجتثاث البعث مجرد أخطاء تنم عن قلة تجربة، بل هي حلقات في خطة محكمة. هذه قراءة بأثر رجعي تنتشر حالياً بين خبراء مثل جيم هولت من نيويورك تايمز وتوماس باورز (“نيويورك رفيو أوف بوكس” 27 سبتمبر/ أيلول). وبموجب هذه القراءة فإن رغبة تشيني بشن حرب على العراق نشأت في فترته كرئيس طاقم المهمات لقضايا الطاقة من العام ،2001 أي أنها ولدت كاستنتاج من أزمة الطاقة بصدد ما ينبغي عمله بهذا الشأن. والأمر الوحيد الذي يجعل هؤلاء الخبراء يشككون في نظرية المؤامرة هذه رغم أنهم ألفوها بأنفسهم هو أن النتائج خرجت تماماً كما أريد لها أن تكون، أي أنهم يشككون بنظريتهم بأنفسهم لأنها محكمة أكثر مما ينبغي.

هذا رغم أنهم يعرفون أن ألان جرينسبان محافظ البنك المركزي الأسطورة بنظر الاقتصاديين كتب في مذكراته: “إنني حزين لأنه من غير المريح الاعتراف بأن حرب العراق كانت غالباً من أجل النفط”.

ويبدو السيناريو الأمريكي المتفائل هكذا: سوف تساعد الولايات المتحدة سيطرتها المباشرة على النفط العراقي على قدر من التحكم بالأسعار، ولعب دور مباشر داخل الأوبك، وسوف تقيد إيران اقتصادياً من ناحية قدرتها على الصرف على التسلح خاصة أن 80% من مصاريف حكومتها يمولها العائد من النفط. وسوف تمكنها من إدارة استثمار أمين يدر أرباحاً خيالية لا تقدر حتى مقارنة بنفقات الحرب في العراق.

هذا حلم من يؤمن بسحر السيطرة العسكرية على أكبر احتياطي نفط في العالم. احتياط النفط المعروف في العراق 115 مليار برميل. ويسود اعتقاد ان الاحتياطي الأكبر غير معروف، فبسبب الحصار الطويل يعتبر احتياطي العراق شبه مجهول، فالعراق اقل بلدان النفط تعرضاً للتنقيب. في العراق 2000 بئر نفط، في حين أنه في تكساس وحدها حفرت حوالي المليون. التقدير ان احتياطي النفط العراقي الفعلي يتراوح بين 200 إلى 300 مليار برميل. إذا صح ذلك، ينتج ان القوات الأمريكية تجلس حالياً على ربع احتياطي النفط في العالم.

حكومة اقليم كردستان وقعت وحدها على اتفاق لاستغلال النفط في الإقليم مع شركة هنتالتكسانية التي يرأسها حليف وصديق شخصي لبوش. أما بالنسبة لبقية العراق فقد أعدت الادارة الامريكية اقتراح قانون تستعيد بموجبه الحكومة العراقية استغلال 17 حقل نفط من مجموع ثمانين، أما البقية فتخضع عملياً لشركات أجنبية لمدة ثلاثين عاماً، وهي غير مجبرة على استثمار جزء من العائد في الاقتصاد العراقي.

تبدو الخطة محكمة فعلاً. ولن نقترح كما يعظ كتاب اليسار في أمريكا أن يكون العلاج بدل الحروب هو التوفير في استخدام النفط لغرض الحفاظ على البيئة ولغرض خفض سعره، لأننا نعلم أن هذه طوباوية غير ممكنة التحقيق وتعتمد على وقف النمو في اقتصاديات رأسمالية متنافسة قائمة على النمو. ولكن السؤال المطروح هو التالي: ألا يبدو أن التدخل الامريكي والمقاومة وعدم الاستقرار كانت حتى الآن من أسباب ارتفاع اسعار النفط؟ يبدو ذلك فعلاً. ومن هنا نشتق سؤالا آخر: أليس من الممكن التوصل إلى اتفاقيات مصالح مع الدول المنتجة للنفط، والتي تنوي ان تبيع نفطها لا ان تشربه، تضمن بموجبه تدفق النفط إلى الدول الصناعية؟ طبعاً ممكن. وحتى مع صدام حسين كان التوصل إلى اتفاق كهذا ممكناً. وأخيراً، لكي تقوم امريكا بالسيطرة على بلد، أليس عليها أن تضمن حداً أدنى من الاستقرار للسيطرة عليه؟ نعم. ولكن القوة العسكرية الاحتلالية لا تضمن الاستقرار، ولا ينفع التفوق الأمريكي عندما تنفلت طاقات المجتمع الهدامة من دون دولة.

الامبريالية تدير الأزمة بأسلوب امبريالي. ولكن يمكن إدارة سياسات النفط وشحه بشكل مختلف. ولا بد من تدخل قدر كبير من الغباء وسوء الحساب. ولا شك في ان الرغبة بالسيطرة على منابع النفط قائمة، وأن الشركات الأمريكية من انتاج السلاح وحتى متعهدي الطعام الجاهز للجنود، ناهيك عن شركات المقاولات استفادت وتستفيد من الحرب. ولكن هنالك عوامل اخرى فعلت فعلها، منها ما هو إيديولوجي إلى درجة العمى عن رؤية واقع يجهله حاملوها أصلاً، ومنها العامل الإسرائيليالمطروق بكثرة والمتعلق بعملية صنع القرار الأمريكية فيما يخص هذه المنطقة. النفط نعم، ولكن التعامل مع النفط بسياسات هيمنة امبريالية وجهل، وتأثير إسرائيلوالإيديولوجيا والآراء المسبقة تتفاعل جميعها لتنتج مستحضرات بوش القاتلة.

 

في «الكليبتوقراطية » ومسؤولية الحلفاء المحليين

عزمي بشارة

إذا كانت ثمة قناعة أميركية أنه بعد الفشل في العراق وفي أفغانستان لا بد من فرض نجاح أميركي على الأقل في لبنان بدحر المعارضة بموجب الخطوط العريضة للقرارات الدولية، ونجاح آخر في فلسطين بالإغداق على الضفة وتجويع غزة، وبدفع الفلسطينيين لقبول أي شيء تعرضه إسرائيل للتخلص من الوضع الراهن، فسوف تدفع أميركا إلى المواجهة والخراب في هذه البلدان.

يفترض أن هذه لحظة حلفاء أميركا في هذه البلدان. وإذا توفرت لديهم أجندة وطنية فلا بد أن تجعلهم قادرين على تخيل وفاق وطني وتسويات توفر على البلاد المواجهات والخراب. بإمكانهم أن يوجهوا للسياسة الأميركية نصائح واقعية تنطلق من عدم قدرتهم على حسم الصراع محليا، ولا حتى بالمال. فيأس حماس من السلطة وبدء مقاومة في الضفة الغربية مثلا من شأنه أن يحبط كل مشاريع المؤسسات البحثية حول شبكة أمان ممولة غربيا تحل محل جمعيات حماس الخيرية، ومبادرات اقتصادية يطلقها رجال أعمال في مؤتمر تل أبيبي. بإمكانهم أن يؤكدوا ضرورة الوفاق الوطني تجنبا للخراب. فتوازن القوى المحلي يختلف عن توازن القوى في مجلس الأمن، وفرض الأول على الثاني أمطر المنطقة بوابل من الكوارث. نعلم أن تقديرنا هذا هو تمنٍ، وربما يقتصر على مجرد تمن وردي إذا اعتبر هؤلاء القوة الأميركية الجامحة في ظل رئيس مغامر فرصةً لفرض أجنداتهم المحلية، وربما يوجهون نصيحة مقلوبة لأميركا.

ولم نذكر هنا ضرورة أن يوجه حلفاء سورية وإيران في هذه البلدان نصائح مماثلة لحليفتيهم، لأن الوفاق والتسوية الداخلية والدعوة للحوار في فلسطين والوحدة الوطنية في لبنان هو موقفهم المعلن.

جرت العادةُ على إدانة الأجنبي أو «البعض» لكي لا تقطع شعرة معاوية. فالخلاف بين الأنطمة العربية في مرحلة استقرارها بعد توقف الانقلابات وحتى إقصاء نظام صدام حسين بعد حرب الكويت أصبح نوعا من التنوع ضمن المصلحة الواحدة في الحفاظ على الاستقرار. وعندما تمت الإدانة أو توجيه الاتهام أو تعيين عنوان المؤامرة كان يقال بنفس واحد إن وراءها تقف «الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية»، كأنه ثالوث، أو شر بثلاثة أقانيم، يتحمل المسؤولية عن آخر قتال داخلي فلسطيني، وآخر تجدد لإطلاق النار في آخر زقاق في بيروت. ولم يشعر أحد، ولا حتى إسرائيل، بالحرج من التهمة. وتظاهر الجميع بأنها طريقة ثورجية في تسجيل ملف لحساب مجهول.

تعني سايكس- بيكو، كما عنت النكبة أنه لا يوجد «شأن عربي» داخلي. وقد كتب على الصراعات الداخلية أن تعكس صراعات خارجية أو تورطها فيها. وعندما صنفت علاقة القوى السياسية العربية مع القوى العظمى والقوى الخارجية بشكل عام في عصر دول المماليك والدولة السلطانية هذا، لم يتم التمييز عادة بين قوى وطنية يختلف المصنف معها وهي متحالفة لأسبابها مع قوى أجنبية من جهة، وعملاء واختراقات أمنية حقيقية، أي افراد وقوى تأتمر فعلا ومباشرة بأمر القوى الأجنبية من جهة أخرى. والعلاقة مع الخصم تتفاوت حسب التكيتيك فإما أنه «رغم كل شيء يبقى عربيا»، وهو بالتالي جزء من عائلة عربية ينبغي أن تتوحد ضد المستعمر، أو أنه «عميل» و»جاسوس».

ونحن لن نتطرق هنا الى من يمكن اعتبارهم اختراقا أمنيا أو عملاء بالمعنى المباشر للكلمة، أي يأتمرون بأمر أجهزة أجنبية دون المرور بقناة رسمية أو وطنية. نقول ذلك رغم أن ما صدر عن بعض المسؤولين السابقين في الإدارت الأميركية من كتب (روس وتينيت على سبيل المثال) ثبتت أنه حتى لهؤلاء عُرِفَ دورٌ في صنع القرار لأنهم كانوا على الأقل مصدر معلومات. وقد انتقوا المعلومات التي قدموها لأميركا عشية الحرب على العراق، أو عشية مؤتمر كامب ديفيد بين باراك وعرفات بموجب رغباتهم وميولهم، فاعتبروا العراق ثمرة ناضجة للقطف، وعرفات جاهزا لقبول ما يطرح عليه لو فقط خصص له كلينتون وقتا كافيا ليفعل سحر الرئيس السابق مفعوله على عرفات. أما النتائج الكارثية لهذه المعلومات اللقيطة فغنية عن التعليق.

ولكننا نتساءل عن دور القوى ذات المصالح المختلفة المتحالفة مع أميركا لأسبابها، والتي تدرس حاليا حتى المجاهرة بإمكانية التحالف مع إسرائيل، ولا يمكن اعتبارها «اختراقا أمنيا» لأنها تمثل مصالح وأمزجة وميولا قائمة في النظام، وحتى في بعض القطاعات الاجتماعية الضيقة.

ونحن نستهجن أن تعرف كمجرد طرف ضعيف ومستضعف أو غبي عاجز عن التحليل أو مجرد قوى مأمورة. فجميع هذه التوصيفات هي برأينا عبارة عن تقييمات غاية في التسطيح والتبسيط، ولا بد أن تقود بالتالي إلى سلوك خاطئ. فقد نشأ في المنطقة العربية جيل من السياسيين المقتنعين بالدولة القطرية وضرورات وضع مصالحها المتماهية مع مصالح النظام أولا، أي فوق كل اعتبار. وهذا يتطلب تحالفا مع أميركا ولو على حساب العلاقات مع الدول العربية الأخرى. وقضية فلسطين هي في نظرهم قضية قطرية أيضا وليس قضية قومية، ولكن على العرب المساهمة في تسويتها، وليس بالضرورة حلها حلا عادلا، لأنها تشكل مصدر قلاقل وإزعاج للاستقرار، ولأنها تساهم في تسليح القوى المحلية المعارضة بمادة غضب مستمر، ونقمة على تحالف النظام مع الغرب، ونزع شرعية من مرجعيات ما فوق الدولة مثل القومية والدين.

لقد أخطا بعض الديموقراطيين العرب، خاصة من ذوي الأصول اليسارية في تحالفهم، السافر أو المستتر، مع التدخل الأميركي لصالح الإصلاح والديموقراطية. كانوا واهمين. وقد انهارت مناعتهم أمام سياسة الامبراطورية نتيجة للموقف المتشنج والشعاراتي المعادي حتى للعناصر الحداثية في القومية العربية ومساواتها بالأنظمة. فكانوا مكشوفين دائما، مرة لسحر الثورة العالمية، ومرة لسحر الديموقراطية المعولمة كسياسة امبراطورية يراهن عليها... كانت القوة التي يراهن عليها بنظرهم دائما خارجية. ونحن لا نقصد هؤلاء عند الحديث عن القوى المتحالفة مع أميركا حاليا، بل نقصد حكاما ومن يحيط بهم من أقارب وأصدقاء ورجال أعمال حديثي النعمة ومثقفين «نيوليبراليين». هؤلاء لم يعرفوا اليسار أصلا، وما من زاوية دافئة في قلوبهم لقضايا الديموقراطية وحقوق المواطن والليبرالية السياسية. وكل ما يعرفونه من الليبرالية هو الخصخصة الاقتصادية لصالح المقربين سياسيا، ونهب الدولة وثرواتها تحت شعارات تجاوز البيروقراطية والانفتاح الاقتصادي. وهذه في الواقع ليست حتى ليبرالية اقتصادية. ولكنها الجهد الوحيد الذي يشهد نجاحا منهجيا في العراق وسط الخراب والحرائق. كنا في الماضي إزاء نقاش بين انظمة مقترحة من نوع ديموقراطية وديكتاتورية وارستوقراطية فبتنا إزاء «كليبتوقراطية» (تعني في قاموسنا حرفيا: حكم الحرامية او السراقين).

هذه الأوساط النيوليبرالية «الكليبتوقراطية» كما عرّفناها ليست مجرد دمى مسيّرة. فقد باتت أقوى في المعادلة الأميركية العربية بعد التدخل في العراق. إذ لم تعد أميركا تهددها أو تبتزها لتقوم بإصلاحات، بل هي مضطرة للاعتماد عليها كما هي. ولديها تقييمات وأجندات. وهي تحاول أيضا كسب القوة الأميركية العظمى لصالح أجنداتها إقليميا. وفي جعبة هذه القوى تصور يعتمد على تحليل غير واقعي، وتشخيص مبني على فتات معلومات مجتزأة ومنتقاة وآراء مسبقة حول النظام العربي القديم، منها ما هو صحيح، ومنها ما هو خاطئ، ومنها ما هو مجرد شعارات، وعلى معلومات دعائية الطابع حول إسرائيل واستعدادها للسلام وتفويت العرب للفرص.

منذ فترة باتت مفاهيم «عروبة المعركة او الصراع» و «صراع الوجود مع إسرائيل» مواضيع استهزاء وتهكم. من نوع تهكم المراهقين الجهلة الذين اكتشفوا مظاهر بلوغ جسدي ويصعب محاججتهم ولا يستمعون أصلا قبل ان يتجاوزوا هذه المرحلة. وهي لم تكن شعارات بأي حال بل مرحلة حقيقية في فهم ما يجري اقترب فعلا من الواقع. ولم يتفهموا يوما مسألة «حركة التحرر»، ويرون واقعيا ضرورة التسوية مع إسرائيل، ويلومون الفلسطينيين على تفويت الفرص التي لاحت. ولكن قراءتهم للواقع ومستوى معرفتهم لإسرائيل بهذه القراءة واعتمادهم الكلي على حسن نواياها هي أحد عوامل التعنت الإسرائيلي، وإحدى محفزات شهية إسرائيل لابتزازهم أكثر. وهي قراءة تتميز بعدم الواقعية لناحية استعداد الولايات المتحدة للتأثير على إسرائيل واستعداد إسرائيل لحفظ ماء وجوههم. أما من ناحية المعلومات، فمعلوماتهم أقل من الجيل العربي السابق، ولا شك أن جيل عبد الناصر والبعثيين القدامى كان أكثر واقعية وأقل فسادا بما لا يقاس.

والأخطر ان أوساطا واسعة من هذه القوى لا تقع تحت الضغط الاميركي لأغراض المواجهة مع ما تعتبره التيار الرافض للتسوية في المنطقة فحسب، بل لديها اجنداتها ايضا التي باتت تضيق ذرعا بالمعسكر العربي الآخر الذي لا يشاركها تقييماتها غير الواقعية ومواقفها. فهنالك من ينشر أوهاما يؤمن بها فعلا عن خطر شيعي. وهنالك من ينشرها دون أن يؤمن بها. وهنالك من ضاق ذرعا بالخطاب السياسي السوري غير المتواضع بشأن دور سورية وحجمها وإمكانياتها. وهو يتفهم مطلب سورية استعادة الجولان خاصة إذا كان مصاحبا بنيوليبرالية اقتصادية داخل سورية، دون محاربة الفساد بالضرورة، ومستعد ان يقف معها في الجهدين مثلما يقف حاليا مع القيادة الفلسطينية بعد فك ارتباطها مع حماس، ولكن على سورية ان تتنازل عن اي دور في العراق ولبنان وفلسطين وغيرها. وأن تتحول الى دولة أخرى معنية بتسوية خلاف حدودي مع إسرائيل... وإذا لم ترغب سورية بذلك فيجب عزلها وتلقينها درسا هنا ودرسا هناك. وما يهمس عربيا في أذن أميركا بخصوص دور سورية مهم. فكما نصحت اميركا بكيفية التعامل مع العراق في حينه، وكما نصحت أميركا بكيفية التعامل مع عرفات، تقدم لأميركا النصائح في كيفية التعامل مع إيران وسورية.

لا بد ان أحدا ما قد حلل لرايس قصة الخلافات السورية الإيرانية. وهي بنت عليها سيناريو متفائلا ومغتبطا لصراع كامل بينهما تحدثت عنه بطلاقةِ من حظي بالاستماع الى مصادر عربية يحرم الاسرائيليون من الاستماع إليها والاستمتاع بها مباشرة. ولا بد أن احدا يقترح إشغال حماس بضمان الغذاء والدواء والوقود في غزة، بتشديد الحصار ورفعه، وفتح الحنفية وإغلاقها، في حين يفاوض آخرون على امتيازات ومساعدات وإعلان مبادئ.

ولكن لسبب ما يتضح دائما ان التحليل خاطئ وغير واقعي ومبني على شتات معلومات جمعت لماما لتناسب الفرضية، فمن ناحية الاختصاص والتشخيص والخبرة ليس هؤلاء بأفضل حال من الأنظمة التي يتهكمون عليها. وان انهيار النظام في سورية وتراجع حزب الله أمام إسرائيل في لبنان وتحول العراق الى دولة حليفة للإدارة الأميركية وإسرائيل اذا ما اسقط نظام صدام حسين، كلها تمنيات وأضغاث أحلام ما لبثت ان تحولت إلى كوابيس.

وليس في في قلوبنا أدنى شك أن مصير هذه الأحلام في لبنان وفلسطين ان تتحول الى كوابيس إذا لم يحصل انتقال سريع إلى لغة الوفاق الوطني وحل الخلافات داخليا.

 

هذيان صيفي إسرائيلي..

د.عزمي بشارة

بعد أن اطمأنّت لتكريس الانشقاق فلسطينيا، عادت إسرائيل إلى عادتها القديمة، تَسومُ المفاوض الفلسطيني "المعتدل" أصناف الألاعيب والأكاذيب والأكروباتيكا السياسية، انطلاقا من أمنها الأبدي ونهاية بديمقراطيتها التي تعني إخضاع أراضي ومصالح الشعوب الأخرى لمناقشاتها الحزبية وخلافتها الداخلية ومماحكاتها الإعلامية. وتجر إسرائيل الطرف المقابل، الذي رضي لنفسه بصفة "طرفٍ"، أو أحد طرفين، للاهتمام بقضاياها الداخلية ونقاشاتها وأحزابها وتقديم موعد انتخاباتها وصراعها على هويتها بين متدينيها وعلمانييها ونفسها "المعذبة" من "اضطرارها" لقمع الآخرين.لم يُفرض على شعب مضطهد ومظلوم ومحتل مثل هذا الاهتمام غير الطبيعي الذي يكاد يكون تطبيعيا بالشؤون الداخلية للشعب الذي يحتل أراضيه ويسلب وطنه. وفقط للاستطراد الداعي للتفكير نقول: مؤخرا اكتشف المشاهد العربي (المشاهد كلمة أنسب واقعًا وحقوقًا من كلمة مواطن في أيامنا) تعدد وغنى تنوع قضايا لبنان وتعقيداته الداخلية أيضا، كما اكتشف بدهشة لا تخلو من إعجاب عدد المتكلمين والمتحدثين الممتعين ومدى تطور فن الكلام (صف الحكي) الذي لا ينتهي. ولكنه اكتشف أيضا أن هذا التنوع والتعدد يعني في لبنان أن القرار لقوى خارجية. وهذا الاكتشاف يضع متعة اكتشاف المواهب اللبنانية الجمة في سياق آخر. وليفهم القارئ النبيه كيف يعني التنوع الإسرائيلي في النهاية إخضاع القوى الخارجية (ربما ما عدا أميركا) لقضايا الداخل، في حين أن التنوع اللبناني يؤدي إلى إخضاع القرار الداخلي لصفقات بين قوى خارجية. مسألة للتفكير.في خضم التفاوض الهادف إلى إعداد شيء ما متفق عليه لـ"اجتماع دولي للسلام"، من نوع إعلان مبادئ يباركه الاجتماع وتعقبه انتخابات فلسطينية تتحول إلى استفتاء على هذا الإعلان المدعوم دوليا، وفي قمة المحاولات الإسرائيلية لإقناع الإنسان الفلسطيني بفوائد ومزايا وعائدات "الاعتدال"، يزاود باراك فجأة في مقابلة لـ"يديعوت أحرورنوت" ( 11 آب\اغسطس الجاري). بدون سابق إنذار قال باراك ما مفاده أنه لن يكون انسحاب من الضفة خلال الأعوام الخمس المقبلة، لأن إسرائيل لن تنسحب قبل أن تضمن وسائل للتغلب على قذائف قسام قد تطلق من الضفة بعد الانسحاب.المهم في هذا التصريح الغريب ليس مضمونه. فمن اعتقد حتى الآن أن إسرائيل سوف تنسحب خلال خمسة أعوام من الضفة لا يلومن إلا نفسه. وعندما اتصل باراك مطمئنا إلى رايس الغاضبة على هذا الإفساد المتعمد للعبة أولمرت-عباس، لم يتراجع عن تقيمه هذا بل أكد دعمه للمفاوضات، وما يسميه هو دعمه "للأفق السياسي"...أي أنه يدعم "العملية"، وكلها مصطلحات باراكية كامب-ديفيدية معلومة. وهي ليست أفقاً سياسياً بل لا تتجاوز في الواقع الـ"إفك سياسي".المهم في هذا التصريح هو ما لا يخطر ببال من لا يعرف تلك البلاد: أولا، باراك غاضب لأن أولمرت لا يأتمنه ولا يشركه في عملية صنع القرار، بما في ذلك عملية التفاوض. في السياسة الإسرائيلية، وليس فقط في ملاعب الأطفال تنتشر قاعدة "يا بلعب يا بخرب" (أو بخربش أو بخربط أو بلخبط – حسب اللهجة). وثانيا ينتظر باراك استقالة أولمرت، أو إقالته بعد أزمة إذا قاوم الاستقالة، وذلك بعد نشر تقرير فينوغراد النهائي الذي قد يطالبه بالاستقالة صراحة. باراك ينتظر تقديم موعد الانتخابات. ثالثا، يزاود باراك، ولكن ليس على أولمرت بل على نتنياهو، خصمه المقبل في انتخابات رئاسة الحكومة. وللتنافس مع اليمين أصول بينة تميزه عن التنافس مع عامي إيلون على قيادة حزب العمل. ورابعا، تحضيرا للانتخابات يصحح باراك انطباعات منتشرة عنه، فهو ملامٌ على تأسيس منطق الانسحاب من طرف واحد: عندما انسحب من لبنان عام 2000. (في لبنان كان ذلك في الواقع اندحارا دون شروط أمام المقاومة، وذلك بعد أن أفشل هو المفاوضات مع سوريا التي يروج أنها لو نجحت لكانت سوف توفر له انسحابا في إطار اتفاق سلام). هذا هو مغزى تصريح باراك.أما المفاوض الفلسطيني فقد فك الارتباط (!!) مع غزة وحماس. وهو الآن رهينة السماجات الإسرائيلية على أنواعها. وهو لم ير شيئا حتى الآن، فإسرائيل "وراءه، والزمن طويل"، والنفس طويل. ومهما كان سعيدا بهذه "الشراكة" التي طالما تمناها دون عرب، فسوف تعصر إسرائيل حتى آخر قطرة حاجته إلى إبراز وإظهار وتضخيم أية "مكرمة" إسرائيلية. وها هي ليفني تربط التقدم في المفاوضات بالتطبيع مع العالم العربي (هآرتس 15 آب\أغسطس)، أي أنهم أخذوا المفاوض الفلسطيني رهينة، وباشروا ابتزاز العالم العربي.

اقتراحات بيرس: 

أما شمعون بيرس الأبدي ابن الثمانين، الشاب الدائم الذي بدأ لتوه مستقبلا مهنيا باهرا كرئيس دولة، فلم يخيَّب التوقعات والآمال المعقودة عليه وقدم أفكارًا. وسوف نسمع الكثير من هذه الأفكار من بيته الرسمي الكائن في حي الطالبية المقدسي الخلاب أجمل أحياء غربي القدس التي احتلت عام 1948... ولكن من يتذكر ذلك من الوفود العربية الوافدة إليه مرورا بالبيوت العربية الجميلة التي أصبحت حيا للطبقة الإسرائيلية العليا؟ يؤيد بيرس إعادة مائة بالمائة من مساحة أرض الضفة الغربية بحيث يعوض الفلسطينيون عن القدس الشرقية وما حولها، وعن الكتل الاستيطانية التي سوف تضم إلى إسرائيل، والله أعلم عما أيضا، ويقترح "تبادلَ أراضٍ" بما في ذلك مناطق مأهولة عربية على طول الخط الأخضر .كالعادة اعتبر بعض العرب فكرته فرصة تاريخية يجب ألا تفوت. وآخرون يعارضون، وليس في جعبتهم مبرر تفاوضي لرفض الاقتراح النظري. طبعا نحن نقترح عليهم الأسهل، أن تقال الحقيقة: إن الأرض المحتلة ليست عقاراً فلسطينياً يساوم عليه بمنطق المساحة والسعر، وقضية القدس تحديدا ليست مسألة عقار يبادل، وأن على إسرائيل أن تقبل خطوط هدنة عام 1949 لا أكثر ولا أقل، وأن تنسحب إلى حدود الرابع من حزيران. هذا موقف ولا حاجة هنا إلى حجج، بقدر الحاجة إلى موقف يتم على أساسه التفاوض.أما بالنسبة للعرب في الداخل ممن يخشون أن الحديث عن منح السلطة الفلسطينية مناطق مأهولة بعرب من داخل الخط الأخضر يتطرق إليهم، فهنالك تردد وتلعثم أو معارضة للخطة دون حجج واضحة. من ناحية، قد يقال لم الممانعة بالانضمام إلى دولة فلسطينية، خاصة أن الانضمام لا يتم دون أرض بل تنقل السيادة على كل بلدة مع أرضها، ويخشى أن يفسر هذا الموقف الرافض على انه تمسك بالمواطنة الإسرائيلية؟ وهو بات يفسر كذلك إسرائيليا بنبرة غرور ورضى عن الذات. حسنا، لكننا غالبا ما نقول إن هذه المواطنة الإسرائيلية فرضت على عرب الداخل، فهل أصبحت بقدرة قادر خيارا وتحبيذا؟ مجرد هرب بعض العرب إلى هذا الجانب في مقترح بيرس، أي أن الانتقال يجب أن يكون اختياريا للمواطنين ما هو إلا تأكيد لهذه النزعة.ولكن البلدات العربية ليست دولا لتضم بأراضيها. وإسرائيل صادرت غالبية الأرض أصلا. وسوف تحاول تقليص المساحة. شيء ما عفن هنا، وإلا لما أعرب ليبرمان عن رضاه وفرحه من السهولة التي تم فيها تقبل الأمر إسرائيليًا من حيث المبدأ، وحتى اليسار الإسرائيلي لم يجد في اقتراح نقل سكان مع أرضهم إلى السلطة الفلسطينية مشكلة أخلاقية. وليبرمان يدعو باستمرار أن يشمل أي حل مع الفلسطينيين التخلص من أكبر عدد من عرب الداخل في صفقة\رزمة. وها هو الأمر يتحول إلى شبه عرفٍ وإجماع. يجب أن يصر العرب في الداخل على الموقف، ولكن هنا يتوجب إيضاح الموقف بشكل لا يتضمن تنازلا عن الهوية الوطنية، وبحيث لا يضر في الوقت ذاته بالحقوق في إطار المواطنة. ونحن نؤكد على ما يلي كصيغة معقولة ومقنعة: أولا، على إسرائيل أن تختار إما نقل الجليل والمثلث بأجمعهما إلى الدولة الفلسطينية بموجب حدود التقسيم عام 1947، أو لا ينقل أحد. وعلى إسرائيل أن تختار إما حدود 1967 واستمرار النصال العربي ضد الصهيونية ومن أجل المساواة، أو حدود التقسيم من العام عام 1947. ثانيا، نقل قسم منهم فقط لا يخدم أية قضية منهما. فمن ناحية يقدم العرب إذا وافقوا تبريرا للتخلي عن القدس وعن غيرها. وثالثا، تطرح علامة سؤال دائمة على مستقبل من تبقى منهم داخل الخط الأخضر. فهم لن يبقوا كمواطنين متساوي الحقوق. لن تفارق علامة السؤال الإسرائيلية مواطنتهم. وفي نفس الوقت سوف يبدو أن العرب في الداخل متمسكون بإسرائيل وليس بالهوية الوطنية. ورابعا، ما دام السؤال حول مستقبلهم قد فتح والسابقة تمت، فسوف يكون عليهم باستمرار أن يثبتوا ولاءهم للدولة وإلا فقد يتعرضوا في المستقبل لتهديد النقل، أو من نوع منحهم حقوق مدنية حيث يعيشون، وحقوق سياسية وتصويت وغيره في الدولة الفلسطينية، ولا حدود لعدد الأفكار التجزيئية التي يمكن أن تطرح ما دامت وضعت سابقة تجزئتهم. ولذلك يجب رفض ظاهرة تجزئة المصير هذه.

كساد إخباري: 

في الصيف يفقد الخبر من منطقتنا (إلا إذا بقي عدد القتلى اليومي في العراق وفي مخيم نهر البارد خبرا). وإذا كانت هنالك أخبار، فليس هنالك مستهلكو أخبار. العطل لا تنتج أخبارا، والمصطافون لا يريدون سماع أخبار تفسد عليهم العطلة. موسم كساد إخباري. ولسبب نجهله يسمى هذا الموسم بالعبرية بلغة الصحفيين "عونات هملفيفونيم" أي "موسم الخيار". ربما لكثرة الخيار وشحة الأخبار. ومع التعديلات المناسبة تضع "يديعوت أحرونوت" عنوانا رئيسيا حول تسلح سوريا، وفي الخبر نفسه لا شيء يذكر بالعنوان. يعقبه في اليوم التالي عنوان في "معريف" حول عدم تسلح سوريا وعدم خطورته.لا ينتبه المترجمون الأشاوس عن الصحف العبرية طبعا أن التنافس بين الصحيفتين مثل التنافس بين باراك ونتنياهو يؤدي إلى الكذب واختلاق الأخبار. تبدأ صحيفة بسبق صحفي هو خبر مؤكد ولكنه غير هام، أو هام ولكنه غير مؤكد وتحوله إلى سبق. والعنوان الرئيسي كفيل بتحويله إلى خبر هام ومؤكد. فإن لم تتمكن الصحيفة المنافسة من تكذيبه تنافس بكذب صريح ولكن أكبر، ليكون لها السبق. والمهم هنا ليس الحقيقة، وبالتأكيد لا العرب ولا اليهود بل عدد القراء في اليوم التالي وهل تم تناول وتداول الخبر مع اسم الصحيفة والصحفي في وسائل العنوان المرئية والمكتوبة. وطبعا العرب "لا يكذبون خبرا" عند الترجمة. هكذا فقط في فضائيات عربية أصبحت انتخابات داخلية لحزب الليكود خبرا يستحق بثا مباشرا، مع أنه لا ينافس فيها أحدٌ نتنياهو (فايجلين ليس أحدا)، ولا يهتم بها أحد في إسرائيل ذاتها.

 

جنوب أفريقيا والأفق الفلسطيني..

د.عزمي بشارة

العالم يبدو مختلفا من أقصى جنوب القارة الأفريقية. هناك حيث تجري محاولة جريئة لبناء أمة تحررت من نظام فصل عنصري استيطاني قبل عقد من الزمان. أمامنا دستور ديمقراطي متطور يعترف رسميا بإحدى عشرة لغة في إطار عملية بناء أمة مدنية متعددة الإثنيات والقبائل والمذاهب والديانات (كلمة قومية لا تكاد تذكر في تلك البلاد) على أساس المواطنة الديمقراطية. جدول أعمالهم مختلف وسلم أولوياتهم كذلك. لدينا ثورة تحولت إلى دولة، وليس فقط بالنضال والمثابرة حتى النصر، بل أيضا بإتقان الحلول الوسط والمساومات التي جعلت التحول ممكنا.

وقد بلغت الحلول الوسط درجة تعميم البعض أن المؤتمر الوطني الأفريقي قد انتزع السلطة السياسية، ولكنه لم يكسب الدولة اقتصادا وسياسية. فأحفاد المستوطنين البيض، وأبناء النظام القديم نفسه ما زالوا يسيطرون على الاقتصاد وعلى جزء أساسي من الإعلام أو الشركات المتحكمة به، وهنالك مشكلة أرض ومسكن وفقر مزمنة عند غير البيض. والدولة مضطرة للالتزام بسداد الديون وبكافة الاتفاقيات الدولية التي أبرمها النظام القديم بما فيها مع إسرائيل. ولكن من الناحية الأخرى تتوسع الطبقة الوسطى من الأفارقة السود، والبلاد تتغير جذريا بالتدريج.

اضطر ضحايا النظام السابق للاكتفاء باعترافات المجرمين أمام ضحاياهم وطلب الصفح العلني في عملية تطهير للذات في لجنة المصالحة والصفح. والمقصود طبعا هو الحالات التي نفذت فيها أوامر ولم يبالغ المجرم بالاستمتاع والتفنن في التنفيذ، ولا حيث صدرت الأوامر لارتكاب جرائم. ولكن المساومة أيضا وصلت حد استغلالها لتسلل أفكار جديدة تجسد وتكرس الهيمنة القائمة. والمقصود هو أفكار من نوع مساواةِ عنفٍ بعنف، والقمع العنصري بالمقاومة، وطلب معاقبة المسؤولين عن عمليات في المؤتمر الوطني الأفريقي قتل فيها مدنيون.

وفي نقاش حول نصب الحرية المزمع إقامته في منتزه كبير في بريتوريا طرح مطلب وضع أسماء "شهداء" النظام السابق، وليس فقط شهداء النضال التحرري. أي أن بقايا النظام السابق تحاول أن تستغل الصفقة التاريخية التي عقدت من أجل إعادة كتابة التاريخ بمساواة بين طرفين، الطرف المضطهِد والطرف المضطهَد. ويبدو لي أن من يفعل ذلك ينكأ جروحا، ويفتح معارك سوف يخسرها. كانت صفقة المؤتمر الوطني الأفريقي مع النخب العنصرية الحاكمة شاملة وبعيدة المدى. ولكنها قامت على الاعتراف بعدالة قضية المساواة ورفض التمييز العنصري، لا مساواة إطلاقا بين الحرية والعبودية. لم تقم الصفقة على حكم قيمة يساوي بين المقاومة والاضطهاد، ولا على حل وسط بين حقين، حق الضحية وحق المجرم، بل قامت على أساس هزيمة نظام الابارتهايد التاريخية، والاعتراف بعنصريته وظلمه وقمعه واستعداده أن يخلي حلبة التاريخ. وقد تناولت الصفقة كيفية إخلائه وثمنه ومدته وكيفية المحاسبة على الماضي. لم يكن في الصفقة تسامح مع النظام بل مع المواطنين الذين كانوا أدواته، ومع بعض المواطنين الذين أداروه إذا لم يتحملوا مسؤولية مباشرة عن جرائم ضد الإنسانية. ما تغير من خلال الصفقة التاريخية هو حكم الابارتهايد. ولكي يتغير بشكل سلمي دون مذابح كبرى ولتوفير سنوات من الحصار والدماء وغيره سهَّلت الصفقة التاريخية على النظام أن يحل نفسه، ويسرت لأقطابه أن يتنازلوا دون خوف من انتقام منهم أو ثأر من البيض عموما. هذا التسامح ليس مساواة بين حقين، ولا بين المضطهِد والمضطهَد، ولا بين النظام والمناضلين من أجل تغييره.

البديع أن توقيت إثارة هذه النقاشات جاء في مرحلة ضياع في القضية الفلسطينية من ناحية ما يريده الفلسطينيون، وبرنامجهم ضد نظام الابارتهايد الكولونيالي في فلسطين، وحيرة أصدقاء الشعب الفلسطيني هل يكونوا فلسطينيين أكثر من القيادة الفلسطينية، وضرورة أو عدم ضرورة أن يتبنوا أحد توجهين: حماس أو فتح. وجواز الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل والقيادة الفلسطينية منهمكة في عملية تطبيع العلاقات معها... مع الفرق أنه في فلسطين يجري تطبيع العلاقات قبل إتمام أي صفقة، وتجري صفقة لا يتم من خلالها تغيير النظام العنصري القائم على الأرض الفلسطينية.

ومعروف أن الواقعية السياسية في دولة لم تعد ثورة تدفع إلى علاقات متينة بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة، رغم الاعتراض على السياسة الأميركية الحربجية في منطقة الخليج عموما، ورغم أن الأخيرة انضمت إلى الحصار على نظام الابارتهايد في عامه الأخير بعد أن اتضح أن النصر أصبح قاب قوسين. والعلاقات مع إسرائيل مستمرة رغم أنه لم يتم إعادة توقيع أية معاهدة عسكرية انتهى مفعولها. ومؤيدو إسرائيل ممن كانوا جزءاً من النظام السابق يرتكزون إلى هذه الواقعية السياسية فينسخون النقاش إلى ساحة العلاقة مع الفلسطينيين مؤكدين في أفضل الحالات أن القضية الفلسطينية هي صراع عل أرض بين طرفين يملكان عليها حقوقا متساوية، وعلى ضرورة أن تدعم جنوب أفريقيا "عملية السلام"، وأن تدعم "المعتدلين من الطرفين"، وأن تتخذ موقفا متوازنا الخ.

لقد شهدتُ وشاركتُ في جزء من هذه النقاشات بين وزراء وقيادات تاريخية نضالية في جنوب أفريقيا، منهم الأكثر إيديولوجية ومبدئية في مسألة التحرر الوطني، ومنهم الأكثر واقعية. ولكن، حتى أكثر المسؤولين واقعية من أنصار ال"ريال- بوليتيك" يؤكد أن جنوب أفريقا ليست محايدة ولا تساوي بين طرفين، بل تقف ضد الاحتلال ومع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني... ولكن ما هو مطروح بالنسبة لها هو عملية سلام تقود إلى تسوية في دولتين. وقد قال لي قبل أسبوع أحد أهم القيادات التاريخية للمؤتمر الوطني الأفريقي: "لقد نصحناهم في حينه بعدم قبول أوسلو، ونحن كما تعلم لا نحب حل الدول الإثنية لقضية من هذا النوع، ولكن هذا خيارهم، ونحن أيضا لم نحب أن يتدخل أحد من الدول الأفريقية والصديقة في شؤوننا." ومن ناحية أخرى قال لي أحد أبرز زعماء الكفاح المسلح سابقا ووزير بارز حاليا أن النظام الإسرائيلي هو نظام أبارتهايد، وهذه ليست قضية خارجية بالنسبة لبلد مثل جنوب أفريقيا مهما كانت بعيدة جغرافيا.

ولا شك طبعا أنه إذا لم تعتبر جنوب أفريقيا قضية النضال ضد العنصرية قضية هوية بالنسبة لها، فسوف تواجه مستقبلا مشكلة داخلية مع الأجيال القادمة التي لم تعرف الابارتهايد، ولم تع أن إسرائيل بقيت آخر حليف له وأخلصت له حتى نهاية أيامه. والأهم من هذا كله أن حل الدولتين المطروح حاليا بناء على التفاوض بين طرفين نافيا الحاجة للتدخل بالتضامن، لا ينتج دولتين فعلا، بل دولة عنصرية صهيونية قائمة على أنقاض الشعب الفلسطيني و"بنتوستان". وفي جنوب أفريقيا يعرفون ما هو ال"بنتوستان". فقد أقامت جنوب أفريقيا كيانات سياسية من هذا النوع وملَّكَت عليها ملوك ورؤساء للتخلص من جزء من العبء الديمغرافي للأفارقة السود.

المبرر لعدم التضامن، أي حل الدولتين بالتفاوض، لا ينجب دولة فلسطينية ذات سيادة فعلا، ولا توجد صفقة تاريخية تسهل على الإسرائيليين تفكيك الكيان الصهيوني وقبولهم في المنطقة كيهود على أساس هويتهم الموجودة والاعتراف بها، ولا الدولة الديمقراطية العلمانية الثنائية القومية (في فلسطين خلافا لجنوب أفريقيا لا بد من تعبير القومية) أو المتعددة الإثنيات مطروحة كبرنامج لقوى سياسية وكبديل فعلي لحل الدولتين الذي لا ينجب دولة فلسطينية.

فماذا يفعل أصدقاء الشعب الفلسطيني إذا لم يعتبروا قضية العنصرية والكولونيالية قضايا خارجية أو داخلية في عصرنا ويريدون التضامن؟ لا شك أنه على شفا توصل إسرائيل والسلطة إلى إعلان مبادئ غير واضح يقصر حتى عن مقترحات باراك في كامب ديفيد، والإعداد لمؤتمر يسميه الأميركيون خجلا اجتماعا (منعا للإحراج والمبالغة في التوقعات فهو مجرد أداة تطبيع وعلاقات عامة) بدأت تتضح حدود مشروع الدولة في موازين القوى الحالية: فهي لا تشمل حق العودة للاجئين، ولا القدس الشرقية عاصمة فلسطينية، ولا تفكيك كافة المستوطنات، ولا الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 67. وبعد هذا كله تبقى الدولة الصهيونية عنصرية، وتصبح هذه العنصرية بذاتها قضية داخلية. وربما آن الأوان لاتخاذ قرار: إما قبول هذه التسوية التي سوف تطبق على مدى سنوات طويلة تحلب فيها إسرائيل آخر تطبيع من آخر دولة، ولا تبقي حجرا على حجر حتى في وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، مرورا بتحويل الماء والهواء إلى قضايا تفاوضية تحل بتنازلات سياسية، وقضية سجناء الحرية إلى قضية بدل القضية التي سجنوا من اجلها... أو طرح برنامج بديل يمكن الناس من معرفة ماذا يريد معارضو هذا النهج، وماذا يعني النضال ضد الاحتلال والتحرر الوطني في برنامج سياسي ديمقراطي.

لنأخذ مثلا واحدا فقط على الإعاقة الحاصلة: كانت مقاطعة نظام الابارتهايد أحد أهم الأسلحة التي حسمت انهياره. ومن الواضح أنه يصعب استخدامه ضد إسرائيل، ولكن من الواضح أيضا أنها تتأثر وتغضب وتفقد أعصابها من أقل قدر من المقاطعة. فهي لا تعيش على العلاقات العادية التي كانت تتمناها جنوب أفريقيا، بل على الامتيازات. والمقاطعة تحرج بعض القيادات الفلسطينية المنخرطة في التطبيع قبل الحل، يحرجها قرار المحاضرين الانجليز مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، كما يحرج ذلك مؤسسات فلسطينية لديها "جوينت بروجيكتس" (مشاريع مشتركة) مع جامعات إسرائيلية. ومن الواضح أن بعض الأساتذة الإسرائيليين الديمقراطيين يريدون منع المقاطعة إما بدوافع وطنية إسرائيلية، أو لأن ذلك يضر بهم شخصيا. وهم لا يرون أن الموقف الفعلي ضد الاحتلال في ساعة الامتحان هو ليس المظاهرة يوم السبت في نوع من ال"بيكنيك التل أبيبي"، ولا جلسات الحوار مع الفلسطينيين، بل الاستعداد لدفع ثمن الموقف. العنصرية وآخر مسألة كولونيالية قائمة في الدنيا ليستا مسألةً داخلية. ورغم أن وجود استراتيجية فلسطينية موحدة سوف يساعد كثيرا إلا أنه لا يفترض أن تنتظر القوى الديمقراطية في العالم استراتيجية فلسطينية موحدة لكي تتخذ موقفا منها. فلا شك أن غالبية الشعب الفلسطيني تعاني من آثار الفصل العنصري ومن ممارسات الاحتلال.

الحاجة إلى برنامج سياسي في إطار حركة التحرر الوطني للقوى المعارِضة لما يجري على حلبة التفاوض الإسرائيلي والفلسطيني هي حاجة فلسطينية. فقد اتضحت معالم هذا المسار تماما بعد زوال عائقين: عائق ياسر عرفات بالاغتيال والاستشهاد، وعائق نتائج الانتخابات الفلسطينية بالانفصال عن حماس...

في البرنامج البديل يجب أن يعرف الشعب الفلسطيني والعالم ماذا تريد حماس (هل تريد فقط العودة إلى تقاسم السلطة مع حزب الرئيس؟) وماذا تريد الجهاد والشعبية وقسم كبير من فتح وغيرها الكثير من الأوساط والأفراد والمثقفين (برأينا غالبية الشعب الفلسطيني). لا بد أن تعي هذه القوى لهذه المسؤولية قبل فوات الأوان، وذلك أيضا على مستوى تحييد الإيديولوجيات المختلفة لطرح برنامج وطني ديمقراطي بديل يخرجون به إلى العالم كقوة سياسية. هذا دور القيادة.

 

نشر حركة القوميين العرب

ماتت خريطة الطريق ... عاش المؤتمر الدولي!

عزمي بشارة

لم يكلف أحد من المعنيين نفسه عناء إبلاغ الناسِ متى توفيت خريطة الطريق، ولماذا لم يعلن عن وفاتها ولا حتى في صفحات النعي والتعازي في صحفنا، خاصة وأنها تبوأت مكانة دائمة على الصفحات الأولى. طيلة سنتين أو ثلاث احتلت خريطة الطريق مكان «الشرعية الدولية» واستبدلت «تنفيذ القرارات الدولية» في الخطاب السياسي العربي المعتدل بشكل خاص. وزادت من التركيز عليها حصراً مصلحة إسرائيلية وتواطؤ أميركي لتهميش مبادرة السلام العربية الأصلية. ثم أُذِن بالعودة إليها لإنقاذ التحرك الدبلوماسي و»عملية السلام» بعد فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان. كان الانشغال بخريطة الطريق استحواذيا إلى درجة انه حرم على السياسي العربي أن يدلي بتصريح من دون ذكرها، مثل لازمة، أو يصرح دون إبداء الالتزام بها مع تحيتها دون حفظ الألقاب. وكنا نسمع يومياً أخبار الخريطة وتبدل أحوالها الصحية ومزاجها ودرجة حرارتها، ثم وبعد أن صدقنا أهمية الموضوع انتقلت اللهجة إلى مطالبة الولايات المتحدة بتنفيذها، مع أن الجميع عرف أنها لا تحتوي على تصور لـ «حل دائم» للقضية الفلسطينية. وهي انتقلت بدورها إلى مطالبة الفلسطينيين بتنفيذ حصتهم منها. هم طالبوا بالتزامن والتوازي في تنفيذ الالتزامات، أما إسرائيل فردت بضرورة مكافحة الإرهاب أولاً، رغم أن الجميع كان يعلم أن إسرائيل غير موافقة عملياً على خارطة الطريق. ومع ذلك تابع جميع أطراف ممارسة اللعبة كأنهم لا يعلمون... ثم، وكأنها مؤامرة منسقة سلفاً، صمت الجميع فجأة. وربما اختفت الخريطة أو هربت مع عشيق من طائفة أخرى أو غيرها من الملابسات التي يتحرج الناس من ذكرها في هذه النواحي. وربما توفيت بمرض من النوع الذي يتجنب الناس النطق به في هذه البلاد تطيّرا أو حرجا. لا أحد يعلم. المهم انه استيقظنا صباح يوم لا أحد يذكره، ولا كاتب هذا المقال، وإذ بقارئ نشرة الصباح لا يذكرها وعناوين الجريدة الصباحية تتصرف وكأنها لم توجد في يوم من الأيام.

ولو أعملنا الفكر قليلا فيما يتجنبه الناس لوجدنا إن هذا هو حال العرب منذ أن قرروا أن يبحثوا عن «حل» لقضية فلسطين كأنها معضلة تبحث عن حل بنبرة معذبة: «أريد حلا». ومسعى البحث عن «حل» يعني إقناع إسرائيل بتغيير موقفها، وهذا لا يعني إجبارها أو محاربتها أو التضييق عليها أو استنزافها أو غيره، بل التأثير عليها بالذات بعد أن اقتنع من اقتنع بفشل الوسائل السابقة. ولكي تغير موقفها ويكون التأثير عليها باتجاه «الحل»، لا بد من افتراض أن تسعين في المائة من أوراق هذه اللعبة بيد أميركا. ولا بد أيضاً من الافتراض أن أميركا تريد «حلا» لقضية فلسطين.

وبعد ما لا يحصى من المشاورات والوفود والمؤتمرات والانتفاضات والحروب وغيره انتهت الولايات المتحدة إلى قناعة مفادها أن «الحل» غير ممكن من دون الدولة الفلسطينية. ولكنها وصلت إلى هذا الاستنتاج بتواز مع وصول إسرائيل إلى نفس القناعة. ومفادها تخليص لإسرائيل من العرب كعبء ديموغرافي. وإسرائيل طبعا تعيِّن وتحدد المعادلة بحيث تعني التخلص من اكبر عدد من العرب على أصغر مساحة ممكنة من الأرض يتم الانسحاب منها. والعرب طبعا يرفضون مثل هذا «الحل»، ومن يقبل منهم مثل هذا «الحل» لا يستطيع فرضه. خاصة وأن هذا البعض يقارب ما يدعي أنه «حاجة إلى حل» من منطلق: «أننا هزمنا وكل ما تقدمه إسرائيل لنا كثير علينا»، وأنه لا حاجة للعرب ولا بد من الحديث مباشرة مع أميركا وإسرائيل. وطبعا يردف هذين الادعاءين بالسؤال المحرج ضد من يعارض: «وما هو بديلك؟» وأذكر أنه إبان النقاش على اتفاقيات أوسلو كان هذا السؤال المحرج هو سلاح الدمار الشامل ضد خصوم أوسلو. وأذكر انه عندما كان احدهم يوجه لي السؤال بعد تبيان مخاطر هذا الاتفاق: «حسنا، فما هو بديلك؟» كنت أجيبه: ألا توقعوا اتفاق أوسلو، هذا هو بديل التوقيع: عدم التوقيع. فمن يقوم بفعل فيه هذا الانقلاب الاستراتيجي هو الذي يجب أن يعطي المبررات، وليس من يعارض هذا التغيير. لقد ثبت أن توقيع اتفاق أوسلو كان كارثة حقيقية للشعب الفلسطيني. ولا استطيع أن اثبت انه لو لم يوقع لتطور الوضع بشكل أفضل، فهذا من علم الغيب. ولكن يمكن بسهولة الإثبات ان وضع الفلسطينيين قبله كان يحمل آفاقاً أوسع للنضال ولفرض الشروط على إسرائيل.

وبرأينا المتواضع لا يوجد «حل» لقضية فلسطين، بمعنى التوصل إلى حل بعد البحث عنه ثم العثور عليه، فلا يوجد حل ضائع ينتظر من يجده. والمسألة ليست عبقرية في التخريجات على الورق بحيث يخرج عدم الاتفاق بصورة اتفاق. وليست المسألة حلا لمعضلة رياضية. هذه قضية تحرر من الاحتلال. وهي لا تحل، بل تنتهي مع زوال الاحتلال، ولا تنتهي مع بقاء أي نوع من الاحتلال أو الاستيطان. أو هي قضية «ابرتهايد» وفصل عنصري، وهذه لا تحل، بل تعالج بمساواة كاملة لا يحصى بعدها الناس ديموغرافياً. ولا بد من اختيار استراتيجية النضال من اجل التحرر. أما في سياق موازين القوى الحالية فلا ينتج سوى تخريجات للمعتدلين، أو مكرمات لهم، أو حلول لمشاكل إسرائيل المترتبة عن الاحتلال.

على كل حال لم يسعفنا تساؤلنا عن الاختفاء غير المعلن لخريطة الطريق. ولم يمهلنا جورج بوش طويلا، فإذا بوسائل الإعلام العربية تزف لنا بشرى تعيين بلير مبعوثا للرباعية. والرباعية هي أيضاً مثل مبعوثها مخلوق غريب عجيب بأربعة أطراف تشمل الأمم المتحدة كعضو واحد بين دولتين ومجموعة دولية. وهي من تخريجات الهيمنة الأميركية، ولا بد أن هد الطاقم أيضا سوف يختفي يوما. وقد بدأ الناس فور سماع نبأ تعيين بلير بالتساؤل جديا عما يعنيه تعيينه، فهو بالتأكيد ليس موفدا عاديا. وهو ليس زيني، ولا حتى مبعوث السلام القديم روجرز. إنه توني بلير. و»النِّعَم والسِّت نعام!!» يقول الفلاحون في بلادنا عندما يسمعون بعدم اكتراث بادٍ اسم شخص لأول مرة، أو عندما يلفظ اسمه فلا يأبه أحد. و»ماذا يعني توني بلير؟» لا شيء. موفد آخر. هو فعلا أكثر أهمية، «أستقيل» وهو شاب مليء بالطاقة والحيوية، وصديقه جورج بوش يجد له عملا يلبي طموحاته ويملأ أوقات فراغه بشكل بناء. وسوف يكون لدينا موفد أكثر أهمية من صلاحياته. وماذا بعد؟ وماذا يريد بلير؟ يبدو أن السؤال عن الهدف أخلى مكانه في نواحينا للعملية، الصيرورة، الأداء. العملية كل شيء، أما الهدف فلا شيء. وسوف يعلن بلير عن إحباطه قريبا ويغادر من دون خبر، او سوف يختص بتوجيه النصائح للفلسطينيين في كيفية التصرف لكسب ود الإسرائيليين. وهنا سوف ينجح طبعا. كما سوف يساعد المعتدلين من الفلسطينيين في الحصول على دعم دولي ومبادرات حسن نية مكافأة لهم على اعتدالهم. وسوف يساهم في تعزيز القدرة الفلسطينية على إدارة دولة ومفاوضات كما تختص بذلك جمعيات غير حكومية عديدة تساهم في تنشئة جيل من الفلسطينيين مؤهل لقبول «الحل» والتعامل معه.

ثم وبعد اقل من أسبوع عاجلنا بوش بفكرة المؤتمر الدولي للقضية الفلسطينية. مؤتمر، أين؟ لماذا؟ متى؟ ما الهدف؟ لا احد يدري، فكرة صماء تماما. لا أحد يعرف معناها وسر توقيتها. فلم يسمع عن تغير في الموقف الأميركي يترتب عليه تفاؤل من عقد مؤتمر لتطبيق فكرة ما. المؤتمر هو فكرة أخرى لدعم «المعتدلين» العرب ولعزل «المتطرفين». ولا بد أن يدعم من وصل إلى قناعة يفاخر بها مفادها نعم للحوار مع إسرائيل ولا للحوار مع شعبه... من وصل إلى قناعة من هذا النوع ويجاهر بها لا بد من دعمه. ولكن ماذا يهم الهدف؟ الهدف لا شيء، المهم العملية: من يحضر المؤتمر وأين يعقد ومتى؟...هذه هي الأمور المهمة.

تم تعيين بلير ثم أطلقت إلى فضاء الفضائيات فكرة المؤتمر الدولي. وحتى من يتمتع بموهبة التعليق بجمل جاهزة على أي شيء لم يجد ما يعلق عليه في هذه الحالة. ولو أطلق بوش فكرة ثالثة لأقسمت بالله العظيم أنها الحرب. لا بد انه يحضر فعلا لحرب.

فمنذ فترة تحولت قضية فلسطين برعاية بوش وأفكار بلير إلى دائرة علاقات عامة لإدارة الولايات المتحدة أزماتها الأخرى. كان من المفترض أن تكون قضية فلسطين الجوزة الأصلب المستعصية على الكسر، والتي تستخدم ضدها القضايا الأخرى في علاقات عامة. فباتت بفضل بعض المبادرين في «صناعة القضية» و «عملية السلام» و «العملية» دائرة علاقات عامة تستعرض من خلالها الولايات المتحدة أنها تعير قضية العرب الأولى اهتمامها، وأنها لا تخاطب العرب بحاملات الطائرات والبوارج فحسب وأن لديها «حلا» لقضية فلسطين حالما تفرغ من حل دولة العراق، وحالما تنتهي من تحضير حصار إيران تمهيدا لصفقةٍ أو لحرب. وتجد من يتجاوب معها بالإشادة بالجدية الأميركية هذه المرة، وبتمنية النفس أن الضغط على إسرائيل مقبل «خاصة وأنها فقدت أهميتها الاستراتيجية»، وفي أسوأ الحالات علينا انتظار الانتخابات الأميركية المقبلة.

والظرف الفلسطيني مؤات طبعا لخطاب أميركي من هذا النوع، فمن يرفض الحوار مع شعبه ويرى «حلا» في آخر النفق، وضوءاً في آخر النفق الطويل الذي يسمى الـ «عملية»، ونفقاً في آخر الضوء، يتم جره من جديد إلى وعود من نوع إعلان مبادئ. بعد اتفاق أوسلو، بعد مرور أكثر من عقد يجري مرة أخرى الحديث عن إعلان مبادئ. فعلا أمر لا يصدق، ولكن هذا ما نسمع.

أما على الأرض، فإن الشرط الذي يجب أن يحترمه «المعتدلون» هو أولا، عدم الحديث مع حركة «حماس»، وثانياً أن «يكافحوا الإرهاب» بجدية. سوف يصاغ إعلان المبادئ بتعابير وبأسلوب يحتمل التأويل لأنه يصعب الاتفاق على ما سمي في أوسلو بقضايا الحل الدائم. فماذا يبقى من أمور يمكن تقديمها كدعم للمعتدلين: بعد أخذ ورد واستنزاف آخر ذرة مما تبقى سوف تنسحب إسرائيل تدريجياً إلى خطوط ما قبل الانتفاضة الثانية، أي إعادة بسط السلطة نفوذها على مناطق «أ» و «ب» في الضفة الغربية، ثم مبادرات حسن نية أو «مكرمات» إسرائيلية أخرى ربما تصل حد أمور رمزية الطابع. وتأمل إسرائيل أن تتوسع أوساط المستفيدين من حسن أخلاق الدولة المحتلة هذا. وهي الدولة التي يعتبر إذنها بدخول فلسطيني ليس إلى مناطق الخط الأخضر بل إلى الضفة الغربية بادرة حسن نية، ويتم تناسي أن هذا الواقع، أي واقع طلب الإذن منها، يعني عدم سيادة السلطة حتى على المناطق التي تديرها في الضفة الغربية، وتأكيد سيادة الاحتلال. ولا يفترض أن يكون عند أحد مانع من أن يطلب لمواطن فلسطيني مشرد وعالق على الحدود العراقية العودة إلى الضفة أو دخولها، (فماذا تعني كلمة العودة هنا؟؟) ولكن المشكلة هي في تفسير ذلك سياسيا كتنازل إسرائيلي وكمكرمة تساعد «المعتدلين»، وهو في الواقع ممارسة إسرائيل لصلاحيتها كدولة احتلال.

هنا يتم ليس فقط فرط القضية الفلسطينية إلى مطالب عينية تقدم إلى دولة الاحتلال، بل تتم مقايضة هذه المطالب وما يترتب عليها من تعزيز مكانة من يحصلها من القيادة الفلسطينية كأنه «نائب خدمات» في برلمان دولة، ويقوم هو بوساطة بين جمهوره والدولة، ومقايضة هذا كله مقابل تفكيك المشروع الوطني إلى مطالب واقعية من دولة الاحتلال، وتنافس أمام الشعب الفلسطيني حول ما الذي يفيد في تقديم الخدمات: الاعتدال أي تقديم المشروع الوطني مقابلها، أم تحصيلها من خلال النضال لتطبيق المشروع الوطني؟

كاتب ومفكر عربي

مع التقدير لما أتى في المقالة فهي لا تعبر بالضرورة عن رأي حركة القوميين العرب

6/8/2007

حركة القوميين العرب

E-mail :raouf-b@mail.sy

تلفون جوال: 932430637  00963

فاكس: 2312744  11  00963

الموقع الإلكتروني: www.alkawmiyeenalarab.net

 

عبثية البحث عن حل لقضية عادلة..

د.عزمي بشارة

لم يكلف أحد من المعنيين نفسه عناء إبلاغ الناسِ متى توفيت خارطة الطريق، ولماذا لم يعلن عن وفاتها ولا حتى في صفحات النعي والتعازي في صحفنا، خاصة وأنها تبوأت مكانة دائمة على الصفحات الأولى. طيلة سنتين أو ثلاث احتلت خارطة الطريق مكان "الشرعية الدولية" واستبدلت "تنفيذ القرارات الدولية" في الخطاب السياسي العربي المعتدل بشكل خاص. وزاد من التركيز عليها حصرا مصلحة إسرائيلية وتواطؤ أميركي لتهميش مبادرة السلام العربية الأصلية. ثم أُذِن بالعودة إليها لإنقاذ التحرك الدبلوماسي و"عملية السلام" بعد فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان.

كان الانشغال بخارطة الطريق استحواذيا إلى درجة انه حرم على السياسي العربي أن يدلي بتصريح دون ذكرها، مثل لازمة، أو يصرح دون إبداء الالتزام لها مع تحيتها دون حفظ الألقاب. وكنا نسمع يوميا أخبار الخارطة وتبدل أحوالها الصحية ومزاجها ودرجة حرارتها، ثم وبعد أن صدقنا أهمية الموضوع انتقلت اللهجة إلى مطالبة الولايات المتحدة بتنفيذها، مع أن الجميع عرف أنها لا تحتوي على تصور لـ"حل دائم" للقضية الفلسطينية. وهي انتقلت بدورها إلى مطالبة الفلسطينيين بتنفيذ حصتهم منها. هم طالبوا بالتزامن والتوازي في تنفيذ الالتزامات، أما إسرائيل فردت بضرورة مكافحة الإرهاب أولا، رغم أن الجميع كان يعلم أن إسرائيل غير موافقة عمليا على خارطة الطريق. ومع ذلك تابع جميع أطراف اللعبة اللعب كأنهم لا يعلمون... ثم، وكأنها مؤامرة منسقة سلفا صمت الجميع فجأة. وربما اختفت الخارطة أو هربت مع عشيق من طائفة أخرى أو غيرها من الملابسات التي يتحرج الناس من ذكرها في هذه النواحي. وربما توفيت بمرض من النوع الذي يتجنب الناس النطق به في هذه البلاد تطيَّرا أو حرجا. لا أحد يعلم. المهم انه استيقظنا صباح يوم لا أحد يذكره، ولا كاتب هذا المقال، وإذ بقارئ نشرة الصباح لا يذكرها وعناوين الجريدة الصباحية تتصرف وكأنها لم توجد في يوم من الأيام.

ولو أعملنا الفكر قليلا فيما يتجنبه الناس لوجدنا أن هذا هو حال العرب منذ أن قرروا أن يبحثوا عن "حل" لقضية فلسطين كأنها معضلة تبحث عن حل بنبرة معذبة: "أريد حلا". ومسعى البحث عن "حل" يعني إقناع إسرائيل بتغيير موقفها، وهذا لا يعني إجبارها أو محاربتها أو التضييق عليها أو استنزافها أو غيره، بل التأثير عليها بالذات بعد أن اقتنع من اقتنع بفشل الوسائل السابقة. ولكي تغير موقفها ويكون التأثير عليها باتجاه "الحل"، لا بد من افتراض أن تسعين بالمائة من أوراق هذه اللعبة بيد أميركا. ولا بد أيضا من الافتراض أن أميركا تريد "حلا" لقضية فلسطين.

وبعد ما لا يحصى من المشاورات والوفود والمؤتمرات والانتفاضات والحروب وغيره انتهت الولايات المتحدة إلى قناعة مفادها أن "الحل" غير ممكن دون دولة الفلسطينية. ولكنها وصلت إلى هذه الاستنتاج بتواز مع وصول إسرائيل إلى نفس القناعة. ومفادها تخليص لإسرائيل من العرب كعبء ديمغرافي. وإسرائيل طبعا تعيِّن وتحدد المعادلة بحيث تعني التخلص من اكبر عدد من العرب على أصغر مساحة ممكنة من الأرض يتم الانسحاب منها.

العرب طبعا يرفضون مثل هذا "الحل"، ومن يقبل منهم بمثل هذا "الحل" لا يستطيع فرضه. خاصة وأن هذا البعض يقارب ما يدعي أنه "حاجة إلى حل" من منطلق: "أننا هزمنا وكل ما تقدمه إسرائيل لنا كثير علينا"، وأنه لا حاجة للعرب ولا بد من الحديث مباشرة مع أميركا وإسرائيل. وطبعا يردف هذين الادعاءين بالسؤال المحرج ضد من يعارض: "وما هو بديلك؟".

وأذكر أنه إبان النقاش على اتفاقيات أوسلو كان هذا السؤال المحرج هو سلاح الدمار الشامل ضد خصوم أوسلو. وأذكر انه عندما كان احدهم يوجه لي السؤال بعد تبيان مخاطر هذا الاتفاق، "حسنا، فما هو بديلك؟". كنت أجيبه: ألا توقعوا اتفاق أوسلو، هذا هو بديل التوقيع: عدم التوقيع. فمن يقوم بفعل، فيه هذا الانقلاب الاستراتيجي، هو الذي يجب أن يعطي المبررات، وليس من يعارض هذا التغيير. لقد ثبت أن توقيع اتفاق أوسلو كان كارثة حقيقية للشعب الفلسطيني. ولا استطيع أن اثبت انه لو لم يوقع لتطور الوضع بشكل أفضل، فهذا من علم الغيب. ولكن يمكن بسهولة الإثبات أن وضع الفلسطينيين قبله حمل آفاق أوسع للنضال ولفرض الشروط على إسرائيل.

وبرأينا المتواضع لا يوجد "حل" لقضية فلسطين، بمعنى التوصل إلى حل بعد البحث عنه ثم العثور عليه، فلا يوجد حل ضائع ينتظر من يجده. والمسألة ليست عبقرية في التخريجات على الورق بحيث يخرج عدم الاتفاق بصورة اتفاق. وليست المسألة حلا لمعضلة رياضية. هذه قضية تحرر من الاحتلال. وهي لا تحل، بل تنتهي مع زوال الاحتلال، ولا تنتهي مع بقاء أي نوع من الاحتلال أو الاستيطان. أو هي قضية أبرتهايد وفصل عنصري، وهذه لا تحل، بل تعالج بمساواة كاملة لا يحصى بعدها الناس ديموغرافيا. ولا بد من اختيار استراتيجية النضال من اجل التحرر. أما في سياق موازين القوى الحالية فلا ينتج سوى تخريجات للمعتدلين، أو مكرمات لهم، أو حلول لمشاكل إسرائيل المترتبة عن الاحتلال.

على كل حال لم يسعفنا تساؤلنا عن الاختفاء غير المعلن لخريطة الطريق. ولم يمهلنا جورج بوش طويلا، فإذا بوسائل الإعلام العربية تزف لنا بشرى تعيين بلير مبعوثا للرباعية. والرباعية هي أيضا مثل مبعوثها مخلوق غريب عجيب بأربعة أطراف تشمل الأمم المتحدة كعضو واحد بين دولتين ومجموعة دولية. وهي من تخريجات الهيمنة الأميركية، ولا بد أن هذا الطاقم أيضا سوف يختفي يوما. وقد بدأ الناس فور سماع نبأ تعيين بلير بالتساؤل جديا عما يعنيه تعيينه، فهو بالتأكيد ليس موفدا عاديا. وهو ليس زيني، ولا حتى مبعوث السلام القديم روجرز. إنه تومي بلير. و"النِّعَم والسِّت نعام!!" يقول الفلاحون في بلادنا عندما يسمعون بعدم اكتراث بادٍ اسم شخص لأول مرة، أو عندما يلفظ اسمه فلا يأبه أحد. و"ماذا يعني توني بلير؟". لا شيء. موفد آخر. هو فعلا أكثر أهمية، "استقيل" وهو شاب مليء بالطاقة والحيوية، وصديقه جورج بوش يجد له عملا يلبي طموحاته ويملأ أوقات فراغه بشكل بناء. وسوف يكون لدينا موفد أكثر أهمية من صلاحياته. وماذا بعد؟ وماذا يريد بلير؟ يبدو أن السؤال عن الهدف أخلى مكانه في نواحينا للعملية، الصيرورة، الأداء. العملية كل شيء، أما الهدف فلا شيء. وسوف يعلن بلير عن إحباطه قريبا ويغادر دون خبر، أو سوف يختص بتوجيه النصائح للفلسطينيين في كيفية التصرف لكسب ود الإسرائيليين. وهنا سوف ينجح طبعا. كما سوف يساعد المعتدلين من الفلسطينيين في الحصول على دعم دولي ومبادرات حسن نية جزاء لهم على اعتدالهم. وسوف يساهم في تعزيز القدرة الفلسطينية على إدارة دولة ومفاوضات كما تختص بذلك جمعيات غير حكومية عديدة تساهم في تنشئة جيل من الفلسطينيين مؤهل لقبول "الحل" والتعامل معه.

ثم وبعد أقل من أسبوع عاجلنا بوش بفكرة المؤتمر الدولي للقضية الفلسطينية. مؤتمر، أين؟ لماذا؟ متى؟ ما الهدف؟ لا احد يدري، فكرة صماء تماما. لا أحد يعرف معناها وسر توقيتها. فلم يسمع عن تغير في الموقف الأميركي يترتب عليه تفاؤل من عقد مؤتمر لتطبيق فكرة ما. المؤتمر هو فكرة أخرى لدعم "المعتدلين" العرب ولعزل "المتطرفين". ولا بد أن يدعم من وصل إلى قناعة يتفاخر بها مفادها نعم للحوار مع إسرائيل ولا للحوار مع شعبه... من وصل إلى قناعة من هذا النوع ويجاهر بها لا بد من أن يدعم. ولكن ماذا يهم الهدف؟ الهدف لا شيء، المهم العملية: من يحضر المؤتمر وأين يعقد ومتى؟...هذه هي الأمور المهمة.

عين بلير ثم أطلقت إلى فضاء الفضائيات فكرة المؤتمر الدولي. وحتى من يتمتع بموهبة التعليق بجمل جاهزة على أي شيء لم يجد ما يعلق عليه في هذه الحالة. ولو أطلق بوش فكرة ثالثة لأقسمت بالله العظيم أنها الحرب. لا بد انه يحضر فعلا لحرب.

فمنذ فترة تحولت قضية فلسطين برعاية بوش وأفكار بلير إلى دائرة علاقات عامة لإدارة الولايات المتحدة أزماتها الأخرى. كان من المفترض أن تكون قضية فلسطين الجوزة الأصلب المستعصية على الكسر، والتي تستخدم ضدها القضايا الأخرى في علاقات عامة. فباتت بفضل بعض المبادرين في "صناعة القضية" و"عملية السلام" و"العملية" دائرة علاقات عامة تستعرض من خلالها الولايات المتحدة أنها تعير قضية العرب الأولى اهتمامها، وأنها لا تخاطب العرب بحاملات الطائرات والبوارج فحسب وأن لديها "حلا" لقضية فلسطين حالما تفرغ من حل دولة العراق، وحالما تنتهي من تحضير حصار إيران تمهيدا لصفقةٍ أو لحرب. وتجد من يتجاوب معها بالإشادة بالجدية الأميركية هذه المرة، وبتمنية النفس أن الضغط على إسرائيل قادم "خاصة وأنها فقدت أهميتها الإستراتيجية"، وفي أسوأ الحالات علينا انتظار الانتخابات الأميركية المقبلة.

والظرف الفلسطيني مؤات طبعا لخطاب أميركي من هذا النوع، فمن يرفض الحوار مع شعبه ويرى "حلا" في آخر النفق، وضوءا في آخر النفق الطويل الذي يسمى الـ"عملية"، ونفقا في آخر الضوء، يتم جره من جديد إلى وعود من نوع إعلان مبادئ. بعد اتفاق أوسلو، بعد مرور أكثر من عقد يجري مرة أخرى الحديث عن إعلان مبادئ. فعلا أمر لا يصدق، ولكن هذا ما نسمع.

أما على الأرض، فإن الشرط الذي يجب أن يحترمه "المعتدلون" هو أولا، عدم الحديث مع حركة حماس، وثانيا أن "يكافحوا الإرهاب" بجدية. سوف يصاغ إعلان المبادئ بتعابير وبأسلوب يحتمل التأويل لأنه يصعب الاتفاق على ما سمي في أوسلو بقضايا الحل الدائم. فماذا يبقى من أمور يمكن تقديمها كدعم للمعتدلين: بعد أخذ ورد واستنزاف آخر ذرة مما تبقى سوف تنسحب إسرائيل تدريجيا إلى خطوط ما قبل الانتفاضة الثانية، أي إعادة بسط السلطة نفوذها على مناطق أ و ب في الضفة الغربية، ثم مبادرات حسن نية أو "مكرمات" إسرائيلية أخرى ربما تصل حد أمور رمزية الطابع. وتأمل إسرائيل أن تتوسع أوساط المستفيدين من حسن أخلاق الدولة المحتلة هذا. وهي الدولة التي يعتبر إذنها بدخول فلسطيني ليس إلى مناطق الخط الأخضر بل إلى الضفة الغربية بادرة حسن نية، ويتم تناسي أن هذا الواقع، أي واقع طلب الإذن منها يعني عدم سيادة السلطة حتى على المناطق التي تديرها في الضفة الغربية، وتأكيد سيادة الاحتلال. ولا يفترض أن يكون لأحد مانع أن يطلب لمواطن فلسطيني مشرد وعالق على الحدود العراقية العودة إلى الضفة أو دخولها، (فماذا تعني كلمة العودة هنا؟؟) ولكن المشكلة هي في تفسير ذلك سياسيا كتنازل إسرائيلي وكمكرمة تساعد "المعتدلين"،وهو في الواقع ممارسة إسرائيل لصلاحيتها كدولة احتلال.

هنا يتم ليس فقط فرط القضية الفلسطينية إلى مطالب عينية تقدم إلى دولة الاحتلال بل يتم مقايضة هذه المطالب وما يترتب عليها من تعزيز مكانة من يحصلها من القيادة الفلسطينية كأنه "نائب خدمات" في برلمان دولة، ويقوم هو بوساطة بين جمهوره والدولة، ومقايضة هذا كله مقابل تفكيك المشروع الوطني إلى مطالب واقعية من دولة الاحتلال، وتنافس أمام الشعب الفلسطيني ما الذي يفيد في تقديم الخدمات الاعتدال أي تقديم المشروع الوطني مقابلها أم تحصيلها من خلال النضال لتطبيق المشروع الوطني؟_ عرب 48 _

 

نشر حركة القوميين العرب

امتحان «حماس» بعد السيطرة على غزة

عزمي بشارة

أنشئت حركة «حماس» من قبل تنظيم «الإخوان المسلمين». وبدأ العمل على إقامتها عام 1984، وقد بادر إلى ذلك شباب «الإخوان» الفلسطينيين من الحركات الطلابية وغيرها ممن تأثروا من التنافس مع القوى والفصائل الوطنية في الانتخابات الطلابية وغيرها، وأصروا على إقامة حركة مقاومة للاحتلال. ومن هنا جاءت سهولة تنظيمها بعد بداية الانتفاضة الأولى مع صدور بيانها الأول في كانون الأول 1987. فمن اعتبر بيانها مفاجأة لم يعرف حجم الإعداد الذي سبقه واتساع القواعد السياسية والاجتماعية.

ومنذ ذلك الحين اتجهت الحركة بالتدريج إلى تجاوز «الإخوان» التقليديين بانفتاحها على الحركات الأخرى، ومرونة الموقف الاجتماعي، وفي ديناميكيتها السياسية وفي أساليب النضال. ولذلك لا يخطئ من يعتبرها حركة تكفيرية فحسب، بل يتجنى على الواقع والحقيقة. إن من يعتبر حركة وطنية واسعة مثل «حماس» حركة تكفيرية هامشية يقوِّض إمكانية بناء المقاومة، وحتى المجتمع في فلسطين. وهو النهج نفسه الذي يجهض إمكانية بناء الديمقراطية في المجتمعات العربية.

ولا شك أن عملية بناء الديمقراطية وعملية بناء الأمة عربيا تحتاجان إلى اتفاق على قواعد اللعبة الديمقراطية بين التيارات السياسية الرئيسية. ونحن نلحظ تقدماً في هذا الاتجاه من قبل التيار الإسلامي الواسع والذي يميز نفسه عن التيارات التكفيرية. يجب أن يقبل التيار الإسلامي قواعد اللعبة الديمقراطية ومبادئ المواطنة المشتركة والحريات وثوابت الدولة القومية. ولكن كل من يرى إمكانية لعملية ديمقراطية من دون الحركات الإسلامية الواسعة في أيامنا، لا يدري عم يتكلم. فعملية استثناء هذه الحركات تعني تكريس نظام الحكم غير الديموقراطي، وإذا كانت هذه الحركات ممتدة اجتماعياً وسياسياً ورفضت إقصاءها يتحول النظام ومعه قوى سياسية إلى القمع الدموي السافر الذي يحول ممارسات الحركات الإسلامية المتوقعة في الحكم إلى مسألة نظرية في مقابل الواقع الدموي. ويتحول مثقفون علمانيون إلى التنظير للقمع الدموي.

ومن ناحية أخرى ثبت أن توق الحركات الإسلامية الواسعة إلى المشاركة وتعاملها مع الفئات الاجتماعية الواسعة والعملية السياسية يؤدي إلى إصلاحها لذاتها ولمبادئها، في حين أن فرض العزلة والإقصاء عليها يؤدي إلى إمعانها في الموقف الرافض للمؤسسات والنظم الحديثة وتكفيرها. ليس للقوى الديمقراطية من بديل سوى محاورة الحركات الإسلامية الاجتماعية السياسية الواسعة ومحاولة التأثير عليها، بشرط أن توافق الأخيرة على هذه العملية وتنفتح لها.

إن من يتهم «حماس» بأنها حركة تكفيرية هو إما مغرض، أي ذو غرض آخر غير ما يقول، أو لا يدري عم يتكلم. ومن يرى إمكانية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني من دون التيار الإسلامي الواسع على الساحة، وهو يشمل «حماس» وحركة «الجهاد الإسلامي»، لا يتحدث عن معرفة وتحليل يؤسس لرأي مختلف حول إعادة بناء المشروع الوطني، بل يقصد في الواقع مشروعاً آخر. وهو مشروع لا يستند إلى الإجماع الوطني الفلسطيني بما فيه الاتفاق على قواعد اللعبة التي يجب أن يحترمها التيار الإسلامي، بل يعتمد على تفاهم، وربما تحالف، مع إسرائيل وأميركا ضد الإجماع الوطني الفلسطيني.

ولا يهم هذا الموقف المتفاهم مع إسرائيل إذا كانت القوة التي تحركت للإمساك بالأجهزة الأمنية في غزة حركة إسلامية أو علمانية، المهم بالنسبة إليه أنها ضد التسوية والمهم أنها ترفض استخدام الأجهزة الأمنية ضد المقاومة، ولا تقبل أن تكون هذه الأجهزة في خدمة تيار سياسي بعينه. هذا وحده يكفي كي يعتبرها عدوا ويرفض الحديث معها. والحديث يدور عن تيار هو أقل من فصيل، بل لا يتجاوز أن يكون تياراً داخل فصيل يستخدم الأجهزة للسيطرة على الفصيل ذاته ثم لفرض أجندته السياسية ضد المقاومة وضد خصومه.

من هذه الناحية لا أهمية لهوية التيار الذي ربح الانتخابات ومُنِعَ من ممارسة دوره وحرم من السيطرة على الأجهزة الأمنية كأي حكومة تتشكل بعد أن ربحت انتخابات. لا أهمية مبدئية هنا لكون «حماس» حركة دينية. ولنفرض أنها حركة مقاومة علمانية رافضة للتسوية وربحت انتخابات في مثل هذه الظروف، هل كان سيسمح لها بالسيطرة على الأجهزة الأمنية كحكومة منتخبة؟ ألم تكن لتتعرض إلى حصار بسبب إصرارها على المقاومة ورفض التسوية مع إسرائيل؟ وهي بدورها ما كانت لترضى بهذا الواقع. ولا علاقة لكونها أصولية أم إسلامية أو علمانية بمجرى الأمور هذا. لا ترضى حكومة علمانية أن تكون الأجهزة الأمنية ليس فقط خارج سيطرتها بل أداة في محاربتها ولفرض تيار سياسي بالقوة، وهو تيار لا يرضى بالوحدة الوطنية ولم يربح الانتخابات، ولا حتى داخل فصيلة. ولنذهب هنا أبعد قليلا فنقول أن الجرائم التي ارتكبت في حالة ميدانية تصعيدية تدهورت إلى انتقام وثأرية وتدحرجت أثناء القتال لا تميز حركة دينية تكفيرية بالضرورة بل تميز الغوغائية عموما عندما تسيطر على الشارع. ولا أريد أن أذكِّر الناس بمشاهد تاريخية لثأرية حركات علمانية ودينية على حد سواء في حروب أهلية في دول بعيدة ومجاورة.

ولذلك فإن النصوص التي تستحق التعليق والتي تناولت أحداث غزة الأخيرة من منطلق كون «حماس» حركة إسلامية، وتجاهلت كونها حركة مقاومة شعبية واسعة وعريضة وربحت الانتخابات وحوصرت وتم التآمر عليها، حولت رابح الانتخابات إلى انقلابي وقادة الأجهزة الأمنية إلى ضحية انقلاب. إنها في الواقع نصوص غير مسبوقة في تلفيقيتها وقلة استقامتها ورهانها على عداء القارئ للحركات الإسلامية أو الخلط بينها بشكل يخجل منه حتى المستشرقون. لا علاقة لهذه المواقف لا بالتقاليد الديمقراطية ولا بالإنصاف، ولا بصرامة التحليل والدقة المطلوبة من مثقفين.

كاتب هذا المقال يعتبر دخول حركة «حماس» السلطة أصلاً عملاًً خاطئاً، ولكن أين ممارسات حركة «حماس» الأصولية أو التكفيرية في السلطة. وكيف يمكن لمحلل يحترم نفسه أن يتجاهل حتى التغيرات التي طرأت على الحركة وتطورها في السنوات الأخيرة؟

كل هذا لا يعفي حركة «حماس» طبعاً من التعامل بمسؤولية وطنية مع ما جرى ويجري بعد أحداث غزة، بدءاً بأول تنسيق عربي رسمي علني مع إسرائيل على هذا المستوى ضد المقاومة، وانتهاء بتفنيد فكرة الإمارة الإسلامية المغرضة التي جرى استيرادها لاستدعاء تداعيات سلبية من حركات سلفية شبيهة بنسق القرون الوسطى على نمط «طالبان» بهدف التحريض. على «حماس» أن تثبت إنها لا تفرض آراءها ونمط حياة رجالها ونسائها على الناس في غزة تحت أي مسمى كان، ولا حتى كما يجري في بعض الدول العربية التي لا تشكل مشكلة بالنسبة إلى مثقفين علمانيين معتدلين ممن استنفروا ضد «حماس». وعلى «حماس» أن تمتنع عن مثل هذه الممارسات ليس كي تعجب أحداً، بل لأن ممارسة الفرض والقسر الديني ممارسة باطلة، ولأن هذا ليس هدفها في مرحلة التحرر، ويجب إلا يكون هدفها بعد التحرر.

ويتوجب على «حماس» أن تدير قطاع غزة بحكم صالح وشفافية و نجاعة وبتعاون مع كل القوى السياسية والاجتماعية التي استثنيت من حكومات «فتح» و «حماس»، وكما يستحق أهل غزة الذين عانوا الأمرين تحت الاحتلال وتحت أوسلو في ظل السلطة.

ويبقى الأمر المهم هو تجاوز تقسيم المشروع الوطني الفلسطيني إلى كيان سياسي محاصر في غزة يصارع على الخبز والوقود، وكيان آخر يقزَّم إلى استعادة امتيازات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية لنخبة أوسلو المتحررة من الشراكة مع «حماس» التي كلفتها حرمانا مما تعودت عليه منذ تلك الأيام. الأمر الأهم هو تجاوز إخراج القضية الوطنية وحقوق الشعب الفلسطيني من النقاش، وفي مقدمها القدس والعودة وإزالة الاحتلال والمستوطنات.

ولذلك فإن امتحان «حماس» هو في قدرتها على اجتذاب القوى المجتمعية والفصائل المعارضة فعلا لهذا الانقسام، وغير القابلة لنموذج سلطة ترفض الحوار مع «حماس» في حين تحول الحوار مع إسرائيل إلى تنسيق مواقف، أي تحالف، ضد «حماس». وبعد أن تكسب «حماس» ثقة هذه الفصائل التي خسرتها في عملية تقسيم الحصص مع «فتح» في الحكومة سيكون عليهم جميعا مناقشة السلطة والأشخاص الرافضين فيها للحوار والفرحة بالتخلص من اتفاق مكة وعبء الشراكة مع «حماس»، ليس في منافسة بين النموذج الناجح والفاشل بين غزة والضفة، بل على المشروع السياسي.

يجب أن يطرح السؤال حول المشروع السياسي لهذه السلطة التي يتبارى العالم على الاعتراف بها كحكومة طوارئ. حسنا، مبروك. وماذا بعد؟ هل سيؤدي هذا الاعتراف إلى تصعيد المعركة ضد «حماس» أم إلى تعزيز موقف السلطة التفاوضي لاسترجاع الحقوق الوطنية الفلسطينية. ولنكن واقعيين(!)، فنحن لا نتوقع منها إن تحرر القدس ولا أن تحقق حق العودة، ولكننا نتوقع أن تتمكن مع كل هذا الاحتضان الدولي والإسرائيلي من العمل على إزالة الجدار وإزالة المستوطنات، وألا تقبل أن تخضع من جديد لامتحان إثبات جديتها في العداء لـ «حماس» بقطيعة أوثق مع غزة وبممارسات أكثر قمعية ضد المقاومة في الضفة الغربية مثلاً. هذا مسار يقود إلى التهلكة بغض النظر عن المعاشات والامتيازات وتصاريح الخروج والدخول من وإلى فلسطين، وحتى جلب القوات وتعزيزها. هذا مسار يقود إلى التهلكة.

في المقابل يجب أن تطالب «حماس» بضمها إلى إطار وطني أوسع يتجاوز الانقسام الحاصل في المناطق المحتلة ويلتف عليه إلى فضاء القضية الفلسطينية كشعب وكقضية وطنية شاملة. يجب أن يبدأ الحوار هنا، من خلال إعادة بناء منظمة التحرير. وإذا رفض ذلك وتم تقزيم المنظمة إلى أداة في خدمة جدول أعمال سلطة سياسية في الضفة الغربية، فيجب التفكير في كيفية تفاعل القوى السياسية الرافضة لهذا الانقسام، الرافضة لرفض الحوار، والمستقلين والمثقفين وكل الفئات التي ترى في هذا الواقع المشوه افتراءً على الشعب والواقع والتاريخ، من أجل طرح القضايا الوطنية بشكل يتجاوز مؤامرة النموذجين في غزة وعلى جزء من الضفة.

كاتب ومفكر عربي

28/6/2007

حركة القوميين العرب

E-mail :raouf-b@mail.sy

تلفون جوال: 932430637  00963

فاكس: 2312744  11  00963

الموقع الإلكتروني: www.alkawmiyeenalarab.net

 

أزمة السلطة الفلسطينية وضرورة إعادة بناء منظمة التحرير

بقلم : عزمي بشارة

في فلسطين يتنافس الفصيلان المتنازعان حالياً في تبني وتقمص مصطلحات وتعابير الدول: رئيس، وزير، أجهزة أمنية، “في. آي. بي”، “أترجمها بتصرف” very  important Palestinian، وأخيراً وكأننا نسير بخطى واثقة نحو تشكيل كاريكاتير عن أنفسنا “حكومة طوارئ”، وإصدار “مراسيم” و”حل حكومة بموجب الدستور” وإجراء دستوري و”إجراء غير دستوري”، ويبدو أن المتحدثين مصدقون لأنفسهم. لم نعد مجرد “حكومة” تحت احتلال، بل تقدمنا إلى “حكومة طوارئ” تحت احتلال، وبقي فقط أن نقيم حكومة احتلال تحت الاحتلال. ولم لا؟ فنحن لسنا في حالة صراع تحرري مع “إسرائيل”، بل في حالة تنافس بالألقاب والتسميات، وعاشت الرمزية والرموز!! هل ستمون “حكومة الطوارئ” على أصدقائها الأسخياء في الغرب لوقف بناء الجدار وإزالته، أو لتطبيق قرارات لاهاي، أم أن امتحان نجاحها سيكون جلب المال من أمريكا وأتباعها؟ و”الحكومة” على فكرة لا تبدو ك “حكومة طوارئ” بل كحكومة جمعيات غير حكومية. “سؤال جديد يطرح حول نشيطي هذه الجمعيات، هل مدنيتها ولا حكوميتها تعني أنها مؤلفة من سياسيين محبطين؟ وإلا فكيف يتم الانتقال مباشرة من النشاط في المجتمع المدني ليس إلى مجرد عضوية في حكومة، بل وفي حكومة طوارئ؟”.

كشفت أمريكا ومن مشى على هديها في الغرب عن طبيعة مطلبها بدمقرطة دول المنطقة بعدما لم تكتف برفض نتائج انتخابات جرت في ظل احتلال في فلسطين، بل أصرت على فرض حصار يشجع أطرافاً محلية على رفض النتائج، أي على رفض الديمقراطية إذا لم تكن في مصلحتها. وهو حصار يشجع على الاقتتال ويندرج ضمن نهج يبدو تطبيقاً مدرسياً سياسياً للنظرية السلوكية ولنظرية ردود الفعل المشروطة بالمؤثرات الخارجية، فالحصار عقاب على فعل مكروه، والإغراء المالي مكافأة على آخر مرغوب فيه.

ونشأ بعد اتفاق مكة بين فتح وحماس لتشكيل “حكومة” وحدة، وضع يفسح مجالاً لاستراتيجية موحدة تشمل إلى جانب “حكومة” الوحدة أمراً أكثر أهمية من المحاصصة الحكومية الثنائية بين فتح وحماس، هو إعادة بناء منظمة التحرير، وقد تم تجاهله وإهماله، مع أنه وعاء الوحدة السياسي والوطني وليس المحاصصة في “حكومة” إشكالية.

 ولم يكن اتفاق مكة ممكناً لولا تحييد صراع المحاور العربية في شأن الحوار الفلسطيني، وبالعكس تبارزت المحاور بادعاء أبوة اتفاق مكة. ولذلك فلست متفقاً مع من يستسهلون إلقاء تبعة ما يجري في غزة على تصفية الحساب بين المحاور العربية مرة أخرى، فرغم أني أتفق على دور صراعها الهدام في ألف قضية فإن هذا لا يصح بالنسبة لاتفاق مكة.

 عارضت كل من أمريكا و”إسرائيل” هذا الاتفاق واعتبرته نكسة لقوى في السلطة راهنت عليها واستثمرت فيها طويلاً ضد ياسر عرفات. وقد قبلت هذه القوى كما يبدو الاتفاق ليس لأنها وافقت عليه، بل لأن غيرها في نفس السلطة قدّر عشية الاتفاق أن مواجهة مع حماس في غزة سوف تنتهي لمصلحة حماس. ولذلك اعتبرت اتفاق مكة مجرد مرحلة لتجنب مواجهة مع حماس نحو مواجهة قادمة إن عاجلاً أم آجلاً، فهذه القوى تؤمن أن التسوية مع “إسرائيل” ممكنة إذا تنازل المفاوض الفلسطيني عما رفضه ياسر عرفات في كامب ديفيد. ولذلك لا بد من مواجهة حماس، هذا عدا عن عدم تسليمها بفقدان جزء من امتيازاتها.

ورغم معارضة الاتفاق فإن أمريكا اعتبرت مقاطعة “إسرائيل” مؤسسة الرئاسة بعد اتفاق مكة، تفشلها وتدفع بحركة فتح إلى أحضان حكومة الوحدة. ولذلك لم تر ضرراً من إجراء مشاورات نظرية كما سماها أولمرت حول الحل الدائم يتقبل من خلالها الناس بالتعويد أفكاراً معينة مثل التنازل “نظرياً” عن حق العودة وعن القدس كعاصمة فلسطينية، إضافة لقضايا حقوقية تقدم كمطالب ل “إسرائيل”، كأن الجميع أصبحوا نواباً يمثلون رعايا الامبراطورية “الإسرائيلية” في “الأقاليم”.

ولذلك فرغم اتفاق مكة، فإنه في يوم ذكرى النكبة التاسعة والخمسين ذاته،