<% Dim fsoObject 'File System Object Dim tsObject 'Text Stream Object Dim filObject 'File Object Dim lngVisitorNumber 'Holds the visitor number Dim intWriteDigitLoopCount 'Loop counter to display the graphical hit count Set fsoObject = Server.CreateObject("Scripting.FileSystemObject") Set filObject = fsoObject.GetFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) Set tsObject = filObject.OpenAsTextStream lngVisitorNumber = CLng(tsObject.ReadAll) lngVisitorNumber = lngVisitorNumber + 1 Set tsObject = fsoObject.CreateTextFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) tsObject.Write CStr(lngVisitorNumber) 'Reset server objects Set fsoObject = Nothing Set tsObject = Nothing Set filObject = Nothing For intWriteDigitLoopCount = 1 to Len(lngVisitorNumber) Response.Write("") Next %>
                            ان القدرة على التعبير هى القدرة على الحياة // تصدر عن مؤسسة الانباء العالمية للصحافة والطباعة والنشر والدعاية والاعلان
 

دعوة للأخر
مقالات رئيس التحرير
 

عبدالله السناوي

تراجيديا اغتيال بينظير بوتو تضع حداً للملاسنات الإسرائيلية .. وكلام مبارك عن "الخطوط الحمراء"

عبدالله السناوي

هل -حقاً- تجاوزت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني الخطوط الحمراء في تصريحاتها عن تورط مصري رسمي في تهريب السلاح إلي غزة عبر أنفاق.. أم أن العدوانية التي انطوت عليها تلك التصريحات تدخل من ضمن طبيعة العلاقات المصرية الإسرائيلية منذ اتفاقيتي كامب ديفيد..؟. الرئيس مبارك وصف تصريحات ليفني بأنها متجاوزة لـ "الخطوط الحمراء"، ولكنه لم يحدد طبيعة هذه الخطوط، أو ما يمكن أن تتخذه مصر من مواقف جدية في مواجهتها، فالخطوط الحمراء في مثل هذه القضايا الحساسة هي مسألة أمن قومي، لايصلح معها إطلاق بالونات كلام، قد ترضي الرأي العام، ولكنها لاتغير من طبيعة السياسات(!). وهنا: صلب المسألة في فهم الأزمة المصرية الإسرائيلية الجديدة. فإسرائيل تعتقد أن الوقت قد حان لابتزاز نظام الحكم الحالي إلي آخر قطرة تنازل يمكن أن يقدمها، وتطويعه لفترة أخري لمقتضيات استراتيجيتها في المنطقة. بعد مؤتمر "أنابوليس" بدت حكومة أولمرت غير مستعدة لتقديم أية تنازلات مؤلمة أو غير مؤلمة لسلطة محمود عباس، أو الدخول في أية مفاوضات معها تسفر عن نتائج ما تقدم بمقتضاها بعض التنازلات قبل نهاية ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش.

فبوش سوف تضعف قبضته بعد نحو شهرين مع بداية الحملات الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة، وحكومة أولمرت معلقة علي توازنات حرجة تخل بها أية تنازلات يمكن أن تقدم عليها، حتي لو كانت بسيطة، والجو العام الإسرائيلي غير مهيأ لها معتقداً أن الانشطار الفلسطيني بين غزة والضفة الغربية يفتح المجال واسعاً لإنهاء القضية الفلسطينية بأقل التكاليف، أو ربما مجانا، مع تطبيع عربي واسع يأخذ من المبادرة العربية شقها الأول الذي يدعو للتطبيع الشامل معها، دون أن تكون الدولة العبرية مضطرة لأية التزامات بالشق الثاني الذي يدعو إلي انسحابات كاملة من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 7691. 

في "أنابوليس" بدت المسرحية هزلية بنص التصريحات الإسرائيلية التي واكبت المؤتمر. وفي أعقابه مباشرة توسعت إسرائيل في مشروعاتها الاستيطانية، وفي مداهمات واغتيالات لنشطاء المقاومة من "فتح "و"حماس" و"الجهاد" علي السواء.

وبدت مصر في الأجواء المسرحية التي جرت وقائعها في "انابوليس" وما بعدها أقرب الي أدوار الكومبارس. وهذا كله شجع ليفني أن تمضي في تصريحاتها إلي أبعد مدي في الاستهانة بالرئاسة المصرية والأمن القومي المصري وكرامة البلد كله. فما الذي يردع.. أو يخيف.. أو يمسك اللسان خشية أن تؤدي انفلاتاته إلي عواقب وخيمة علي المصالح الإسرائيلية..؟!.

عندما يتبدي عجز السياسة المصرية واضحا وصريحا في قضايا المنطقة وتفاعلات محيطها، فمن الطبيعي أن تحاول إسرائيل اقتناص الفرصة، وان تضغط، وان تبتز، وأن تمعن في الإهانات، متوقعة أن أقصي ما قد تقدم عليه السلطات المصرية اطلاق عبارات احتجاج في بيانات باهتة لوزير خارجيتها أحمد أبو الغيط. وهو ما قد حدث فعلا، غير أن تصريحات مبارك بدت أكثر قوة مما هو معتاد، وبدا غاضبا لكرامته السياسية، وهذا أمر محمود في كل الأحوال، ولكنه لا يمس صلب السياسات التي أدت الي الاستهتار الإسرائيلي بأبسط قواعد الدبلوماسية. والمثير في التصريحات التي أدلي بها الرئيس لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية إقراره بحق إسرائيل في توجيه الاتهامات، لكن عبر القنوات الرسمية والأمنية، لا عبر الأثير مباشرة.

والمعني -هنا- أن الرفض المصري لتصريحات ليفني العدوانية ينصب علي الشكل أكثر مما يحتج علي مضمون الرسالة.

وقد يقال إن هذا منطق الأشياء، فهناك علاقات دبلوماسية، واتصالات أمنية واستخباراتية يمكن تداول الاتهامات والرد عليها عبر قنواتها السرية. وهذا تدركه إسرائيل بطبيعة الحال، لكنها تدرك أيضا أن مصر الضعيفة يمكن ابتزازها علناً، واهانتها علي أوسع نطاق في محيطها العربي والإقليمي، وإثبات غياب فاعلية دورها، الذي ربما لا تزال تراهن عليه قطاعات واسعة من الرأي العام العربي. إسرائيل تحركت في دوائر الكونجرس الأمريكي، ونجحت -أخيرا- في تعليق (001) مليون دولار من إجمالي المعونة الأمريكية لمصر باتهامات تتعلق بسجل حقوق الإنسان في مصر، شاملاً قضية أيمن نور، وملف تهريب الأسلحة عبر أنفاق من سيناء إلي غزة، مشفوعا بشريط فيديو مسجل، قال مبارك إنه "مفبرك"، وأنه يستطيع أن يصنع مثله بوسائل التكنولوجيا الحديثة. وهذا صحيح، ولكنه ليس صلب القضية، وإسرائيل تدرك أنه "مفبرك"، وأنها عجزت عن توفير الأمن لنفسها في غزة منذ احتلالها عام (7691)، وليست في حاجة إلي أن يذكرها مبارك بحقائق تدركها واكتوت بنارها، حتي بدت غزة كابوساً تمنت ان تستيقظ ذات صباح فتجدها قد غرقت في البحر- علي ما قال رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين، للرئيس الفرنسي الراحل ميتران، الذي نقله إلي الأستاذ هيكل، أو أن الحسابات الرسمية في مصر لا تسمح علي أي وجه بامداد "حماس" بالسلاح.

مشكلة النظام مع "حماس" انه يعتقد أنها من الناحيتين الأيدلوجية والتنظيمية منضوية في اطار التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ويخشي من أن تؤدي سيطرتها علي قطاع غزة الي تقوية شوكة الإخوان في مصر، ورفع منسوب التطلع إلي دور مماثل لما فعلته "حماس" في غزة، ولكنه -بالمقابل- لا يستطيع أن يمضي بعيدا في حصارها أو القطيعة النهائية معها، فالأمر هنا يتعلق بأمن الحدود، أو الأمن القومي بصورة أوسع. 

كلام الرئيس مبارك يبدو منطقيا ومقنعا عندما يقول إن من يحاول اتهام مصر بالتعاون مع مهربي السلاح "كذاب كبير".

غير أن مأزق هذا الكلام أن إسرائيل تدرك حقائقه وتفاصيله، ولكنها تردده استضعافا لمصر وابتزازا لمواقف تطلبها. ومن بينها دور مصري في الافراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير "جلعاد شليط" بأقل التكاليف، أو بأقل افراجات مقابلة عن كوادر للمقاومة في السجون الإسرائيلية. فـ "حماس" مدفوعة لعلاقات ما مع مصر، لا تقطعها تحت أي ظرف، فمصر هي معبرها للعالم، ورئة تنفس استراتيجية، ومصر داخلة بأمنها القومي في حسابات غزة. وإسرائيل تريد أن تقتنص حصار حماس وضعف مصر والعلاقة المعقدة بينهما لتوفير أقصي ما تستطيعه من أمن، بأقل ما يمكن من تكاليف.

لعبة الضغط بدأت بقرار الكونجرس، والتحريض الإسرائيلي ظاهر وعلني، ثم بتصريحات ليفني العدوانية التي بالغت في وقاحتها، وما أعقبها من اتصالات وزيارات، أهمها زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك إلي "شرم الشيخ"، مؤكدا علي رسالة ليفني، ولكن بعبارات أقل حدة وصفاقة.

وباليقين فإننا نوافق الرئيس مبارك عندما يقول لـ "يديعوت أحرونوت": "أنتم تخطئون فهم نفسية الشعب المصري، الضغوطات لن تفيدكم شيئا.. نحن لا نقبل الإملاءات ولا نقبل شروطا أمريكية تقول: افعلوا هذا أو لاتفعلوا ذاك".

ولكن المشكلة أن السياسة المصرية علي مدي ثلاثة عقود راهنت علي وضع (99%) من أوراق اللعبة في يد الإدارة الأمريكية -بحسب تصريح شهير للرئيس السابق أنور السادات التزمه استراتيجيا الرئيس مبارك، حتي بدت مصر بوزنها الاستراتيجي ملحقة بالكامل بالسياسة الأمريكية ومصالحها في المنطقة، تأمر فتطاع من أكبر القضايا إلي أصغرها، حتي وصلنا إلي ما نحن فيه من أوضاع جعلت مصر -بكل أسف - "رجل المنطقة المريض".

التصريحات تتناقض مع سياقها الاستراتيجي، والكلام عن رفض المعونة إذا ما جاءت مشروطة بالون اختبار يستبق زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلي مصر الأربعاء المقبل.

والأغلب أن يجدد بوش ضغوطه علي مبارك في سجل حقوق الإنسان، ولكنه لن يبالغ، وقد يبدي مرونة أكبر في ملف المعونة، أو تعليق التعليق، ففي الخلفية قضايا أهم من سجل حقوق الإنسان في مصر، فهذا سلاح ضغط لا رؤية ولا التزام، وقد يجري تجاوز أزمة الأنفاق وانفلاتات اللسان، والعودة بالأزمة الي قنواتها السرية، فبوش مشغول بالتطورات الدامية في باكستان بعد اغتيال بينظير بوتو ، والعواقب التي تترتب علي غياب لاعب جوهري في معادلات السياسة الباكستانية، مرتبط بالسياسة الأمريكية فيما يسمي "الحرب علي الإرهاب"، ولكن له قاعدته الاجتماعية والسياسية المؤثرة.

تراجيديا الاغتيال بشعة حقاً ، ولكن التبشير بالسياسة الأمريكية التي تبنتها بوتو هي نقطة الضعف القاتلة. وغياب حضورها الشخصي والسياسي قد يرشح باكستان لمزيد من دوامات العنف والحرق والقتل، وينزع الشرعية عن الانتخابات النيابية، مع المقاطعة الواسعة المتوقعة لها، وحكم الرئيس برويز مشرف استنفدت طاقته وشرعيته بصورة تدفع الأحداث إلي منتهاها.

بعد مقتل بوتو.. علي القائمة المعارض القوي الآخر: "نواز شريف". ومشرف الهدف الرئيسي.

لا حكم العسكر أفلح في توفير استقرار.. ولا البديل الديمقراطي البرلماني متاحاً الآن.. والجماعات الأصولية قامعة ومقموعة ومصير البلد كله معلق علي مجهول من بين سيناريوهاته المرعبة انقسام جديد علي خريطة باكستان.

التراجيديا الباكستانية ربما تضع خطا فاصلا في الأزمة المصرية الإسرائيلية.. وتنقلها الي كواليس الأمن والاستخبارات، وسوف تمضي سريعاً العبارات الساخنة التي أطلقها الرئيس مبارك، وتعود السياسة المصرية الي سابق عهدها، وكل ما كسبته أن يراعي الإسرائيليون قواعد البروتوكول مؤقتا، لكن مع الانفراد بالمنطقة بعيدا عن أي دور أو شبه دور مصري مؤثر. وهذه هي المأساة الحقيقية في الكلام الرئاسي عن "الخطوط الحمراء"!.

 

أحاديث الأحذية !

عبدالله السناوي

في الأجواء العامة بوادر معركة جديدة وحاسمة بين الصحافة وحريتها وسلطة فقدت رشدها واستبدت بها رغبات الانتقام . العبارات انفلتت كاشفة عن تدنٍ خطير في لغة الحوار بين الدولة وصحافتها ، إلى حد القول بأن الوقت قد حان لضرب الصحفيين المشاغبين بـ "الأحذية" .

وهذا تعبير منفلت منقول بنصه عن قيادات نافذة في الدولة ، غير أن هناك فارقاً بين الرغبات مستغرقة في هواجسها والتصورات موصولة بوسائلها . فالرغبات الجامحة عندما لا تستند  إلى شرعية القبول العام وتتصادم معها ، تتحول إلى مقدمات كوارث جديدة تجر الحكم إلى نهاياته . والاعتقاد العام بأن عصبية النظام وميله إلى العنف والتلويح به في مواجهة الصحافة الحرة تعبير عن أزمة نظام استنفد شرعيته وزمانه .

، وبات عبئا ثقيلا على ضرورات التغيير الديمقراطي الواسع. فالنظم الواثقة من نفسها ومن شعبها تحاور وتبحث عن قواعد مشتركة يمكن القبول بها لا أن تهدد برفع الأحذية والضرب بها. فـ "أحاديث الأحذية" تناقض وعود الإصلاح، وتثير من حولها مخاوف اللجوء إلى العنف المضاد، فعندما تسد القنوات السياسية والاجتماعية، وتكمم الصحافة الحرة، وهي صمام أمان للمجتمع كله، وحقه في حرية تبادل المعلومات والآراء، تبدأ أشباح العنف تلوح في المسرح السياسي، وهذا كله ما لا تريده مصر ولا تحتمل تداعياته. وقد تعود الأسباب المباشرة للتحرش الجديد بالصحافة وحريتها إلى أزمة الشرعية في البلاد ومأزق انتقال السلطة فيما بعد الرئيس مبارك. فمن الواضح غياب قواعد حاكمة ومقنعة لانتقال آمن وسلمي للسلطة، وتزوير الإصلاح السياسي والدستوري عمق من مشاعر اليأس العام وسط تقدم حثيث في سيناريوهات التوريث.

لا أحد يعرف بيقين ما قد يحدث بعد الرئيس مبارك، فالاحتمالات كلها مفتوحة على المجهول، والفوضي محتملة، وللقلق دواعيه، ولا يعني تكميم الصحافة أن التوريث سوف يمضي بسهولة، وأن الناس سوف تكف عن إبداء ضجرها مما هو قائم وكراهية ماهو حادث في حياتها من تدهور في مستويات المعيشة، واليأس يولد الانفجار.. والنظام أول من سوف يكتوي بناره. ولسنوات طويلة بدا النظام مستعدا لدفع فاتورة حرية الصحافة واحتمال تكاليفها، باعتقاد انها تساعد على تحسين صورته وتخفف الضغوط الدولية عليه، وفي مرات عديدة اصطحب مسئولون كبار في زيارتهم للولايات المتحدة، ومن بينهم نجل الرئيس، نسخاً من صحف المعارضة ليثبتوا بها اتساع هامش الحريات الصحفية، وان كل شئ قابل للنقد بما في ذلك شخص رئيس الجمهورية.

وسري اعتقاد واسع في أوساط السلطة أنها أكثر المستفيدين من الحريات الصحفية بظن انها محدودة في صحف بعينها، وان الصحافة الرسمية يمكن أن تضبط الايقاع. غير أن تلك الصورة تبددت، وبدت الأفيال الصحفية متباطئة في الذهاب إلى مقابرها، فالعوالم اختلفت مع ثورة المعلومات، واحتياجات المجتمع توسعت وتعقدت، ولم يعد ممكنا السيطرة عليها بالطرق التقليدية. والأهم من ذلك كله بدت الحريات الصحفية من ضمن فاتورة لابد من دفعها لتمرير التوريث، غير أنها أثبتت عملياً أنها العائق الجوهري في مواجهته. وهناك اعتقاد في السلطة أن تراجع الحركات الاحتجاجية وحركة استقلال القضاء والحراك السياسي بصورة عامة يدعو إلى مواجهة مع الحائط الأخير للحريات العامة، وضرب الصحفيين المشاغبين بـ "الأحذية"!، ولكن ذلك كله لن يدفع التوريث إلى محطته الأخيرة. ويلفت الانتباه في تصريحات السفير الأمريكي ريتشارد دوني في جامعة الإسكندرية قبل أيام قوله: "يتعين على من يتولي قيادة مصر بعد الرئيس مبارك أن يكون مقبولا بصورة صريحة من شعبه". والكلام معناه أن هناك تحفظاً أمريكياً على نقل السلطة إلى نجل الرئيس من زاوية غياب القبول العام من المصريين. وجمال مبارك بأفكاره وتوجهاته يحظي بقبول أمريكي، ولكن صعوده إلى السلطة العليا، مع غياب شرعية القبول العام، قد يؤدي إلى أضرار استراتيجية بالمصالح الأمريكية العليا في مصر والمنطقة. والدول لا تعرف منطق العواطف، حتى لو تبدي نجل الرئيس مرشحاً مثالياً من حيث أفكاره وتوجهاته، فالمصالح تحكم، وتدفع في بعض الحالات إلى الانقلاب الكامل على الحلفاء السابقين أو المحتملين!.

مشكلة جمال مبارك الحقيقية مع مجتمعه.. قبل أية أطراف أخرى دولية أو إقليمية. ومشكلة مصر ليست في الصحافة الحرة أو الحريات العامة، بل في العدوان عليها، ورغبات ضربها بـ "الأحذية". وقد تندفع الرغبات إلى ميادينها بوسائل الدولة ترغيبا وترهيبا، وتبدأ الصدامات والحروب مع صحافتها، غير أن الانتصار فيها قضية أخري، فالحريات الصحفية تنتصر في النهاية، والضربة الأولي قد تكون موجعة، ولكن ما يلحق الدولة من أضرار أشد وأبلغ، يمكن أن يحبس صحفيون بالفعل، وقد يجري -لا قدر الله- غزو نقابة الصحفيين وشل دورها في الدفاع عن الحريات، واستخدامها في التنكيل بالصحفيين المشاغبين، وفرض رغبات الدولة المهزوزة في أن تتولي النقابة، بدلا من المحاكم، الحكم عليهم بالاعدام المدني وقفا عن العمل أو شطبا باسم تفعيل ميثاق الشرف الصحفي!، أي أن يختطف هذا الميثاق بـ "كوده الأخلاقي" في عمليات غير أخلاقية تنزع عن النقابة أدوارها في الدفاع عن الحريات الصحفية وتحيلها إلى مخفر شرطة، وهو خطر محدق بالنقابة العتيدة، ومن واجب صحفييها التنبه لما يجري التخطيط له من أجندات، والدفاع عنها، المعني قبل المبني. والمعارك الكبري تكسب معانيها في النهاية، قد تحدث نكسات عابرة، إذا ما تقاعسنا عن أدوارنا، والأدوار أهم من الأشخاص، وحرية الصحافة أعز ما تملكه مصر الآن.

ويمكن للدول الطائشة، كحال الدولة المصرية حالياً، أن تبدأ وتضرب وتمعن في الضرب، وأن ترفع "الأحذية" وتهدد بها، ولكنها سوف تواجه بردود أفعال أشد وأنكي، فالجماعة الصحفية لا تقبل، وفجوة الكراهية بين الصحافة والنظام قد تتسع، والمواجهة سوف تشتد ، والمنظمات الدولية المعنية بالحريات الصحفية سوف تضغط وتشهر بالنظام وتسيء إلى سمعته العامة بأكثر مما هي سيئة. ولا يمكن لعاقل أن يتوقع أن تعود مصر وصحافتها إلى المربع رقم (1)، أو أن يجري الانقضاض على الحريات الصحفية فيها دون أن يدفع نظام الحكم ثمنا باهظا قد يشمل وجوده ذاته. وفي لقاء الرئيس مبارك الأخير بوزيرة الخارجية الأمريكية كوندا ليزارايس استغرقت الملفات الداخلية أغلب الوقت، وبدا لافتا أن الوزيرة الأمريكية، المعنية أساساً بمؤتمر الخريف، لم تول عناية كبري بالموقف المصري أو اقتراحاته بقدر ما تحدثت في الملفات الداخلية، ربما يتصور أن الالتزام المصري تجاه الاستراتيجية الأمريكية مضمون ومؤكد واقتراحاته لا تتجاوز الاجراءات ولا تمس الرؤي.

وقد يقال إن رايس استخدمت الملفات الداخلية للضغط على النظام في الملفات الخارجية وتطويعه بصورة مطلقة فيها، والنظام يتحمل المسئولية وحده عن تدهور الأداء داخليا وخارجيا معاً، فلا سياسة خارجية يعتد بها إلا إذا كانت تستند إلى حقائق قوة داخلية تضمن سلامة المجتمع والحريات العامة فيه وقدرته على التطور والتقدم. وقد نسب للرئيس مبارك قوله لبعض معاونيه إنه لا يريد احتجاب صحف مرة أخري، بظن أن الاحتجاب الذي جري أرهق النظام دولياً من جراء الاحتجاجات التي قادها الاتحاد الدولي للصحفيين. غير أن الذي لا يريد احتجاب صحف بلاده، عليه أن يحاورها على قاعدة الندية والاحترام، لا أن يهدد نظامه بضربها بـ "الأحذية"، ساعياً إلى استعادة نقابة الصحفيين في حظيرته، أو تحطيمها إن لزم الأمر، وهو فوق طاقته، والذي لا يريد احتجاب صحف، عليه أن يلزم نفسه بمواثيق الشرف وتقاليدها، لا أن يطلق بعض صحفه الرسمية للنيل من كرامات المعارضة ورموزها بلغة سوقية بينما لا يتوقف عن اعطاء الدروس في لغة الحوار وآدابها!. القواعد الأخلاقية -إذا ما كنا جادين في الكلام- يخضع لها الجميع وتلزم الجميع.. واحترام كرامات الناس تبدأ من أبسط مواطن حتى رئيس الجمهورية. أما التحريض على حرية الصحافة فقضية أخري، و"أحاديث الأحذية" مأساة كاملة لنظام فقد الحد الأدني من حسن تقدير الأمور. ومن المثير أن الحزب الوطني ولجنة سياساته يولي اهتماما فائقاً بانتخابات نقابة الصحفيين. وفي اجتماع حزبي سأل رئيس تحرير حكومي، رئيس تحرير جريدة خاصة، عضو بالحزب ولجنته الإعلامية: "كيف سمحت لنفسك أن تشارك في الاحتجاب؟!".

وكانت الإجابة سريعة ومباغته: "صحيفتي خاصة، واتخذت القرار الذي اعتقدت فيه، ولكنك أنت تهاجم وزير الإعلام في صحيفتك، وهي صحيفة قومية تلتزم بالحزب وتوجهاته، فهل اعطاك الحزب إذنا بالهجوم عليه؟!" هذه بعض أجواء عصبية في حزب يتصور أن بوسعه مطاردة الصحفيين في المحاكم بقضايا "حسبة سياسية"، والادعاء بأنه جري تنفيذ وعد الرئيس مبارك بمنع الحبس في قضايا النشر، ويتصور أن الاجتماعات فيه- وبعضها قيل إن جمال مبارك حضرها، وإنه خصص اجتماعا كاملا برئاسته للجنة السياسات استعدادا لانتخابات نقابة الصحفيين- يمكن أن تغير من الصورة وتقلب مواقف نقابتها من دعم الحريات الصحفية إلى الانقضاض عليها.

وهذه تصورات تغفل طبيعة المهنة، وأن النقابة العتيدة تؤثر في توجهاتها الارادة العامة لعضويتها بأكثر مما يحدث في اية نقابة مهنية أخري. ولكن أهواء السلطة ورغباتها تعمي عن الحقائق، قد تبدأ الحرب، ولكنها لن تكسبها. وقد يتصورون داخل السلطة العليا أن الصحافة الحرة باتت تمثل عبئا لا يحتمل على المضي في التوريث واتخاذ خطوات راديكالية فيه، فقد نجحت على مدي سبع سنوات في عرقلته وتعبئة المشاعر العامة ضده، وأن إرهاب هذه الصحافة بعودة الحبس في قضايا النشر مما يسهل التوريث والمضي فيه إلى آخر الشوط. وقد يتصورون ـ أيضا ـ أن مساحات حريات التعبير، التي توصف عادة بأنها غير مسبوقة، -غير أنها عرفية وثبت أنه يمكن الانقضاض عليها- قد أدت إلى تقويض ما تدعيه الحكومة من إنجازات في تحسن مؤشرات الوضع الاقتصادي العام، والاتهام ـ هنا ـ يشمل الصحف القومية المحسوبة على الدولة.

 

وقد تبدت في تصريحات متواترة مرارات رسمية من انتقادات الصحافة وتركيزها على الجوانب السلبية وإغفال ما تدعيه الحكومة من إنجازات. وتعتقد قيادات كثيرة في السلطة أن مشكلاتها تنحصر في الإعلام، فإذا ما تبني إنجازاتها، فإن الأمور يمكن أن تصبح أفضل. والمعني الصريح أنه لابد من تطويع الصحافة والإعلام بصورة عامة، وكسر عظم الصحافة الحرة وإدخالها "بيت الطاعة"،.. مصحوباً ذلك كله بـ "أحاديث الأحذية"!. تلك الأحاديث التي تواترت في محافل عامة سياسية ورياضية خلال السنوات الأخيرة، كانت بلغتها السوقية تعبيرا عن تدني الحوار العام وغياب القواعد الحاكمة، وتراجع دولة القانون، وهذه مأساة بلد فقد تقاليد الاحترام فيه واستبدت في بعض نخبه السوقية، غير أن المأساة عندما تتمدد إلى الدولة فإنها تعني الانهيار الأخلاقي والسياسي الذي يستبق النهايات المؤكدة. _ إيلاف _

 

سيناريوهات ومناورات الصدام الجديد بين الصحافة والدولة
الصراع علي المستقبل

عبدالله السناوي

إنها السياسة تلازم الصحافة فى معركة "كسر العظام". والأزمة قد تبدو ضيقا من الدولة بالهامش المتاح من الحريات الصحفية، وهو هامش متسع ولكنه عرفى ويمكن الانقضاض عليه، ولكن هذا الضيق مصحوب بتحرش علنى بحرية الصحافة يعكس أزمة السلطة العليا عند منحنى انتقالها، فهى لا تعرف خطاها المقبلة، وتستشعر وطأة الزمن، وتدرك أن عليها حسم أمرها فى مسألة الخلافة، ولكن المسألة لا تحسم، ولا يبدو سهلاً أن تحسم، والزمن يمر، وحقائقه تطغى على النهايات الطويلة.

بدا فى لحظة أن رشيد محمد رشيد يوشك أن يصعد إلى مقعد نظيف، وأن رجال جمال مبارك مستعدون للإمساك بمقاليد الحزب والحكومة، وأنه شخصيا يمكن أن يصعد إلى مقعد والده فى رئاسة الحزب الوطني!. ثم تراجعت كل هذه التكهنات، وبدا أن فرص جمال مبارك فى لحظة أخري، عندما اشتدت شائعات مرض الرئيس، محدودة للغاية فى خلافة والده، والرئيس يدرك ذلك، ويدرك حقائق القوة والسلطة فى مصر ولايريد أن يضع نجله الأصغر فى الجحيم - على ما قال ذات مرة، ولكن هناك قوى وأطرافا نافذة تسعى لاتخاذ خطوات راديكالية فى التوريث الآن، ولا تفلح فى ذلك، وتزيد عصبيتها، وتعتقد أن الصحافة تتحمل مسئولية عرقلة هذه الخطوات، وتحريض الرأى العام عليها. وتعتقد هذه الأطراف النافذة أنها تمكنت من ضرب فاعلية الإخوان المسلمين بحملات الاعتقال والمحاكمات العسكرية، وتطويق حركة استقلال القضاة، وامتصاص الاحتجاجات الاجتماعية فى حدود يتحملها النظام، وأن الصحافة المشاغبة قد حان دورها!، وهو تصور يفارق الواقع، فتلك الصحافة تمثل نسبة كبيرة الآن من سوق التوزيع، وتحظى باحترام الرأى العام وثقته، والمنظمات الدولية المعنية بالحريات الصحفية لديها حساسية خاصة من المس بأية حريات صحفية، فما بالك والصراخ يرتفع هنا فى مصر: "اضرب.. اسجن.. اذبح". والمعنى أن حرية الصحافة تتجاوز الصحفيين إلى تقرير المستقبل السياسى للبلد، وفى الفترة الأخيرة حاولت بعض الأصوات أن تعزو فشل نجل الرئيس فى بناء صورة إيجابية لدى الرأى العام كخليفة محتمل لوالده إلى الصحافة الحرة من حزبية وخاصة وانتقاداتها المتكررة للتوريث، وأن تعزو فشل الحكم فى إقناع الرأى العام بالتقدم الذى يقول إنه قد حدث فى المؤشرات الاقتصادية إلى ذات الجهة! وهذا اعتراف بالتأثير الذى تملكه تلك الصحف والفشل المزرى الذى لحق بأدوار "ديناصورات شارع الصحافة". والمعني: إحالة أزمة الحكم من "أزمة سياسية" إلى "أزمة تسويق"، وأن المشكلة ليست فى السياسات ولكن فى إقناع الرأى العام بها، غير أن الرأى العام لا يقتنع!. فالقاعدة الاعلامية أنك لا تُقنع إلا بما هو مقنع، والنظام لا يقنع أحداً، ولا قاعدة تأييد صلبة للوريث، والتناقض صارخ بين الفكرة الجمهورية وما هو منسوب لأسرة الرئيس من أدوار غير دستورية.. والناس ضجرة من السياسات الحالية وما أدت إليه من تراجع فى مستويات المعيشة، ومن أزمات تمددت إلى المياه والكهرباء ووزن رغيف الخبز والارتفاع المطرد لأسعار الخضراوات، وتكاليف العلاج والمدارس، بما جعل الحياة همًا ثقيلاً لا يطاق. 

تبدو فجوة الكراهية متسعة بين الناس والحكم -على ما كشفت الشائعات حول مرض الرئيس، ولابد من أن تتحمل جهة ما مسئولية كراهية ماهو قائم، وإثارة الفزع مما هو قادم. وكانت الصحافة الحرة هدفا مباشراً لسيوف سلطة فقدت شرعيتها ورشدها فأخذت تطفئ آخر قناديل أمل فى هذا البلد. ولا نظن أن سلطات الأمن فى بلد مثل مصر قد أصابتها غفلة حتى تعتقد حقاً أن جريدة مثل "الدستور" بوسعها أن تنشر الشائعات على النحو الذى جرت به واصلة إلى قلب العشوائيات وأعماق الريف المصري، ولكنها اتهمت "الدستور" ولخصت أزمة الشائعات فى رئيس تحريرها، وتغاضت عن الدلالات الحقيقية للشائعات، والأسباب التى وقفت وراء انتشارها، والعجز الفادح للدولة وصحافتها فى معالجتها - باعتراف رئيس المجلس الاعلى للصحافة صفوت الشريف. وبدلا من أن يواجه النظام الحقائق انقض على حرية الصحافة. فهو لم يعد بوسعه أن يقيم أو يقوم أو يراجع أو يرمم علاقاته المنهارة مع شعبه. ومؤسساته بالمعنى الاحترافى تراجعت، والسلطة مقاديرها العليا لم تعد تخضع للاعتبارات الدستورية، و.. إجمالا: الثقة العامة فى الدولة تراجعت، وهذه ليست مسئولية الصحافة الحرة - على ما يقولون، بل مسئولية الذين فشلوا فى اكتساب ثقة الناس، حتى أحالوا حلم الخديو إسماعيل بأن تكون مصر قطعة من أوروبا إلى حلم من نوع آخر عبر عنه الأديب الكبير بهاء طاهر ساخراً: "أخشى أن يكون أملنا الآن أن تكون مصر قطعة من بنجلاديش!".

والمعضلة الكبرى أن انتقال السلطة فى مصر بعد مبارك لا يخضع لقواعد شرعية أو دستورية أو سياسية لها قدر من التماسك والاحترام، وهناك مخاوف واسعة من فوضى قد تضرب البلاد. ويحاولون الإيحاء بأن الصحافة الحرة، التى تتحدث فى تلك الملفات الحساسة بجرأة وشجاعة، مسئولة عن إشاعة تلك المخاوف كأنها غير موجودة أو محض أوهام على حواف ورق صحف!.

والحقيقة أن الصحافة الحرة ليست مسئولة عن كل تلك الاتهامات التى تتردد فى أروقة القصر الرئاسى وحزبه الوطنى ولجنة سياساته!.

المسئولية يتحملها الرئيس مبارك ونظامه، وسيناريوهات التوريث التى شلت قدرة البلد وأنهكته، وأفقدت مؤسساته قدراتها. وهناك من يقول إن المحامى الذى رفع دعوى قضائية على رؤساء التحرير الأربعة استأذن قيادات الحزب، وأن جمال مبارك كان لديه علم، وهو ما يستحق الرد عليه، فالمعنى الخطير -هنا- أن جهات فى السلطة تابعت دعوى "الحسبة السياسية" ووافقت عليها، وأنها ـ ربما ـ سعت للتلويح بحبس رؤساء التحرير الأربعة، وهو فوق طاقة النظام، وليس بوسعه أن يحتمل نتائجه داخليا ودولياً، قبل التدخل لإلغاء الحكم أو التبرؤ من مسئولية الحزب الوطنى عنه، قبل ذبح إبراهيم عيسى منفردا فى قضية الشائعات. وبحسب المعلومات المؤكدة فإن هناك شعورا عميقا بالأزمة داخل دوائر الحكم من جراء الحكم بحبس أربعة من رؤساء التحرير دفعة واحدة فى يوم واحد، وهناك اتجاه قوى لسرعة إنهاء ملف الأربعة. ولكن يصاحب المرونة النسبية فى التعاطى الرسمى الأولى مع هذا الملف، تشدد فى ملف قضية الشائعات، وميل قوى إلى المضى فيه إلى النهاية، والقضية هنا تتجاوز مصير "الدستور" ورئيس تحريره إبراهيم عيسى إلى المبدأ ذاته، فالحبس فى قضايا النشر خط أحمر، والتهاون فيه يعنى خسارة المعركة كلها، فحبس صحفى واحد فى قضية نشر مما يرهب ويخيف ويقيد الحريات الصحفية، وقد يثير أجواء من الذعر عند الاقتراب من الملفات الحساسة.

ولا نقول إن الصحفيين على رأسهم ريشة، أو أنهم فوق المحاسبة، ولكن الرفض ينصب على العقوبات البدنية، أو العمل على الزج بالصحفيين فى السجون والتحريض عليهم، والحل -فى حالة عيسي- سحب قضيته من أمام المحاكم والاكتفاء بالحساب النقابى أمام لجنة تفعيل ميثاق الشرف الصحفي، شأن صحيفتين أخريين أحيلتا إليها.

الفصل بين القضيتين، واعتبار احتمال إنهاء الأولى وتصعيد الثانية إنجازا، على ما يخططون الآن، هو فى حقيقة الأمر كارثة مهنية وأخلاقية.

قد تختلف مع عيسي، ولكنك حين توافق على سيناريو ذبحه تخون شرط الضمير، وتسلم حرية الصحافة إلى جزاريها، وتقر مبدأ الحبس، وسوف يتبعه آخرون، وتراجع الصحافة الحرة قد يغرى بتنكيل بها أوسع وأشد.

الحرية تغرى بمزيد من الحرية، والقمع قد يؤدى إلى إطفاء جميع مصابيحها._ العربي _

 

حديث (العصا الغليظة )

عبدالله السناوي

بدا “حديث العصا” سريعاً فى إيقاعه، ومدهشاً فى لغته، ومثيراً أن ينتقل فى لمح البصر الى الصحافة وحريتها!. فهناك اعتقاد يبدو جازماً فى السلطة العليا وما حولها ان الصحافة، واتساع هوامش الحرية التى تعمل فيها بصورة غير مسبوقة، ولكنها عرفية، تتحمل المسئولية الرئيسية فى الانتقاص من هيبة الرئاسة، وهيبة الدولة معها. والمعنى الصريح ان استعادة هيبة الدولة يستدعى قطع رقبة الصحافة. وهو معنى يغالط نفسه قبل أن يغالط الآخرين. فالهيبة لا تستعاد بالقمع وقطع الرقاب وزج الصحفيين الى السجون، والهيبة لا تستعاد بسطوة السلطة وحدها. وهناك فارق كبير بين الهيبة والبلطجة، فالأولى تفترض القبول العام وتستند على شرعية مؤكدة، وتتطلب ان تكون لديها رسائل أمل الى مواطنيها بأن الغد ربما يكون أفضل، والثانية لا تعرف غير السياط والعنف، ولغة الوعيد، والتلويح بإخراس الصحف وزج الصحفيين الى السجون ـ كأن الدولة فشلت تماماً فى مهامها ولم يعد أمامها من أهداف غير التخلص من صداع صحافتها وغضب الرأى العام فيها!. ومن الخطأ اعتبار حرية الصحافة مسألة تخص الصحفيين وحدهم، فهى قضية تتعلق ـ أساسا ـ بحيوية المجتمع وقدرته على كشف مواطن الخلل فيه، وداخل مؤسساته العامة. وأية فكرة افتراضية للتقدم أو تحسن الأحوال المتردية تعنى توسيع هامش الحريات الصحفية، لا الانقضاض عليها، وضمان استقلال القضاء لا التحرش به والضغط عليه بقوة السلطة التنفيذية. وعندما لا تتوفر فى مجتمع ـ على ما هو الحال فى مصر ـ سلطة برلمانية حقيقية تحاسب وتراقب، أو بحث علمى متقدم فى جامعات مستقلة، أو قضاء مستقل، أو حياة حزبية نشطة، أو مجتمع مدنى يأخذ بزمام المبادرة فيه، فإن العدوان على هوامش الحريات الصحفية يؤشر على أننا نوشك أن ندخل إلى نفق معتم لا ضوء فى نهايته. ولكن ذلك كله لا يعنى أن الصحفيين فوق رءوسهم تيجان من ريش، أو هم فوق الحساب والمساءلة القانونية. الصحافة الحرة تجتهد وتصيب وتخطئ، فلا حرية معقمة، غير أن التحرش بالمبدأ ذاته قضية أخري. فهناك ضيق بحرية الصحافة، وتحريض عليها، وسيوف الاغتيال جاهزة، و”الأوركسترا” فى الصحافة الرسمية ينشط بكل همته لتهيئة المناخ العام لمذبحة تتبدى مقدماتها. فى البداية: حاولوا أن يقولوا -على خلفية أزمة شائعات مرض الرئيس- إن الصحافة الخاصة أغلبها التزمت الموضوعية وفندت الشائعات، وإن الصحافة الحزبية استغلتها للمطالبة بالإصلاح السياسي، وإن الصحف المارقة ثلاث: “الدستور” و”البديل” و”الكرامة”!. وكان الهدف عزل هذه الصحف عن شقيقاتها، والأخطر: عزل معالجات شائعة مرض الرئيس عن سياقها الاجتماعي، فقد كشفت الأزمة عن فجوات كراهية تتسع بين نظام الحكم والشارع. الصحافة الحرة لا تتحمل على أى وجه مسئولية الشائعات وتضخيمها، فقد انتشرت وتفاقمت ووصلت إلى أعماق الريف قبل أن تقترب منها الصحافة الحرة بحرف واحد. وكان من واجبها المهنى والسياسى أن تطلب الشفافية وإعلان الحقائق وأن تبحث فى مستقبل النظام السياسى بعد مبارك. قد تشط المعالجات ـ أحياناً ـ بنقص فى المعلومات تسبب فيه قصور الدولة عن معالجة الأزمة، ولكنه شطط يدخل من ضمن الحرية، فلا حرية بلا شطط، والديمقراطية - كما يقال دائماً- تصحح أخطاءها بالديمقراطية والتوسع فيها وإقرار حق الشعب فى المعرفة. والمعنى الجوهرى فى كل ما جرى أن الأزمة تتجاوز المجلس الأعلى للصحافة وتقاريره والمعالجات العصبية للدولة لانها تتعلق بالمستقبل كاشفة ما قد يحدث فى اليوم التالي. وهناك من يعتقد، والشواهد امامه، أن الهدف من القمع هو منع تناول “ملف صحة الرئيس” مستقبلا. وهذا كلام خطير يحجب الحقائق عن الشعب، ويعزله عن مصائره، ويجعل من مستقبل النظام السياسى مساءلة كهنوتية يجرى البحث فيها فى غرف مظلمة. قد تصمت صاحبة الجلالة مجبرة، أو تتكلم وتدفع الثمن من حرية صحفييها، ولكن من قال إن الشائعات سوف تتوقف موجاتها، غير أنه لن تكون هناك ـ وقتها ـ صحافة ترشد الرأى العام إلى المعلومات الثابتة، طارحة الحقيقة عليه، أو تناقش أمامه مستقبل الدولة المصرية، وما قد يحدث فيها ولها مستقبلاً بعد مبارك. اللعبة المعتمدة حددت أهداف القنص فى صحف ثلاث مارقة!، وغضت الطرف عن تجاوزات منسوبة لصحف أخري، فقد كان فوق طاقة الدولة مواجهة أعداد أكبر من الصحف مرة واحدة، أو الدخول معها فى معركة مفتوحة. ثم جرى الفصل بين الصحف الثلاث، وعجل بإحالة “الدستور” منفردة إلى نيابة أمن الدولة، والتصرف سريعا فى الملف بالنظر فى القضية أمام محكمة جنح فى الأول من أكتوبر المقبل. وكان الهدف المباشر من هذا الفصل محاسبة إبراهيم عيسى على مجمل أعماله، أو تسوية حسابات شخصية وسياسية، يدخل من ضمنها ما تنسبه اليه سلطات الأمن من صلات خاصة بجماعة الإخوان المسلمين فى التعبير عن توجهاتها. وقد ضغطت شخصيات نافذة لدفع حمدين صباحى رئيس تحرير “الكرامة” ومحمد سيد سعيد رئيس تحرير “البديل” إلى المصير ذاته أمام نيابة أمن الدولة. وفى اليوم السابق على اجتماع المجلس الأعلى للصحافة ارتفعت داخل اللجنة القانونية أصوات تطالب بإحالة “الكرامة” و”البديل” إلى نيابة أمن الدولة أسوة بـ “الدستور”. ومن بين هذه الأصوات: الدكتورة آمال عثمان والدكتور شوقى السيد، غير أن الرئيس مبارك - وهذه معلومات مؤكدة- رفض تلك التوجهات، ودعا صفوت الشريف رئيس المجلس الأعلى للصحافة إلى أن يلعب المجلس دوره فى إحالة الملفات إلى نقابة الصحفيين للتحقيق فيها وفق قانونها. وهناك باليقين أخطاء مهنية وقعت، ولكنها أخطاء من يعملون ويجتهدون فى ظل غياب المعلومات، أو اعتبار مرض الرئيس سرا حربيا، وحمل إبراهيم عيسى -فى تحقيقات نيابة أمن الدولة- مسئولية تكدير السلام الاجتماعى وبث الشائعات والبلبلة وخسارة الاقتصاد الوطنى (350) مليون دولار، وخرجت شهادات من البنك المركزي، وأخذنا نستمع إلى كلام عجيب يناقض ما نشرته الصحف القومية ذاتها فى ذروة الشائعات من ارتفاع مؤشرات البورصة!، ثم تمددت الأزمة الى صدام محقق بين الدولة والصحافة بصدور حكم قضائى يقضى بحبس أربعة من رؤساء التحرير بتهمة اهانة رموز الحزب الوطنى من رئيس الجمهورية ونجله الى أحمد نظيف وحبيب العادلي. وهو حكم مستغرب فى منطوقه القانوني، ومثير فى توقيته بما يضع الحكم طرفاً فيه ومحرضا عليه. نقابة الصحفيين اعتبرته يوماً أسود فى تاريخ الصحافة المصرية، وهو فعلاً يوم أسود يمتد سواده الى المستقبل. فلا أحد يعرف بيقين ما يدبر للصحافة الحرة من اجراءات تذبحها واحدة إثر اخري..!. ومن يعتقد من الصحفيين أن المصائر قد تختلف فهو مستغرق فى الوهم، فما إن يقطع رأس واحد حتى تتلوه رءوس، وما إن يغلق منبر رأى واحد حتى تتبعه المنابر الأخري، فقضية الحرية واحدة. وهذا ما حدث بالضبط، وتولت الدولة الفاشلة إحباط مخططها فى الانفراد بالصحف الحرة واحدة إثر أخري.. فـ “بضربة واحدة” دخل إلى ميدان الحبس عادل حمودة رئيس تحرير “الفجر” الذى اعتبره قبل ثلاثة أيام تقرير الممارسة المهنية الصادر عن المجلس الأعلى للصحافة بأن ما كتبه ساعد على تفنيد الشائعات، ووائل الابراشى رئيس تحرير “صوت الأمة” الذى وصفه ذات التقرير بأنه رفض الدخول فى ملف الشائعات لانه يعرف أنها غير صحيحة، واتخذ التقرير الابراشى دليلا على موضوعية صحيفة تناهض سياسات نظام الحكم الحالي، وعبدالحليم قنديل رئيس تحرير “الكرامة” السابق، وللدولة حساب معه يطارده إلى منزله، و إبراهيم عيسى رئيس تحرير “الدستور”، والحكم القضائى يثبت أن الحملة عليه تتجاوزه إلى حرية الصحافة. و.. هنا يتبدى خلل جوهرى ـ من حيث الشكل على الأقل فى حالة عيسي- فما هو منسوب لـ “الدستور” من تجاوزات فى معالجة شائعة مرض الرئيس نسبت بنصوصها لصحيفتى “البديل” و “الكرامة”، وينبغى أن تخضع “الدستور” لذات الاجراءات، أما أن تذهب منفردة للقضاء فهذا تقصد سياسى وشخصى وهو ما أكدت عليه أمام المجلس الأعلى للصحافة. والأغرب أن تذهب إلى التحقيق النقابى فى ذات وقت مثولها أمام القضاء، فهذا تمثيل بها، وتعريض بنقابة الصحفيين، أو إحالتها إلى جهاز مرفق بالدولة، وهو ما يرفضه الصحفيون، وقد دعوت - فى اجتماع المجلس الأعلى للصحافة- رئيس الجمهورية إلى التدخل لإلغاء محاكمة عيسي، إذ أن هذه المحاكمة تجرى باسمه وتتعلق به، مما يدفع للاعتقاد على نطاق واسع أنه قد عصف بعيسى لهذا السبب وحده، وهو ما يسيء إلى الرئيس قبل أى انسان آخر. ومما يسيء للرئيس -أيضاً ـ حبس الصحفيين رغم وعوده التى لم تتحقق بمنع الحبس فى قضايا النشر، أو أن تعود أحكام قضائية لتقضى بنصوص قانون لم يعدل، ورفض مجلس الشعب أن يعدلها، وقيل لنا إنها نصوص مهجورة لن تنفذ، فإذا هى الآن تنفذ، وتثبت أن وعود الرئيس لا قيمة لها، وأن الحبس فى قضايا النشر سيوفه مسلطة على رقاب الصحفيين، وعلى رقاب المجتمع، وتؤكد أن الحريات الصحفية المتاحة عرفية ومؤقتة، ويسهل الانقضاض عليها من خفافيش الظلام، التى تكره الصحافة وحريتها، وتتمنى أن تقطع رقبتها الآن. المعركة مفتوحة وجبهاتها متعددة، وتتوقف نتائجها على ما قد يتخذه الصحفيون من مواقف تثبت جدارتهم بقضية حرية الصحافة ، التى هى أعز ما تملكه مصر الآن._ العربي _

 

مهرجان الغروب

عبدالله السناوي

بدت التصريحات المنسوبة لرئيس الجمهورية على صدر صحيفة “الأهرام” كلاماً خارج النص، فالهدف الظاهر من توقيت حديث الرئيس نفى موجات متتالية من الشائعات سادت وانتشرت وبالغت في الحديث عن حالته الصحية ووصلت إلى أسوأ الاحتمالات. غير أن الرئيس لم يتطرق في حديثه إلى حالته الصحية، أو الإشارة إليها، والصحيفة لم تسأله عنها، بل سألته عن شائعات التعديلات الوزارية! كأن تلك التعديلات المحتملة كانت موضوع الشائعات الخطيرة.

والغريب في النص المرتبك، والكلام على حوافه، قول الرئيس إنه يعرف أصحاب الشائعات وأغراضها، ثم يصمت عن الكشف عما يعتقده هدفاً من موجة الشائعات، التى اقتربت من حياته، أو من هم أصحابها، وما الوسائل التى قد يتخذها لضمان سلامة انتقال السلطة في مصر مستقبلاً، وتهدئة المخاوف العامة من احتمالات فوضي، أو أن تخرج الصراعات المكتومة داخل الطبقة السياسية الحاكمة إلى العلن دون ضابط أو رابط أو قواعد حاكمة. تجاهل الرئيس ذلك كله، وأخذ يعرب عن آرائه في رؤساء الحكومات السابقة، ويفيض في الحديث عن الشائعات التى أحاطت بهم. وذلك كله كلام خارج النص، وخارج المشهد، وخارج السؤال العام الذى أخذ يتقصى أية معلومات محققة حول صحة الرئيس.

•  يقول المصريون -عادة- إنه لا دخان بلا نار، وانتشار الشائعات على هذا النحو غير المسبوق دليل على ان هناك شيئاً ما يراد إخفاؤه، أو على الأقل.. هذا هو الاستنتاج العام.

ولا يصح عندما تتعرض شائعات بمثل هذه القوة والزخم لصحة الرئيس أن يكون الرد عليها زيارات متعجلة إلى “القرية الذكية” و”برج العرب”، أو تصريحات منسوبة إليه تتحدث عن شائعات التعديلات الوزارية!. والأغلب أن يكون الرئيس قد تعرض لوعكة صحية، وهذه من طبائع الأمور، فهو شأن أى إنسان آخر يمرض ويشفي، وحياته ملك خالقه، وسنن الحياة تحكمه كما تحكم غيره، وهناك حدود للطاقة البشرية وللأعمار، ومع التقدم فيها تزداد الشائعات، وتجد من هو مستعد لتصديقها!. ومع غياب الشفافية والمعلومات المصدقة تتفشى الشائعات والتكهنات والمعلومات الناقصة وتمضى بعيداً.

وقد بدا الشارع مستعدا لتصديق أنباء عن صحة الرئيس، بعضها منسوب مباشرة لبعض الدوائر الدبلوماسية، أو رجال أعمال لهم صلات مباشرة بالقصر الرئاسي، أو أطباء، أو اعلاميين تابعوا التكهنات المرسلة عند جذورها دون أن يتوافر لهم دليل قاطع. فالشائعات تنطلق في موجات متعاقبة، وتتصاعد في تكهناتها من مرة إلى أخري.. وفيما كان الاعتقاد في أعقاب زيارة القرية الذكية أن تنكسر الشائعات تصاعدت بصورة نالت هذه المرة من حياة الرئيس. وساد إنطباع عام مال الناس إلى تصديقه بأن الصور المنشورة أرشفية، وبدت الصور المنشورة في “الأهرام” على صفحتها الأولى متباينة في لون “جاكتة” بدلة الرئيس، وربما كان ذلك بسبب أخطاء في فصل الألوان، ولكن المناخ العام رجح الاحتمال الأسوأ.

واستدعى ذلك -مرة أخري- ظهور الرئيس في برج العرب لنفى الشائعات، ولكنها لم تخفت تماما. وتظل التساؤلات مشرعة، فما حدث لايمكن أن يكون اختلاقا كاملا، هناك مبالغات بالطبع، وربما تكون هناك أطراف لها مصلحة في ترويجها، لكن ما حدث يفوق قدراتها، ولابد أن نتأمل المشاعر العامة، فهى كاشفة لفجوات تتسع بين الحكم والشارع.

•  لعل السفير الأمريكى هو أول من أشار إلى وعكة صحية ألمت بالرئيس. وفى العلاقات الحالية التى توصف بأنها خاصة واستراتيجية مع الولايات المتحدة، فقد يكون طبيعيا أن تصل المعلومات الأولية في مثل هذه الأمور الحساسة إلى السفارة الأمريكية بالقاهرة، التى تقوم -بطبائع دورها- بنقل ما لديها إلى واشنطن، والإدارة الأمريكية معنية بالملف وداخلة في معادلات اليوم التالي. واللافت أن السفير الأمريكي، على عكس ما هو معتاد في ملفات أقل أهمية، لجأ إلى الصمت، ولم ينف على أى نحو ما نشر مستندا اليه عن صحة الرئيس. واللافت -أيضاً- أن السلطات المصرية لم تبد أدنى احتجاجا على ما هو منسوب للسفير الأمريكي، ولم تقدم أى إيضاح حول صحة الرئيس.

وبدا الملف حساسا للغاية، فما ينطوى عليه من تساؤلات تتعلق بقدرة الرئيس الصحية على إدارة أمور الدولة في اوقات عاصفة، رجح عدم الحديث فيه أو الاقتراب منه واعتباره خطا أحمر. وهو تصور قاصر، فالاعتراف بالمرض ومتابعة الحالة الصحية للرئيس من تقاليد الديمقراطيات، ومن حقوق المواطنين، ومما يضمن سلامة المناخ العام ويحصنه من الشائعات.

.. والأكثر إثارة فيما جرى أن سفراء آخرين من دول كبرى تبنوا ذات التكهنات وسعوا للحصول على إيضاحات حولها.. وهذا كلام مؤكد وثابت ويعرفه المراسلون الأجانب في القاهرة.

بل إن أطرافا في مكتب نائب الرئيس الأمريكى ديك تشينى أبلغت شخصيات عربية بأن صحة الرئيس المصرى ليست على ما يرام وأن هناك معلومات ترجح تعرضه لوعكة صحية جديدة. وأخذت هذه الشخصيات تنقل ما لديها من معلومات إلى القاهرة. ويصعب أن يقتنع المصريون بأن ما جرى شائعات لا أساس لها.

•  لابد أن الرئيس يدرك أن صحته العامة تتجاوز الاعتبارات الإنسانية والعائلية والأمنيات بالشفاء، إلى مستقبل النظام السياسى كله، وما قد يحدث بعده في اليوم التالي. والمكاشفة في مثل هذه الأمور أجدى وأجدر بالعناية، بدلاً من الكلام خارج النص، أو زيارات لا لزوم لها إلى القرية الذكية وبرج العرب وتصريحات مرتبكة حول الشائعات ونسبتها، على عكس ما جرى ويعرفه المواطنون جميعاً، إلى التعديلات الوزارية!. والكلام خارج النص تكشفه أحياناً بعض ثغراته، فالرئيس يقول، في التصريحات المنسوبة إليه، إنه لا يهتم بهذه الشائعات، مطالباً المصريين بعدم الالتفات إليها، والمعنى أن الرئيس يدعو ـ بظاهر القول ـ إلى عدم الالتفات إلى شائعات التعديلات الوزارية، بينما هو يقصد، بهدف الكلام، إلى نفى شائعات مرضه هو شخصيا، ودعوة المصريين ـ هنا.. وبهذه الطريقة ـ إلى عدم الالتفات إلى تلك الشائعات التى تعرضت لصحته وحياته، تحمل ضمناً دعوة أخرى إليهم بأن صحة الرئيس أمر لا يعنيهم.. وكانت تلك أخطر رسالة حملتها موجات الشائعات التى سادت وانتشرت وذهبت بعيداً. إذ بدت القوى السياسية المصرية وجماعات المثقفين خارج النص، وخارج القرار، وخارج ما قد يحدث في اليوم التالي.

 

•  حقائق جاورت موجات الشائعات أثبتت أن اليوم التالى قد ينطوى على مخاطر بلا حد، فليست هناك قواعد حاكمة لانتقال السلطة، غياب النائب يصنع فجوة انتقال، وقد يقال إن هناك انتخابات رئاسية بعد فترة قصيرة يحددها الدستور لا تزيد على شهرين تضمن انتقالا ديمقراطيا وسلميا للسلطة. ولكن هذا كلام معلق على أوهام، لأن الدستور لا يجرى احترامه الآن، والعبث فيه فرغه من قوته الملزمة. وإذا أقدم صاحب السلطة الجديد على إلغائه، فإن أحدا غير مستعد للدفاع عنه. وقد يقال إن الدستور الحالى قطع الطريق على مؤسسات القوة لأن تتقدم بمرشحها، كما حدث مع الرئيس مبارك، إذ إن التعديلات الدستورية التى أدخلت عليه وضعت قيودا على الترشح وشروطه. ويبدو أن التعديل كان مقصودا لقصر الترشيح على نجل الرئيس أمين لجنة السياسات، إذ يصعب أن تترشح أية شخصية سياسية أخرى من قيادات هذا الحزب تتوافر فيها الاشتراطات المنصوص عليها في الدستور، فللعبة الحقيقية قواعد أخري، هم يدركونها قبل غيرهم. لكن الحقائق تغلب دوماً، والقوة تفرض كلمتها. والمرجح -هنا- أن يتبنى الحزب الوطني، وأجهزة الدولة معه، جمع التوقيعات المطلوبة دستوريا لمرشح مستقل، سوف يكون في هذه الحالة عسكريا بثياب مدني، وتمضى اللعبة إلى آخرها، الحزب الوطنى يؤيد ومجلس الشعب يبايع والدولة كلها بأجهزتها تسعى لحصوله على الأغلبية الكاسحة في الانتخابات. وفى بلد مثل مصر يصعب تصور أن تتمدد فيه فوضى الحكم أكثر من (48) ساعة. قد تضربه الفوضي، ولكنها لا تطول.. هذه حقائق دولة مركزية.

•  المحزن أنه حين يحدث انتقال السلطة فإن الناخبين الكبار لرئيس الجمهورية المقبل هم خمسة على وجه التحديد: الناخب الأول والرئيسي.. مؤسسات القوة في الدولة المصرية، فقد جرت التقاليد منذ ثورة 1952 على أن يتقلد السلطة العليا أحد أبناء القوات المسلحة، وكلمة هذا الناخب في لحظات الحسم لها سطوتها. ولكنها محكومة باعتبارات عصرها وموازين القوى التى تتحكم في نظام الحكم الحالي. ولا أحد بوسعه أن يتجاهل الناخب الثاني: الإدارة الأمريكية وأدوارها المحتملة، فشبكة علاقاتها داخل النظام متشعبة، ورجالها في الحكم وجماعات رجال الأعمال جاهزون، والمؤكد أن أدوارها سوف تكون حاضرة ومؤثرة ومتداخلة مع أدوار محتملة للناخب الثالث الإسرائيلي.

وهذا كلام محزن ولكنه داخل النص بكل أسف.. المصالح تحكم والاستراتيجيات لها خططها ورجالها ومن يمثلونها، والناخب الرابع.. اسرة الرئيس. إذ يصعب أن نتصور أن تتوارى كما فعلت أسرة الرئيس السادات عند انتقال السلطة، فقد كانت هناك على كل الأحوال قواعد واضحة لهذا الانتقال، ونائب لرئيس الجمهورية ينتسب للقوات المسلحة، وأحوال اضطراب استدعت حسم الملف بسرعة. وعندما بدا أن صحة الرئيس تعرضت للخطر أثناء حادثة مجلس الشعب، أخذت بعض الجماعات داخل مجلس الشعب تتشاور مع رئيسه الدكتور فتحى سرور في دعوة المجلس إلى انعقاد سريع، فيما لو حدث تهديد لحياة الرئيس، لترشيح نجله جمال رئيسا للجمهورية والاستفتاء عليه وفق النصوص الدستورية وقتها.

وكانت الفكرة في ترشيح مبارك الابن تستند على اعتبارات قيل بعدها بأن عواطف اللحظة غلبت عليها، ولكن تجسيدها الآن يستند إلى حضور سياسى مباشر لنجل الرئيس ومشروع توريث، غير أن فرصه محدودة إذ إن الناخب الخامس لايوفر له أدنى قبول أو مشروعية لتقلد المنصب الرفيع، هذا الناخب هو ما يمكن أن نطلق عليه.. “الغطاء المدنى والسياسي”، بمعنى ان أى رئيس جمهورية مقبل لابد لناخبيه الرئيسيين أن ينظروا لما يحظى به من دعم من المجتمع المدنى والسياسي. وهو عنصر مرجح ولكنه غير حاسم بمفرده.

•  الحقائق تكشف خواء المسرح السياسي، وهنا موطن الخطر الحقيقي، ونظام الحكم منكشف، ولا أحد يعرف ماذا سوف يحدث في اليوم التالي، والشعب مستبعد من معادلات ونصوص السلطة الحالية، والأحزاب غائبة، والحزب الوطنى مشغول بالصراعات بين أجنحته، ولكن تلك الأجنحة سوف تتكسر عند انتقال السلطة.

وهناك كلام كثير منسوب لجمال مبارك بأن انتخابات الحزب الوطنى ديمقراطية من القاعدة للقمة، قبل أن يتقرر أن يعين الرئيس أمناء الحزب الوطنى بالمحافظات في نهاية سبتمبر الحالي. والمعنى انه لا انتخابات من القاعدة للقمة، ولا انتخابات لرئيس الحزب الوطنى تالياً، إلا أن تكون مهزلة!. غير أن صيغة الخبر المنشور بـ “الأهرام” يقول بالنص: “يصدر الرئيس حسنى مبارك قرارا جمهورياً بتعيين أمناء الحزب الوطنى الديمقراطى بالمحافظات.. عقب انتهاء المؤتمرات الانتخابية على مستوى الوحدات الحزبية والمراكز والأقسام والمحافظات”. وهو كلام غريب، وغير دستوري، ويستوجب محاسبة رئيس الجمهورية عليه، فليس من صلاحياته أن يصدر قرارات جمهورية بتعيين أمناء الحزب الوطني، قد يصدرها بصفته رئيسا للحزب، وهو إجراء غير ديمقراطى في كل الأحوال، لكن هذه مسألة أقل خطورة، أما ان يقال إن رئيس الجمهورية بصدد أن يصدر قرارا جمهوريا بتعيين أمناء الحزب الوطنى فمعناه أن الرئيس انحرف بسلطاته الدستورية وتجاوزها، واعتدى على حرية العمل الحزبي. والحقيقة أن تلك هفوة جريدة لا تدقق في صياغة أخبارها، ولكنها هفوة داخل النص الحقيقي، فالحزب الوطنى فعلاً جهاز بيروقراطى ملحق بالدولة. ويعمل وفق أجندة أجهزتها، وخاضع بالكامل لرئاسة الجمهورية.

•  الأوضاع الداخلية الهشة تنعكس -بالضرورة- على السياسة الخارجية وتضفى عليها ظلال الهشاشة وقلة الهيبة والاحترام. فمن الصعب أن تكون لحكومة بلد تتكشف فيه يوميا عمليات انتهاك حقوق وكرامات مواطنيه في أقسام الشرطة إلى حدود التعذيب والحرق والقتل أية مصداقية في إدانة انتهاكات لحقوق وكرامة مواطنيه في الخارج.

فمن يصدق وزير الخارجية أحمد أبوالغيط، أو المجلس القومى لحقوق الإنسان الذى يترأسه الدكتور بطرس غالي، عندما يدينان تعذيب مصريين في الكويت، إذا كان الله لم يفتح عليهما بكلمة واحدة في إدانة التعذيب المتفشى في اقسام الشرطة المصرية! والخطير في حوادث التعذيب أنها تعبر عن سقوط دولة القانون في مصر، وتؤشر إلى العنف واحتمالات توحشه سياسيا واجتماعيا.

واخطر ما في قصص التعذيب أنها تجاوزت انفلات بعض ضباط الشرطة وأخذت طابعا منهجيا. بعض أسباب توحش الظاهرة يعود إلى قلة الكفاءة المهنية لضباط الشرطة، وأن متطلبات الترقية تستدعى أن تسفر التحريات عن ضبط المتهمين، ولا وسيلة أخرى غير الضرب المبرح والتعذيب، وبعض أسبابها يعود إلى سقوط دولة القانون وتورط ضباط الشرطة في عمليات بلطجة ضد سياسيين ومواطنين عاديين، وأحيانا بهدف الحصول على مصالح محققة، وينسب إلى بعض أمناء الشرطة الحصول على إتاوات من سائقى “ميكروباص” أو من مواطنين عاديين تصادف أن وضعهم حظهم العاثر في طريق من يفترض فيهم أنهم حماة الأمن والقانون!.

وأميل إلى تصديق وزير الداخلية عندما يقول: “إن من يسقط أو تثبت عليه تهمة التعذيب تقطع رقبته”. ولكن لماذا لا يرتدع الآخرون، وتتوسع عمليات التعذيب؟. الإجابة أن الدولة، بتراجع القانون فيها، تطلق يد الشرطة، ولكنها تحذر من أن يضبط أحد ضباطها متلبسا بما أمرته سياساتها أن يفعل!.

وهذه أحوال دولة تخلت عن وظائفها في صيانة القانون، وتوحشت شرطتها إلى حد قتل “طفل شها” تعذيبا بتهمة أنه سرق “باكت شاي” لا يزيد سعره على خمسة جنيهات!.. في بلد يتضور جوعا!. وفى بلد جائع سدت أمام مواطنيه أبواب الأمل، لا تنتظر عطفاً على رئيس أو خفير!.

•  تدهور الأحوال الداخلية انتقلت بحقائق السياسة إلى أحوالنا الخارجية. وقد كشفت تصريحات السفير المصرى في لبنان حسين ضرار، وما أعقبها من جدل، محنة الخارجية المصرية وقلة كفاءة بعض العاملين فيها، وهى التى عرف عنها تقليديا أنها إحدى المدارس الكبرى في الوطنية المصرية والتقاليد المهنية. بداية الانهيار في تقاليد الخارجية المصرية صاحبت توقيع اتفاقيتى كامب ديفيد، وتحرش الرئيس السادات بخبرائها الذين أخذ يطلق عليهم “الميكانيكية”، باعتبار انهم يكثرون من استخدام تعبير “ميكانيزم”، والقصة رواها الدكتور بطرس غالي. ولكن الانهيار أخذ مداه في العقدين الأخيرين. فقد جردت الخارجية المصرية من ملفاتها، وغابت عنها أدواتها، فلا أدوات مؤثرة خارجيا تستند على حقائق قوة في الداخل. ثم بدا ان الهدف الجوهرى للسياسة الخارجية المصرية، كما أخذ يفهمه السفراء ويعملون على أساسه، هو الاستقرار. بمعنى أن جمود الداخل انتقل إلى سياستنا الخارجية. وبمعنى آخر بدا أن هدفنا في فلسطين هو استقرار السلطة، وعندما يحدث تنازع، فإبقاء الأمر على ماهو عليه، أو أن هدفنا في العراق استقرار الأوضاع على ما كانت عليه، وعندما يحدث الغزو استقرار الاحتلال والتحذير من التسرع في خروجه، وفى لبنان بدا ان الهدف هو استقراره، وهو هدف مطلوب لبنانياً، لكن مع غياب الأدوات والتصورات غابت الهيبة وانحازت مصر ضد مصالحها هناك، وفى كل الأحوال، وهذا الكلام سمعته من دبلوماسيين مصريين، بدا أن أقصى ما يطمحون اليه ـ مع غياب التصورات، وطلب الآخرين من مصر أن تستدعى ذاكرتها التاريخية ومكانتها التى كانت ـ هو الحفاظ على مؤسسة الخارجية المصرية، فقد يُسألون عن مواقف دولتهم في قضايا شائكة، ولا تكون لديهم إجابات، فيقدمون اجابات ملتبسة يصفونها هم أنفسهم بأنها: “فهلوة دبلوماسية”، إذ إن الخارجية المصرية باتت فقيرة في تصوراتها ومنزوعة الصلاحية عمليا.

وقد يبدو من طبائع مسارح اللامعقول أن يصرح السفير المصرى في لبنان حسين ضرار أن مواقف الزعيم الدرزى وليد جنبلاط، التى تتسم بالشطط وتتهم بأنها تعمل وفق أجندات غربية لاشعال المسرح السياسى اللبناني، هى بوصلة الحرية والاستقلال! وأن الاخرين يتحملون مسئولية الأخطار التى تحيق بلبنان وتهدده. ولكن تلك التصريحات الطائشة التى تخالف الأعراف الدبلوماسية تبدو طبيعية في الأوضاع التى وصلت اليها مصر في أحوالها وسياستها. وقد يبدو مثيرا أن ينخرط ممثل الدبلوماسية المصرية في صراع داخلي، لا يستخدم لغتها الدعائية الفجة غازى العريضى وزير الإعلام اللبناني، وهو من حزب جنبلاط.. ومع ذلك لم يحاسب السفير.

وعندما تكشف أن وليد جنبلاط نسب للرئيس مبارك، في حضور سفيره حسين ضرار، تصريحات خطيرة اكتفى وزير الخارجية أحمد أبو الغيط بالقول إنه لا يعتقد أنها قد حدثت، دون أن يعرف القارئ المصرى ماهو الذى لم يحدث! - وتلك كانت ملاحظة في محلها للصديق العزيز مجدى مهنا، المتواجد في باريس حالياً في رحلة علاج، ما قاله جنبلاط: إن مبارك أبلغه في لقاء بينهما بالقاهرة، في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق رفيق الحريري، أن “بشار الأسد سوف يخرج من لبنان ويحاسب”.

لم يكن أبو الغيط -وقتها- وزيرا للخارجية حتى يعتقد أو لا يعتقد في أن حكمة الرئيس تسمح أو لا تسمح بإصدار التصريحات الخطيرة المنسوبة إليه. وهى تصريحات تهدد العلاقات المصرية ـ السورية، ولها انعكاساتهاعلى المسرح اللبنانى الداخلى مما يقزم دور مصر بأكثر مما هو مقزم!.

•  الكلام الرسمى كله خارج النص من شائعات مرض الرئيس ووسائل الرد عليها، ومن تفشى تعذيب المواطنين في الأقسام المصرية والاحتجاج على تعذيب مصريين آخرين في أقسام الشرطة الكويتية، ومن إدارة نقل السلطة إلى انهيار الروح العامة وطلب رحمة السماء. خارج النص حقاً وفق الأعراف الديمقراطية أو السياسية أو الإنسانية أو الدبلوماسية، ولكنه كلام له إيحاءاته ورسائله في مهرجان الغروب. _ العربي الناصري _

 

عبدالله السناوي يتوقع
الرجل القادم !!

عبدالله السناوي

" الحالة الصحية للرئيس تتحكم -موضوعيا- في الحالة الصحية للنظام السياسي وتنعكس في مستويات الأداء العام لجهاز الدولة "الرئيس يدرك حقائق السلطة في مصر منذ ثورة 23 يوليو ويعرف أكثر من غيره: كيف وصل إلى المقعد الأول وحافظ على ه لأكثر من ربع قرن! صور الرئيس مبارك في زيارته إلى "القرية الذكية" تجاوزت ما ينسب عادة إلى مثل هذه الزيارات التقليدية لبعض مواقع العمل من اعتبارات سياسية إلى الرد بصورة مباشرة على شائعات انتشرت وتمددت في الأجواء الصحفية والدبلوماسية على مدي أربعة أيام عن صحة الرئيس، وأنه أخضع خلالها لعناية صحية فائقة بإحدي المستشفيات السيادية في القاهرة. الشائعات استندت -في البداية- إلى اجراءات أمنية استثنائية أحاطت بهذا المستشفي، وتأكد - فيما بعد- أن الرئيس أجري فحوصات اعتيادية واشعة رنين مغناطيسي ، وكانت النتائج مطمئنة غير أن الشائعات بالغت وذهبت بعيداً فيما تثير من اجواء ، ثم أخذت تستند إلى كلام منسوب لسفير الولايات المتحدة ، وهو ما يستحق التدقيق ، فلا يعقل ان يطلق الكلام بلا دليل ، عن معلومات أولية لديه عن وعكة صحية جديدة ألمت بالرئيس، أعقبته اتصالات من سفراء دول غربية أخري بمراسلي الوكالات والصحف التي تتبع دولهم تسأل وتستفسر عما إذا كانت لديهم معلومات محققة أو وسائل للتأكد من دقة ما يتردد عن صحة الرئيس المصري. الشائعات إنتقلت -سريعا- الي الفضائيات العربية.. قبل أن تأخذ طريقها إلى عوالم رجال الأعمال والبورصة تاليا. ووجدت تلك الجهات الاعلامية نفسها في مأزق، فهي لا تستطيع أن تبث أنباء تستند إلى كلام مرسل ليس هناك ما يؤكده، ولا تستطيع -في نفس الوقت- أن تتجاهل هذا الكلام. ومع غياب أي سند ثابت ومحقق للروايات المتداولة حول صحة الرئيس لم يكن بوسع أحد من الصحفيين العرب والأجانب أن يتحمل مسئولية تأكيدها أو نفيها، أو الاتصال بمصادر على ا لسؤالها، فالملف كله حساس. ورغم أن الشائعات تمددت، وأخذت تكتسب كل ساعة أرضية جديدة، ووصلت ببطبائع الأمور إلى آذان السلطات الرسمية، فلم يبد أن هناك استجابة معلنة، مما قوي من إحتمالات أن يكون الرئيس فعلاً قد تعرض لأزمة صحية جديدة . وفيما يبدو -الآن- أن المدي الذي وصلت إلى ه الشائعات وضغوطها على أعصاب الدولة إستدعت أن ينتقل الرئيس بنفسه إلى القرية الذكية وعقد اجتماعات لم تكن على أجندته، وليست لها من الناحية العملية أهمية كبيرة أو صغيرة. فالصور التقليدية ـ كأن يستقبل رئيس الوزراء أو بعض المسئولين الكبار ـ لم تعد كافية، فقد يظن أنها ارشيفية لتهدئة الشائعات والتكهنات والمخاوف. ولعل هذه الشائعة -بالذات- هي الأقوي والأخطر منذ تعرض الرئيس لوعكة صحية أثناء إلقائه خطابا في مجلس الشعب استدعت إجراء جراحة في العمود الفقري بالمانيا. والخطير -حقاً- في تلك الأجواء القلقة، التي صاحبت شائعة مرض الرئيس، أن أحدا لم يكن بوسعه أن يتوقع ما قد يحدث في اليوم التالي، والرئيس -كأي إنسان آخر- معرض للمرض، وأن يكون خطيرا، وحياته ملك خالقه.المسألة -هنا- تتجاوز الإعتبارات الإنسانية والعائلية، وأمنيات الصحة والعافية، إلى مستقبل النظام السياسي الحالي، وما قد يليه مؤثرا على البلاد ومصائرها لمدي قد يطول. الحالة الصحية للرئيس تتحكم -موضوعيا- في الحالة الصحية للنظام السياسي، وتنعكس في مستويات الأداء العام لجهاز الدولة، فرئيس الجمهورية يلعب دورا محوريا في النظام السياسي، وصلاحياته المنصوص على ها في الدستور استثنائية وتضعه عمليا فوق سلطات الدولة، وما يصدر عنه من إشارات أو انطباعات عامة تتحول -في دولة الرجل الواحد- إلى تعليمات وتوجيهات مقرونة بأوصاف الحكمة والرؤي النافذة!. كانت التحولات- والانقلابات في بعض الأحوال- في طبيعة نظم الحكم المتعاقبة تتبدي مع الانتقال من رئيس إلى آخر على مدي أكثر من 55 عاما. ومما يخيف -حقاً- أن الأفق السياسي مسدود، والاصلاح الدستوري معطل، والتعديلات التي أجريت على الدستور بدت ردة إلى الخلف وتشويها يصعب تدارك نتائجه عند انتقال السلطة، والأحزاب متراجعة، والحراك السياسي متوقف، واحتمالات الصدام بين الإخوان والدولة متصاعدة، بما قد يرشح لانفلات العنف من عقاله، واليأس من التغيير السلمي غالب، وسيناريوهات التوريث شلت البلد، وصراعات الحاشية تتحكم في موازين السلطة، والإحتقان الاجتماعي على أشده، مصحوباً باتساع فجوات الكراهية والضجر العام من نظام الحكم الحالي، والأخطر أن مؤسسات الدولة قد تفككت إلى حد كبير، ولا توجد قواعد واضحة لانتقال السلطة. هذه الأحوال لا تطمئن أن يكون انتقال السلطة بعد مبارك سلمياً وآمناً. دع عنك أية ادعاءات بأن التعديلات الدستورية تكفل انتخاب رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح، وأن بها من الضمانات ما يسمح أن تكون كلمة الناخبين مطاعة ونافذة!، ودع عنك أية أوهام بأن "الوطني" حزب حقيقي يتمتع بالأغلبية، وأن بوسع قياداته -بعد مبارك- أن تكون لها كلمة مسموعة في اختيار رئيس الجمهورية. لم يحدث ذلك من قبل في انتقال السلطة من السادات إلى مبارك، وليس هناك ما يدعونا للاعتقاد بأنه سوف تكون له كلمة في اختيار رئيس الجمهورية بعد مبارك. والرئيس نفسه يدرك حقائق السلطة في مصر منذ ثورة 23 يوليو والعهود التي لحقتها على مدي 55 عاما، والرئيس يعرف أكثر من غيره: كيف وصل إلى المقعد الأول، وحافظ على ه لأكثر من ربع قرن. فعلي مدي خمس سنوات عمل مبارك، بجوار السادات، نائبا للرئيس، وبدا انه لم تكن لديه صلاحيات حقيقية، وترددت على نطاق واسع -وقتها- جملة كانت تلحق باسمه في "نشرات الأخبار" وهي: "حضر المقابلة"، كأن أدواره اقتصرت على حضور بعض اجتماعات الرئيس السادات، غير أنه تبين -فيما بعد- أنه كان مشرفاً على "الملفات الأمنية" بتفويض مباشر من السادات، بما أتاح أمامه فرصة للتعرف على أحشاء المجتمع السياسي. وتلك الخبرة طبعت الأداء الرئاسي في عهده، وأصبح من المعتاد أن يقال إن الرئيس لا يستمع لغير الأمن!. ولكن خبرته الأمنية لم تكن من ضمن مسوغات صعوده لمقعد الرجل الأول خلفاً للسادات. ففور أن تأكد مصرع الرئيس تطلعت الأبصار الرسمية إلى القوة السيادية الأولي في البلاد، والتي تعتبر منذ 1952 السند الرئيسي لنظم الحكم المتعاقبة .من الناحية الرسمية تولي الدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب منصب "رئيس الجمهورية المؤقت"، وفق النصوص الدستورية وقتها، غير أنه في الليلة ذاتها التي خول فيها دستوريا رئاسة الجمهورية لحين إجراء استفتاء على رئيس جديد أصدر قرارا بتعيين حسني مبارك نائبا لرئيس الجمهورية (المؤقت)، إذ لم يعد مبارك- بعد مصرع الرئيس- يشغل دستورياً هذا المنصب، والأهم أنه خوله سلطات القائد الأعلي للقوات المسلحة. والمعني -في قرار أبو طالب الرئيس المؤقت- أنه نقل رئاسة الدولة على الفور إلى أصحابها الحقيقيين وممثليها في السلطة، ولم يمارس على أي نحو أية صلاحيات رئاسية يعتد بها تتجاوز إنهاء اجراءات نقل السلطة. قواعد السلطة الصارمة -إذن- حكمت انتقالها من السادات إلى مبارك.وكانت مبايعة الحزب الوطني وأعضاء مجلس الشعب والاستفتاء على ه استكمالا سياسيا وإخراجا دستوريا لحقائق القوة والسلطة في مصر.

في اللحظات العاصفة، تحت أصوات الرصاص التي ترددت بعد المنصة في جنبات أسيوط، بدا أن مصر في حاجة إلى "كمادات ثلج" على رأس يشتعل صداعا، وإلي الحفاظ على الدولة وصيانتها بأسرع وقت ممكن. وقد لعب مبارك هذا الدور في البداية، قبل أن تتحول كمادات الثلج إلى ثلاجات كبري جمدت فيها مصر لعقود طالت. وفي ظروف انتقال السلطة تحت أجواء طلقات رصاص توجه رئيس الوزراء -في ذلك الوقت- الدكتور فؤاد محيي الدين، وهو سياسي محنك وخلفيته التاريخية لها صلة باليسار، إلى وزير الدفاع حينها المشير عبدالحليم أبو غزالة سائلا: "يا فندم.. الآن لا يوجد غير الأخ مبارك وحضرتك، فماذا نفعل؟. وكانت إجابة أبو غزالة حاسمة: "طبعا.. الأخ مبارك". ولم تكن تلك مجرد كلمة رجل ربطته لسنوات صداقة شخصية مع مبارك، قبل أن تفترق بينهما السبل ، بل كلمة مؤسسة هي المرجعية الأولي وقت الجد للنظم السياسية التي أعقبت يوليو. هناك مؤسسات سياسية، ولكنها تفتقر إلى الشرعية الحقيقية التي يخولها البت في مثل هذه الموضوعات الحساسة، وتبدو في العقود الثلاثة الأخيرة أقرب إلى طبقة خفيفة من "الكاوتشوك" فوق كتلة من حديد للسلطة الحقيقية. بعد عبدالناصر بدت تلك المؤسسات على درجة كبيرة من التماسك والجدية، وتنطوي على محاولات لبناء تنظيم سياسي يحكم ويقود عملية تغيير واسعة، ولديها رصيد من الشرعية يخول لها البت في خلافة الرئيس عبدالناصر، وإعتمادا في نفس الوقت على سند الشرعية وحاميها. وقد تبدت عند نقل السلطة بعد عبدالناصر قواعد دستورية وتنظيمية حكمت اللعبة وضبطت الصراعات، وبدا أن المهمة الرئيسية هي خوض الحرب لتحرير سيناء المحتلة، وتخفيض الصراعات الداخلية إلى أدني حد ممكن من أجل إتمام هذه المهمة الكبري التي بدت مقدسة، واستند ذلك كله إلى شرعية يوليو، التي شرخت في هزيمة 5 يونيو، غير انها اكتسبت تفويضا جديدا بمظاهرات 9 و10 يونيو بهدف محدد هو إزالة آثار العدوان. وبغض النظر عن صراعات مكتومة جرت، وتباين في وجهات النظر بين رجال عبدالناصر، إلا أن الإتجاه العام استند الي قواعد الشرعية وضبط الصراعات، وتالياً استخدم الرئيس السادات صلاحيات رئيس الجمهورية في إطاحة من أوصلوه إلى الحكم، ولكن تلك قضية أخري، والأهم فيما جري أنه حظي في صراع السلطة بدعم صريح من سند السلطة ودرعها الحامي. وكنا نتمني أن نجاري الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس في توقعه، بأن يخلف مبارك رئيساً مدنياً، ولكن تلك الأمنية تعرقلها، بل وتنسف أية رهانات على ها، التعديلات الدستورية المعيبة التي بدا أنها مصممة لـ "سيناريو التوريث". يمكن -فعلا- أن يتولي الحكم بعد مبارك شخصية مدنية.. والقوي السياسية الرئيسية، وجماعات المثقفين، تتبني هذا الخيار الآن، بمعني الإنتقال إلى نظام جديد بقواعد جديدة ديمقراطية حقاً. .. ولكن للعبة أصولها، أن يكون الرئيس منتخبا من الشعب، في تنافس حر، وبقواعد نزيهة، وتوافق القوي السياسية على نزاهتها وتعبيرها عن الإرادة الشعبية. هنا يكون رئيس الجمهورية الجديد مستندا الي تفويض شعبي يخول له شرعية الحكم، وبناء نظام جديد تقوم فيه القوات المسلحة ـ التي لا شك في وطنيتها والإجماع على احترام أدوارها التاريخية ـ بدورها الطبيعي في حماية الدستور والشرعية بالإضافة الي أدوارها المقدرة في حماية الحدود والتراب الوطني. هكذا.. يكون الكلام يا دكتور أسامة جادا في موضع الجد. أما غير ذلك فإن السلطة -يقيناً- واصلة إلى أصحابها، ولكننا لا نعرف ما الخيارات التي سوف يعتمدونها، ولا كيف تحسم الأمور، وهذه كلها أمور مقلقة يتحمل مسئوليتها الرئيس مبارك.

 

مهرجان الغروب

بقلم عبد الله السناوي

بدت التصريحات المنسوبة لرئيس الجمهورية على صدر صحيفة "الأهرام" كلاماً خارج النص، فالهدف الظاهر من توقيت حديث الرئيس نفى موجات متتالية من الشائعات سادت وانتشرت وبالغت في الحديث عن حالته الصحية ووصلت إلى أسوأ الاحتمالات. غير أن الرئيس لم يتطرق في حديثه إلى حالته الصحية، أو الإشارة إليها، والصحيفة لم تسأله عنها، بل سألته عن شائعات التعديلات الوزارية! كأن تلك التعديلات المحتملة كانت موضوع الشائعات الخطيرة.

والغريب في النص المرتبك، والكلام على حوافه، قول الرئيس إنه يعرف أصحاب الشائعات وأغراضها، ثم يصمت عن الكشف عما يعتقده هدفاً من موجة الشائعات، التى اقتربت من حياته، أو من هم أصحابها، وما الوسائل التى قد يتخذها لضمان سلامة انتقال السلطة في مصر مستقبلاً، وتهدئة المخاوف العامة من احتمالات فوضي، أو أن تخرج الصراعات المكتومة داخل الطبقة السياسية الحاكمة إلى العلن دون ضابط أو رابط أو قواعد حاكمة. تجاهل الرئيس ذلك كله، وأخذ يعرب عن آرائه في رؤساء الحكومات السابقة، ويفيض في الحديث عن الشائعات التى أحاطت بهم. وذلك كله كلام خارج النص، وخارج المشهد، وخارج السؤال العام الذى أخذ يتقصى أية معلومات محققة حول صحة الرئيس.

يقول المصريون -عادة- إنه لا دخان بلا نار، وانتشار الشائعات على هذا النحو غير المسبوق دليل على ان هناك شيئاً ما يراد إخفاؤه، أو على الأقل.. هذا هو الاستنتاج العام.

ولا يصح عندما تتعرض شائعات بمثل هذه القوة والزخم لصحة الرئيس أن يكون الرد عليها زيارات متعجلة إلى "القرية الذكية" و"برج العرب"، أو تصريحات منسوبة إليه تتحدث عن شائعات التعديلات الوزارية!. والأغلب أن يكون الرئيس قد تعرض لوعكة صحية، وهذه من طبائع الأمور، فهو شأن أى إنسان آخر يمرض ويشفي، وحياته ملك خالقه، وسنن الحياة تحكمه كما تحكم غيره، وهناك حدود للطاقة البشرية وللأعمار، ومع التقدم فيها تزداد الشائعات، وتجد من هو مستعد لتصديقها!. ومع غياب الشفافية والمعلومات المصدقة تتفشى الشائعات والتكهنات والمعلومات الناقصة وتمضى بعيداً.

وقد بدا الشارع مستعدا لتصديق أنباء عن صحة الرئيس، بعضها منسوب مباشرة لبعض الدوائر الدبلوماسية، أو رجال أعمال لهم صلات مباشرة بالقصر الرئاسي، أو أطباء، أو اعلاميين تابعوا التكهنات المرسلة عند جذورها دون أن يتوافر لهم دليل قاطع. فالشائعات تنطلق في موجات متعاقبة، وتتصاعد في تكهناتها من مرة إلى أخري.. وفيما كان الاعتقاد في أعقاب زيارة القرية الذكية أن تنكسر الشائعات تصاعدت بصورة نالت هذه المرة من حياة الرئيس. وساد إنطباع عام مال الناس إلى تصديقه بأن الصور المنشورة أرشفية، وبدت الصور المنشورة في "الأهرام" على صفحتها الأولى متباينة في لون "جاكتة" بدلة الرئيس، وربما كان ذلك بسبب أخطاء في فصل الألوان، ولكن المناخ العام رجح الاحتمال الأسوأ.

واستدعى ذلك -مرة أخري- ظهور الرئيس في برج العرب لنفى الشائعات، ولكنها لم تخفت تماما. وتظل التساؤلات مشرعة، فما حدث لايمكن أن يكون اختلاقا كاملا، هناك مبالغات بالطبع، وربما تكون هناك أطراف لها مصلحة في ترويجها، لكن ما حدث يفوق قدراتها، ولابد أن نتأمل المشاعر العامة، فهى كاشفة لفجوات تتسع بين الحكم والشارع.

لعل السفير الأمريكى هو أول من أشار إلى وعكة صحية ألمت بالرئيس. وفى العلاقات الحالية التى توصف بأنها خاصة واستراتيجية مع الولايات المتحدة، فقد يكون طبيعيا أن تصل المعلومات الأولية في مثل هذه الأمور الحساسة إلى السفارة الأمريكية بالقاهرة، التى تقوم -بطبائع دورها- بنقل ما لديها إلى واشنطن، والإدارة الأمريكية معنية بالملف وداخلة في معادلات اليوم التالي. واللافت أن السفير الأمريكي، على عكس ما هو معتاد في ملفات أقل أهمية، لجأ إلى الصمت، ولم ينف على أى نحو ما نشر مستندا اليه عن صحة الرئيس. واللافت -أيضاً- أن السلطات المصرية لم تبد أدنى احتجاجا على ما هو منسوب للسفير الأمريكي، ولم تقدم أى إيضاح حول صحة الرئيس.

وبدا الملف حساسا للغاية، فما ينطوى عليه من تساؤلات تتعلق بقدرة الرئيس الصحية على إدارة أمور الدولة في اوقات عاصفة، رجح عدم الحديث فيه أو الاقتراب منه واعتباره خطا أحمر. وهو تصور قاصر، فالاعتراف بالمرض ومتابعة الحالة الصحية للرئيس من تقاليد الديمقراطيات، ومن حقوق المواطنين، ومما يضمن سلامة المناخ العام ويحصنه من الشائعات.

.. والأكثر إثارة فيما جرى أن سفراء آخرين من دول كبرى تبنوا ذات التكهنات وسعوا للحصول على إيضاحات حولها.. وهذا كلام مؤكد وثابت ويعرفه المراسلون الأجانب في القاهرة.

بل إن أطرافا في مكتب نائب الرئيس الأمريكى ديك تشينى أبلغت شخصيات عربية بأن صحة الرئيس المصرى ليست على ما يرام وأن هناك معلومات ترجح تعرضه لوعكة صحية جديدة. وأخذت هذه الشخصيات تنقل ما لديها من معلومات إلى القاهرة. ويصعب أن يقتنع المصريون بأن ما جرى شائعات لا أساس لها.

لابد أن الرئيس يدرك أن صحته العامة تتجاوز الاعتبارات الإنسانية والعائلية والأمنيات بالشفاء، إلى مستقبل النظام السياسى كله، وما قد يحدث بعده في اليوم التالي. والمكاشفة في مثل هذه الأمور أجدى وأجدر بالعناية، بدلاً من الكلام خارج النص، أو زيارات لا لزوم لها إلى القرية الذكية وبرج العرب وتصريحات مرتبكة حول الشائعات ونسبتها، على عكس ما جرى ويعرفه المواطنون جميعاً، إلى التعديلات الوزارية!. والكلام خارج النص تكشفه أحياناً بعض ثغراته، فالرئيس يقول، في التصريحات المنسوبة إليه، إنه لا يهتم بهذه الشائعات، مطالباً المصريين بعدم الالتفات إليها، والمعنى أن الرئيس يدعو ـ بظاهر القول ـ إلى عدم الالتفات إلى شائعات التعديلات الوزارية، بينما هو يقصد، بهدف الكلام، إلى نفى شائعات مرضه هو شخصيا، ودعوة المصريين ـ هنا.. وبهذه الطريقة ـ إلى عدم الالتفات إلى تلك الشائعات التى تعرضت لصحته وحياته، تحمل ضمناً دعوة أخرى إليهم بأن صحة الرئيس أمر لا يعنيهم.. وكانت تلك أخطر رسالة حملتها موجات الشائعات التى سادت وانتشرت وذهبت بعيداً. إذ بدت القوى السياسية المصرية وجماعات المثقفين خارج النص، وخارج القرار، وخارج ما قد يحدث في اليوم التالي.

حقائق جاورت موجات الشائعات أثبتت أن اليوم التالى قد ينطوى على مخاطر بلا حد، فليست هناك قواعد حاكمة لانتقال السلطة، غياب النائب يصنع فجوة انتقال، وقد يقال إن هناك انتخابات رئاسية بعد فترة قصيرة يحددها الدستور لا تزيد على شهرين تضمن انتقالا ديمقراطيا وسلميا للسلطة. ولكن هذا كلام معلق على أوهام، لأن الدستور لا يجرى احترامه الآن، والعبث فيه فرغه من قوته الملزمة. وإذا أقدم صاحب السلطة الجديد على إلغائه، فإن أحدا غير مستعد للدفاع عنه. وقد يقال إن الدستور الحالى قطع الطريق على مؤسسات القوة لأن تتقدم بمرشحها، كما حدث مع الرئيس مبارك، إذ إن التعديلات الدستورية التى أدخلت عليه وضعت قيودا على الترشح وشروطه. ويبدو أن التعديل كان مقصودا لقصر الترشيح على نجل الرئيس أمين لجنة السياسات، إذ يصعب أن تترشح أية شخصية سياسية أخرى من قيادات هذا الحزب تتوافر فيها الاشتراطات المنصوص عليها في الدستور، فللعبة الحقيقية قواعد أخري، هم يدركونها قبل غيرهم. لكن الحقائق تغلب دوماً، والقوة تفرض كلمتها. والمرجح -هنا- أن يتبنى الحزب الوطني، وأجهزة الدولة معه، جمع التوقيعات المطلوبة دستوريا لمرشح مستقل، سوف يكون في هذه الحالة عسكريا بثياب مدني، وتمضى اللعبة إلى آخرها، الحزب الوطنى يؤيد ومجلس الشعب يبايع والدولة كلها بأجهزتها تسعى لحصوله على الأغلبية الكاسحة في الانتخابات. وفى بلد مثل مصر يصعب تصور أن تتمدد فيه فوضى الحكم أكثر من (48) ساعة. قد تضربه الفوضي، ولكنها لا تطول.. هذه حقائق دولة مركزية.

المحزن أنه حين يحدث انتقال السلطة فإن الناخبين الكبار لرئيس الجمهورية المقبل هم خمسة على وجه التحديد: الناخب الأول والرئيسي.. مؤسسات القوة في الدولة المصرية، فقد جرت التقاليد منذ ثورة 1952 على أن يتقلد السلطة العليا أحد أبناء القوات المسلحة، وكلمة هذا الناخب في لحظات الحسم لها سطوتها. ولكنها محكومة باعتبارات عصرها وموازين القوى التى تتحكم في نظام الحكم الحالي. ولا أحد بوسعه أن يتجاهل الناخب الثاني: الإدارة الأمريكية وأدوارها المحتملة، فشبكة علاقاتها داخل النظام متشعبة، ورجالها في الحكم وجماعات رجال الأعمال جاهزون، والمؤكد أن أدوارها سوف تكون حاضرة ومؤثرة ومتداخلة مع أدوار محتملة للناخب الثالث الإسرائيلي.

وهذا كلام محزن ولكنه داخل النص بكل أسف.. المصالح تحكم والاستراتيجيات لها خططها ورجالها ومن يمثلونها، والناخب الرابع.. اسرة الرئيس. إذ يصعب أن نتصور أن تتوارى كما فعلت أسرة الرئيس السادات عند انتقال السلطة، فقد كانت هناك على كل الأحوال قواعد واضحة لهذا الانتقال، ونائب لرئيس الجمهورية ينتسب للقوات المسلحة، وأحوال اضطراب استدعت حسم الملف بسرعة. وعندما بدا أن صحة الرئيس تعرضت للخطر أثناء حادثة مجلس الشعب، أخذت بعض الجماعات داخل مجلس الشعب تتشاور مع رئيسه الدكتور فتحى سرور في دعوة المجلس إلى انعقاد سريع، فيما لو حدث تهديد لحياة الرئيس، لترشيح نجله جمال رئيسا للجمهورية والاستفتاء عليه وفق النصوص الدستورية وقتها.

وكانت الفكرة في ترشيح مبارك الابن تستند على اعتبارات قيل بعدها بأن عواطف اللحظة غلبت عليها، ولكن تجسيدها الآن يستند إلى حضور سياسى مباشر لنجل الرئيس ومشروع توريث، غير أن فرصه محدودة إذ إن الناخب الخامس لايوفر له أدنى قبول أو مشروعية لتقلد المنصب الرفيع، هذا الناخب هو ما يمكن أن نطلق عليه.. "الغطاء المدنى والسياسي"، بمعنى ان أى رئيس جمهورية مقبل لابد لناخبيه الرئيسيين أن ينظروا لما يحظى به من دعم من المجتمع المدنى والسياسي. وهو عنصر مرجح ولكنه غير حاسم بمفرده.

الحقائق تكشف خواء المسرح السياسي، وهنا موطن الخطر الحقيقي، ونظام الحكم منكشف، ولا أحد يعرف ماذا سوف يحدث في اليوم التالي، والشعب مستبعد من معادلات ونصوص السلطة الحالية، والأحزاب غائبة، والحزب الوطنى مشغول بالصراعات بين أجنحته، ولكن تلك الأجنحة سوف تتكسر عند انتقال السلطة.

وهناك كلام كثير منسوب لجمال مبارك بأن انتخابات الحزب الوطنى ديمقراطية من القاعدة للقمة، قبل أن يتقرر أن يعين الرئيس أمناء الحزب الوطنى بالمحافظات في نهاية سبتمبر الحالي. والمعنى انه لا انتخابات من القاعدة للقمة، ولا انتخابات لرئيس الحزب الوطنى تالياً، إلا أن تكون مهزلة!. غير أن صيغة الخبر المنشور بـ "الأهرام" يقول بالنص: "يصدر الرئيس حسنى مبارك قرارا جمهورياً بتعيين أمناء الحزب الوطنى الديمقراطى بالمحافظات.. عقب انتهاء المؤتمرات الانتخابية على مستوى الوحدات الحزبية والمراكز والأقسام والمحافظات". وهو كلام غريب، وغير دستوري، ويستوجب محاسبة رئيس الجمهورية عليه، فليس من صلاحياته أن يصدر قرارات جمهورية بتعيين أمناء الحزب الوطني، قد يصدرها بصفته رئيسا للحزب، وهو إجراء غير ديمقراطى في كل الأحوال، لكن هذه مسألة أقل خطورة، أما ان يقال إن رئيس الجمهورية بصدد أن يصدر قرارا جمهوريا بتعيين أمناء الحزب الوطنى فمعناه أن الرئيس انحرف بسلطاته الدستورية وتجاوزها، واعتدى على حرية العمل الحزبي. والحقيقة أن تلك هفوة جريدة لا تدقق في صياغة أخبارها، ولكنها هفوة داخل النص الحقيقي، فالحزب الوطنى فعلاً جهاز بيروقراطى ملحق بالدولة. ويعمل وفق أجندة أجهزتها، وخاضع بالكامل لرئاسة الجمهورية.

الأوضاع الداخلية الهشة تنعكس -بالضرورة- على السياسة الخارجية وتضفى عليها ظلال الهشاشة وقلة الهيبة والاحترام. فمن الصعب أن تكون لحكومة بلد تتكشف فيه يوميا عمليات انتهاك حقوق وكرامات مواطنيه في أقسام الشرطة إلى حدود التعذيب والحرق والقتل أية مصداقية في إدانة انتهاكات لحقوق وكرامة مواطنيه في الخارج.

فمن يصدق وزير الخارجية أحمد أبوالغيط، أو المجلس القومى لحقوق الإنسان الذى يترأسه الدكتور بطرس غالي، عندما يدينان تعذيب مصريين في الكويت، إذا كان الله لم يفتح عليهما بكلمة واحدة في إدانة التعذيب المتفشى في اقسام الشرطة المصرية! والخطير في حوادث التعذيب أنها تعبر عن سقوط دولة القانون في مصر، وتؤشر إلى العنف واحتمالات توحشه سياسيا واجتماعيا.

واخطر ما في قصص التعذيب أنها تجاوزت انفلات بعض ضباط الشرطة وأخذت طابعا منهجيا. بعض أسباب توحش الظاهرة يعود إلى قلة الكفاءة المهنية لضباط الشرطة، وأن متطلبات الترقية تستدعى أن تسفر التحريات عن ضبط المتهمين، ولا وسيلة أخرى غير الضرب المبرح والتعذيب، وبعض أسبابها يعود إلى سقوط دولة القانون وتورط ضباط الشرطة في عمليات بلطجة ضد سياسيين ومواطنين عاديين، وأحيانا بهدف الحصول على مصالح محققة، وينسب إلى بعض أمناء الشرطة الحصول على إتاوات من سائقى "ميكروباص" أو من مواطنين عاديين تصادف أن وضعهم حظهم العاثر في طريق من يفترض فيهم أنهم حماة الأمن والقانون!.

وأميل إلى تصديق وزير الداخلية عندما يقول: "إن من يسقط أو تثبت عليه تهمة التعذيب تقطع رقبته". ولكن لماذا لا يرتدع الآخرون، وتتوسع عمليات التعذيب؟. الإجابة أن الدولة، بتراجع القانون فيها، تطلق يد الشرطة، ولكنها تحذر من أن يضبط أحد ضباطها متلبسا بما أمرته سياساتها أن يفعل!.

وهذه أحوال دولة تخلت عن وظائفها في صيانة القانون، وتوحشت شرطتها إلى حد قتل "طفل شها" تعذيبا بتهمة أنه سرق "باكت شاي" لا يزيد سعره على خمسة جنيهات!.. في بلد يتضور جوعا!. وفى بلد جائع سدت أمام مواطنيه أبواب الأمل، لا تنتظر عطفاً على رئيس أو خفير!.

تدهور الأحوال الداخلية انتقلت بحقائق السياسة إلى أحوالنا الخارجية. وقد كشفت تصريحات السفير المصرى في لبنان حسين ضرار، وما أعقبها من جدل، محنة الخارجية المصرية وقلة كفاءة بعض العاملين فيها، وهى التى عرف عنها تقليديا أنها إحدى المدارس الكبرى في الوطنية المصرية والتقاليد المهنية. بداية الانهيار في تقاليد الخارجية المصرية صاحبت توقيع اتفاقيتى كامب ديفيد، وتحرش الرئيس السادات بخبرائها الذين أخذ يطلق عليهم "الميكانيكية"، باعتبار انهم يكثرون من استخدام تعبير "ميكانيزم"، والقصة رواها الدكتور بطرس غالي. ولكن الانهيار أخذ مداه في العقدين الأخيرين. فقد جردت الخارجية المصرية من ملفاتها، وغابت عنها أدواتها، فلا أدوات مؤثرة خارجيا تستند على حقائق قوة في الداخل. ثم بدا ان الهدف الجوهرى للسياسة الخارجية المصرية، كما أخذ يفهمه السفراء ويعملون على أساسه، هو الاستقرار. بمعنى أن جمود الداخل انتقل إلى سياستنا الخارجية. وبمعنى آخر بدا أن هدفنا في فلسطين هو استقرار السلطة، وعندما يحدث تنازع، فإبقاء الأمر على ماهو عليه، أو أن هدفنا في العراق استقرار الأوضاع على ما كانت عليه، وعندما يحدث الغزو استقرار الاحتلال والتحذير من التسرع في خروجه، وفى لبنان بدا ان الهدف هو استقراره، وهو هدف مطلوب لبنانياً، لكن مع غياب الأدوات والتصورات غابت الهيبة وانحازت مصر ضد مصالحها هناك، وفى كل الأحوال، وهذا الكلام سمعته من دبلوماسيين مصريين، بدا أن أقصى ما يطمحون اليه ـ مع غياب التصورات، وطلب الآخرين من مصر أن تستدعى ذاكرتها التاريخية ومكانتها التى كانت ـ هو الحفاظ على مؤسسة الخارجية المصرية، فقد يُسألون عن مواقف دولتهم في قضايا شائكة، ولا تكون لديهم إجابات، فيقدمون اجابات ملتبسة يصفونها هم أنفسهم بأنها: "فهلوة دبلوماسية"، إذ إن الخارجية المصرية باتت فقيرة في تصوراتها ومنزوعة الصلاحية عمليا.

وقد يبدو من طبائع مسارح اللامعقول أن يصرح السفير المصرى في لبنان حسين ضرار أن مواقف الزعيم الدرزى وليد جنبلاط، التى تتسم بالشطط وتتهم بأنها تعمل وفق أجندات غربية لاشعال المسرح السياسى اللبناني، هى بوصلة الحرية والاستقلال! وأن الاخرين يتحملون مسئولية الأخطار التى تحيق بلبنان وتهدده. ولكن تلك التصريحات الطائشة التى تخالف الأعراف الدبلوماسية تبدو طبيعية في الأوضاع التى وصلت اليها مصر في أحوالها وسياستها. وقد يبدو مثيرا أن ينخرط ممثل الدبلوماسية المصرية في صراع داخلي، لا يستخدم لغتها الدعائية الفجة غازى العريضى وزير الإعلام اللبناني، وهو من حزب جنبلاط.. ومع ذلك لم يحاسب السفير.

وعندما تكشف أن وليد جنبلاط نسب للرئيس مبارك، في حضور سفيره حسين ضرار، تصريحات خطيرة اكتفى وزير الخارجية أحمد أبو الغيط بالقول إنه لا يعتقد أنها قد حدثت، دون أن يعرف القارئ المصرى ماهو الذى لم يحدث! - وتلك كانت ملاحظة في محلها للصديق العزيز مجدى مهنا، المتواجد في باريس حالياً في رحلة علاج، ما قاله جنبلاط: إن مبارك أبلغه في لقاء بينهما بالقاهرة، في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق رفيق الحريري، أن "بشار الأسد سوف يخرج من لبنان ويحاسب".