|
مهرجان الغروب
عبدالله السناوي
بدت التصريحات
المنسوبة لرئيس الجمهورية على صدر صحيفة “الأهرام”
كلاماً خارج النص، فالهدف الظاهر من توقيت حديث الرئيس
نفى موجات متتالية من الشائعات سادت وانتشرت وبالغت في
الحديث عن حالته الصحية ووصلت إلى أسوأ الاحتمالات.
غير أن الرئيس لم يتطرق في حديثه إلى حالته الصحية، أو
الإشارة إليها، والصحيفة لم تسأله عنها، بل سألته عن
شائعات التعديلات الوزارية! كأن تلك التعديلات
المحتملة كانت موضوع الشائعات الخطيرة.
والغريب في النص
المرتبك، والكلام على حوافه، قول الرئيس إنه يعرف
أصحاب الشائعات وأغراضها، ثم يصمت عن الكشف عما يعتقده
هدفاً من موجة الشائعات، التى اقتربت من حياته، أو من
هم أصحابها، وما الوسائل التى قد يتخذها لضمان سلامة
انتقال السلطة في مصر مستقبلاً، وتهدئة المخاوف العامة
من احتمالات فوضي، أو أن تخرج الصراعات المكتومة داخل
الطبقة السياسية الحاكمة إلى العلن دون ضابط أو رابط
أو قواعد حاكمة. تجاهل الرئيس ذلك كله، وأخذ يعرب عن
آرائه في رؤساء الحكومات السابقة، ويفيض في الحديث عن
الشائعات التى أحاطت بهم. وذلك كله كلام خارج النص،
وخارج المشهد، وخارج السؤال العام الذى أخذ يتقصى أية
معلومات محققة حول صحة الرئيس.
• يقول المصريون
-عادة- إنه لا دخان بلا نار، وانتشار الشائعات على هذا
النحو غير المسبوق دليل على ان هناك شيئاً ما يراد
إخفاؤه، أو على الأقل.. هذا هو الاستنتاج العام.
ولا يصح عندما تتعرض
شائعات بمثل هذه القوة والزخم لصحة الرئيس أن يكون
الرد عليها زيارات متعجلة إلى “القرية الذكية” و”برج
العرب”، أو تصريحات منسوبة إليه تتحدث عن شائعات
التعديلات الوزارية!. والأغلب أن يكون الرئيس قد تعرض
لوعكة صحية، وهذه من طبائع الأمور، فهو شأن أى إنسان
آخر يمرض ويشفي، وحياته ملك خالقه، وسنن الحياة تحكمه
كما تحكم غيره، وهناك حدود للطاقة البشرية وللأعمار،
ومع التقدم فيها تزداد الشائعات، وتجد من هو مستعد
لتصديقها!. ومع غياب الشفافية والمعلومات المصدقة
تتفشى الشائعات والتكهنات والمعلومات الناقصة وتمضى
بعيداً.
وقد بدا الشارع
مستعدا لتصديق أنباء عن صحة الرئيس، بعضها منسوب
مباشرة لبعض الدوائر الدبلوماسية، أو رجال أعمال لهم
صلات مباشرة بالقصر الرئاسي، أو أطباء، أو اعلاميين
تابعوا التكهنات المرسلة عند جذورها دون أن يتوافر لهم
دليل قاطع. فالشائعات تنطلق في موجات متعاقبة، وتتصاعد
في تكهناتها من مرة إلى أخري.. وفيما كان الاعتقاد في
أعقاب زيارة القرية الذكية أن تنكسر الشائعات تصاعدت
بصورة نالت هذه المرة من حياة الرئيس. وساد إنطباع عام
مال الناس إلى تصديقه بأن الصور المنشورة أرشفية، وبدت
الصور المنشورة في “الأهرام” على صفحتها الأولى
متباينة في لون “جاكتة” بدلة الرئيس، وربما كان ذلك
بسبب أخطاء في فصل الألوان، ولكن المناخ العام رجح
الاحتمال الأسوأ.
واستدعى ذلك -مرة
أخري- ظهور الرئيس في برج العرب لنفى الشائعات، ولكنها
لم تخفت تماما. وتظل التساؤلات مشرعة، فما حدث لايمكن
أن يكون اختلاقا كاملا، هناك مبالغات بالطبع، وربما
تكون هناك أطراف لها مصلحة في ترويجها، لكن ما حدث
يفوق قدراتها، ولابد أن نتأمل المشاعر العامة، فهى
كاشفة لفجوات تتسع بين الحكم والشارع.
• لعل السفير
الأمريكى هو أول من أشار إلى وعكة صحية ألمت بالرئيس.
وفى العلاقات الحالية التى توصف بأنها خاصة
واستراتيجية مع الولايات المتحدة، فقد يكون طبيعيا أن
تصل المعلومات الأولية في مثل هذه الأمور الحساسة إلى
السفارة الأمريكية بالقاهرة، التى تقوم -بطبائع دورها-
بنقل ما لديها إلى واشنطن، والإدارة الأمريكية معنية
بالملف وداخلة في معادلات اليوم التالي. واللافت أن
السفير الأمريكي، على عكس ما هو معتاد في ملفات أقل
أهمية، لجأ إلى الصمت، ولم ينف على أى نحو ما نشر
مستندا اليه عن صحة الرئيس. واللافت -أيضاً- أن
السلطات المصرية لم تبد أدنى احتجاجا على ما هو منسوب
للسفير الأمريكي، ولم تقدم أى إيضاح حول صحة الرئيس.
وبدا الملف حساسا
للغاية، فما ينطوى عليه من تساؤلات تتعلق بقدرة الرئيس
الصحية على إدارة أمور الدولة في اوقات عاصفة، رجح عدم
الحديث فيه أو الاقتراب منه واعتباره خطا أحمر. وهو
تصور قاصر، فالاعتراف بالمرض ومتابعة الحالة الصحية
للرئيس من تقاليد الديمقراطيات، ومن حقوق المواطنين،
ومما يضمن سلامة المناخ العام ويحصنه من الشائعات.
.. والأكثر إثارة
فيما جرى أن سفراء آخرين من دول كبرى تبنوا ذات
التكهنات وسعوا للحصول على إيضاحات حولها.. وهذا كلام
مؤكد وثابت ويعرفه المراسلون الأجانب في القاهرة.
بل إن أطرافا في مكتب
نائب الرئيس الأمريكى ديك تشينى أبلغت شخصيات عربية
بأن صحة الرئيس المصرى ليست على ما يرام وأن هناك
معلومات ترجح تعرضه لوعكة صحية جديدة. وأخذت هذه
الشخصيات تنقل ما لديها من معلومات إلى القاهرة. ويصعب
أن يقتنع المصريون بأن ما جرى شائعات لا أساس لها.
• لابد أن الرئيس
يدرك أن صحته العامة تتجاوز الاعتبارات الإنسانية
والعائلية والأمنيات بالشفاء، إلى مستقبل النظام
السياسى كله، وما قد يحدث بعده في اليوم التالي.
والمكاشفة في مثل هذه الأمور أجدى وأجدر بالعناية،
بدلاً من الكلام خارج النص، أو زيارات لا لزوم لها إلى
القرية الذكية وبرج العرب وتصريحات مرتبكة حول
الشائعات ونسبتها، على عكس ما جرى ويعرفه المواطنون
جميعاً، إلى التعديلات الوزارية!. والكلام خارج النص
تكشفه أحياناً بعض ثغراته، فالرئيس يقول، في التصريحات
المنسوبة إليه، إنه لا يهتم بهذه الشائعات، مطالباً
المصريين بعدم الالتفات إليها، والمعنى أن الرئيس يدعو
ـ بظاهر القول ـ إلى عدم الالتفات إلى شائعات
التعديلات الوزارية، بينما هو يقصد، بهدف الكلام، إلى
نفى شائعات مرضه هو شخصيا، ودعوة المصريين ـ هنا..
وبهذه الطريقة ـ إلى عدم الالتفات إلى تلك الشائعات
التى تعرضت لصحته وحياته، تحمل ضمناً دعوة أخرى إليهم
بأن صحة الرئيس أمر لا يعنيهم.. وكانت تلك أخطر رسالة
حملتها موجات الشائعات التى سادت وانتشرت وذهبت
بعيداً. إذ بدت القوى السياسية المصرية وجماعات
المثقفين خارج النص، وخارج القرار، وخارج ما قد يحدث
في اليوم التالي.
• حقائق جاورت موجات
الشائعات أثبتت أن اليوم التالى قد ينطوى على مخاطر
بلا حد، فليست هناك قواعد حاكمة لانتقال السلطة، غياب
النائب يصنع فجوة انتقال، وقد يقال إن هناك انتخابات
رئاسية بعد فترة قصيرة يحددها الدستور لا تزيد على
شهرين تضمن انتقالا ديمقراطيا وسلميا للسلطة. ولكن هذا
كلام معلق على أوهام، لأن الدستور لا يجرى احترامه
الآن، والعبث فيه فرغه من قوته الملزمة. وإذا أقدم
صاحب السلطة الجديد على إلغائه، فإن أحدا غير مستعد
للدفاع عنه. وقد يقال إن الدستور الحالى قطع الطريق
على مؤسسات القوة لأن تتقدم بمرشحها، كما حدث مع
الرئيس مبارك، إذ إن التعديلات الدستورية التى أدخلت
عليه وضعت قيودا على الترشح وشروطه. ويبدو أن التعديل
كان مقصودا لقصر الترشيح على نجل الرئيس أمين لجنة
السياسات، إذ يصعب أن تترشح أية شخصية سياسية أخرى من
قيادات هذا الحزب تتوافر فيها الاشتراطات المنصوص
عليها في الدستور، فللعبة الحقيقية قواعد أخري، هم
يدركونها قبل غيرهم. لكن الحقائق تغلب دوماً، والقوة
تفرض كلمتها. والمرجح -هنا- أن يتبنى الحزب الوطني،
وأجهزة الدولة معه، جمع التوقيعات المطلوبة دستوريا
لمرشح مستقل، سوف يكون في هذه الحالة عسكريا بثياب
مدني، وتمضى اللعبة إلى آخرها، الحزب الوطنى يؤيد
ومجلس الشعب يبايع والدولة كلها بأجهزتها تسعى لحصوله
على الأغلبية الكاسحة في الانتخابات. وفى بلد مثل مصر
يصعب تصور أن تتمدد فيه فوضى الحكم أكثر من (48) ساعة.
قد تضربه الفوضي، ولكنها لا تطول.. هذه حقائق دولة
مركزية.
• المحزن أنه حين
يحدث انتقال السلطة فإن الناخبين الكبار لرئيس
الجمهورية المقبل هم خمسة على وجه التحديد: الناخب
الأول والرئيسي.. مؤسسات القوة في الدولة المصرية، فقد
جرت التقاليد منذ ثورة 1952 على أن يتقلد السلطة
العليا أحد أبناء القوات المسلحة، وكلمة هذا الناخب في
لحظات الحسم لها سطوتها. ولكنها محكومة باعتبارات
عصرها وموازين القوى التى تتحكم في نظام الحكم الحالي.
ولا أحد بوسعه أن يتجاهل الناخب الثاني: الإدارة
الأمريكية وأدوارها المحتملة، فشبكة علاقاتها داخل
النظام متشعبة، ورجالها في الحكم وجماعات رجال الأعمال
جاهزون، والمؤكد أن أدوارها سوف تكون حاضرة ومؤثرة
ومتداخلة مع أدوار محتملة للناخب الثالث الإسرائيلي.
وهذا كلام محزن ولكنه
داخل النص بكل أسف.. المصالح تحكم والاستراتيجيات لها
خططها ورجالها ومن يمثلونها، والناخب الرابع.. اسرة
الرئيس. إذ يصعب أن نتصور أن تتوارى كما فعلت أسرة
الرئيس السادات عند انتقال السلطة، فقد كانت هناك على
كل الأحوال قواعد واضحة لهذا الانتقال، ونائب لرئيس
الجمهورية ينتسب للقوات المسلحة، وأحوال اضطراب استدعت
حسم الملف بسرعة. وعندما بدا أن صحة الرئيس تعرضت
للخطر أثناء حادثة مجلس الشعب، أخذت بعض الجماعات داخل
مجلس الشعب تتشاور مع رئيسه الدكتور فتحى سرور في دعوة
المجلس إلى انعقاد سريع، فيما لو حدث تهديد لحياة
الرئيس، لترشيح نجله جمال رئيسا للجمهورية والاستفتاء
عليه وفق النصوص الدستورية وقتها.
وكانت الفكرة في
ترشيح مبارك الابن تستند على اعتبارات قيل بعدها بأن
عواطف اللحظة غلبت عليها، ولكن تجسيدها الآن يستند إلى
حضور سياسى مباشر لنجل الرئيس ومشروع توريث، غير أن
فرصه محدودة إذ إن الناخب الخامس لايوفر له أدنى قبول
أو مشروعية لتقلد المنصب الرفيع، هذا الناخب هو ما
يمكن أن نطلق عليه.. “الغطاء المدنى والسياسي”، بمعنى
ان أى رئيس جمهورية مقبل لابد لناخبيه الرئيسيين أن
ينظروا لما يحظى به من دعم من المجتمع المدنى
والسياسي. وهو عنصر مرجح ولكنه غير حاسم بمفرده.
• الحقائق تكشف خواء
المسرح السياسي، وهنا موطن الخطر الحقيقي، ونظام الحكم
منكشف، ولا أحد يعرف ماذا سوف يحدث في اليوم التالي،
والشعب مستبعد من معادلات ونصوص السلطة الحالية،
والأحزاب غائبة، والحزب الوطنى مشغول بالصراعات بين
أجنحته، ولكن تلك الأجنحة سوف تتكسر عند انتقال
السلطة.
وهناك كلام كثير
منسوب لجمال مبارك بأن انتخابات الحزب الوطنى
ديمقراطية من القاعدة للقمة، قبل أن يتقرر أن يعين
الرئيس أمناء الحزب الوطنى بالمحافظات في نهاية سبتمبر
الحالي. والمعنى انه لا انتخابات من القاعدة للقمة،
ولا انتخابات لرئيس الحزب الوطنى تالياً، إلا أن تكون
مهزلة!. غير أن صيغة الخبر المنشور بـ “الأهرام” يقول
بالنص: “يصدر الرئيس حسنى مبارك قرارا جمهورياً بتعيين
أمناء الحزب الوطنى الديمقراطى بالمحافظات.. عقب
انتهاء المؤتمرات الانتخابية على مستوى الوحدات
الحزبية والمراكز والأقسام والمحافظات”. وهو كلام
غريب، وغير دستوري، ويستوجب محاسبة رئيس الجمهورية
عليه، فليس من صلاحياته أن يصدر قرارات جمهورية بتعيين
أمناء الحزب الوطني، قد يصدرها بصفته رئيسا للحزب، وهو
إجراء غير ديمقراطى في كل الأحوال، لكن هذه مسألة أقل
خطورة، أما ان يقال إن رئيس الجمهورية بصدد أن يصدر
قرارا جمهوريا بتعيين أمناء الحزب الوطنى فمعناه أن
الرئيس انحرف بسلطاته الدستورية وتجاوزها، واعتدى على
حرية العمل الحزبي. والحقيقة أن تلك هفوة جريدة لا
تدقق في صياغة أخبارها، ولكنها هفوة داخل النص
الحقيقي، فالحزب الوطنى فعلاً جهاز بيروقراطى ملحق
بالدولة. ويعمل وفق أجندة أجهزتها، وخاضع بالكامل
لرئاسة الجمهورية.
• الأوضاع الداخلية
الهشة تنعكس -بالضرورة- على السياسة الخارجية وتضفى
عليها ظلال الهشاشة وقلة الهيبة والاحترام. فمن الصعب
أن تكون لحكومة بلد تتكشف فيه يوميا عمليات انتهاك
حقوق وكرامات مواطنيه في أقسام الشرطة إلى حدود
التعذيب والحرق والقتل أية مصداقية في إدانة انتهاكات
لحقوق وكرامة مواطنيه في الخارج.
فمن يصدق وزير
الخارجية أحمد أبوالغيط، أو المجلس القومى لحقوق
الإنسان الذى يترأسه الدكتور بطرس غالي، عندما يدينان
تعذيب مصريين في الكويت، إذا كان الله لم يفتح عليهما
بكلمة واحدة في إدانة التعذيب المتفشى في اقسام الشرطة
المصرية! والخطير في حوادث التعذيب أنها تعبر عن سقوط
دولة القانون في مصر، وتؤشر إلى العنف واحتمالات توحشه
سياسيا واجتماعيا.
واخطر ما في قصص
التعذيب أنها تجاوزت انفلات بعض ضباط الشرطة وأخذت
طابعا منهجيا. بعض أسباب توحش الظاهرة يعود إلى قلة
الكفاءة المهنية لضباط الشرطة، وأن متطلبات الترقية
تستدعى أن تسفر التحريات عن ضبط المتهمين، ولا وسيلة
أخرى غير الضرب المبرح والتعذيب، وبعض أسبابها يعود
إلى سقوط دولة القانون وتورط ضباط الشرطة في عمليات
بلطجة ضد سياسيين ومواطنين عاديين، وأحيانا بهدف
الحصول على مصالح محققة، وينسب إلى بعض أمناء الشرطة
الحصول على إتاوات من سائقى “ميكروباص” أو من مواطنين
عاديين تصادف أن وضعهم حظهم العاثر في طريق من يفترض
فيهم أنهم حماة الأمن والقانون!.
وأميل إلى تصديق وزير
الداخلية عندما يقول: “إن من يسقط أو تثبت عليه تهمة
التعذيب تقطع رقبته”. ولكن لماذا لا يرتدع الآخرون،
وتتوسع عمليات التعذيب؟. الإجابة أن الدولة، بتراجع
القانون فيها، تطلق يد الشرطة، ولكنها تحذر من أن يضبط
أحد ضباطها متلبسا بما أمرته سياساتها أن يفعل!.
وهذه أحوال دولة تخلت
عن وظائفها في صيانة القانون، وتوحشت شرطتها إلى حد
قتل “طفل شها” تعذيبا بتهمة أنه سرق “باكت شاي” لا
يزيد سعره على خمسة جنيهات!.. في بلد يتضور جوعا!. وفى
بلد جائع سدت أمام مواطنيه أبواب الأمل، لا تنتظر
عطفاً على رئيس أو خفير!.
• تدهور الأحوال
الداخلية انتقلت بحقائق السياسة إلى أحوالنا الخارجية.
وقد كشفت تصريحات السفير المصرى في لبنان حسين ضرار،
وما أعقبها من جدل، محنة الخارجية المصرية وقلة كفاءة
بعض العاملين فيها، وهى التى عرف عنها تقليديا أنها
إحدى المدارس الكبرى في الوطنية المصرية والتقاليد
المهنية. بداية الانهيار في تقاليد الخارجية المصرية
صاحبت توقيع اتفاقيتى كامب ديفيد، وتحرش الرئيس
السادات بخبرائها الذين أخذ يطلق عليهم “الميكانيكية”،
باعتبار انهم يكثرون من استخدام تعبير “ميكانيزم”،
والقصة رواها الدكتور بطرس غالي. ولكن الانهيار أخذ
مداه في العقدين الأخيرين. فقد جردت الخارجية المصرية
من ملفاتها، وغابت عنها أدواتها، فلا أدوات مؤثرة
خارجيا تستند على حقائق قوة في الداخل. ثم بدا ان
الهدف الجوهرى للسياسة الخارجية المصرية، كما أخذ
يفهمه السفراء ويعملون على أساسه، هو الاستقرار. بمعنى
أن جمود الداخل انتقل إلى سياستنا الخارجية. وبمعنى
آخر بدا أن هدفنا في فلسطين هو استقرار السلطة، وعندما
يحدث تنازع، فإبقاء الأمر على ماهو عليه، أو أن هدفنا
في العراق استقرار الأوضاع على ما كانت عليه، وعندما
يحدث الغزو استقرار الاحتلال والتحذير من التسرع في
خروجه، وفى لبنان بدا ان الهدف هو استقراره، وهو هدف
مطلوب لبنانياً، لكن مع غياب الأدوات والتصورات غابت
الهيبة وانحازت مصر ضد مصالحها هناك، وفى كل الأحوال،
وهذا الكلام سمعته من دبلوماسيين مصريين، بدا أن أقصى
ما يطمحون اليه ـ مع غياب التصورات، وطلب الآخرين من
مصر أن تستدعى ذاكرتها التاريخية ومكانتها التى كانت ـ
هو الحفاظ على مؤسسة الخارجية المصرية، فقد يُسألون عن
مواقف دولتهم في قضايا شائكة، ولا تكون لديهم إجابات،
فيقدمون اجابات ملتبسة يصفونها هم أنفسهم بأنها:
“فهلوة دبلوماسية”، إذ إن الخارجية المصرية باتت فقيرة
في تصوراتها ومنزوعة الصلاحية عمليا.
وقد يبدو من طبائع
مسارح اللامعقول أن يصرح السفير المصرى في لبنان حسين
ضرار أن مواقف الزعيم الدرزى وليد جنبلاط، التى تتسم
بالشطط وتتهم بأنها تعمل وفق أجندات غربية لاشعال
المسرح السياسى اللبناني، هى بوصلة الحرية والاستقلال!
وأن الاخرين يتحملون مسئولية الأخطار التى تحيق بلبنان
وتهدده. ولكن تلك التصريحات الطائشة التى تخالف
الأعراف الدبلوماسية تبدو طبيعية في الأوضاع التى وصلت
اليها مصر في أحوالها وسياستها. وقد يبدو مثيرا أن
ينخرط ممثل الدبلوماسية المصرية في صراع داخلي، لا
يستخدم لغتها الدعائية الفجة غازى العريضى وزير
الإعلام اللبناني، وهو من حزب جنبلاط.. ومع ذلك لم
يحاسب السفير.
وعندما تكشف أن وليد
جنبلاط نسب للرئيس مبارك، في حضور سفيره حسين ضرار،
تصريحات خطيرة اكتفى وزير الخارجية أحمد أبو الغيط
بالقول إنه لا يعتقد أنها قد حدثت، دون أن يعرف القارئ
المصرى ماهو الذى لم يحدث! - وتلك كانت ملاحظة في
محلها للصديق العزيز مجدى مهنا، المتواجد في باريس
حالياً في رحلة علاج، ما قاله جنبلاط: إن مبارك أبلغه
في لقاء بينهما بالقاهرة، في أعقاب اغتيال رئيس
الوزراء اللبنانى الأسبق رفيق الحريري، أن “بشار الأسد
سوف يخرج من لبنان ويحاسب”.
لم يكن أبو الغيط
-وقتها- وزيرا للخارجية حتى يعتقد أو لا يعتقد في أن
حكمة الرئيس تسمح أو لا تسمح بإصدار التصريحات الخطيرة
المنسوبة إليه. وهى تصريحات تهدد العلاقات المصرية ـ
السورية، ولها انعكاساتهاعلى المسرح اللبنانى الداخلى
مما يقزم دور مصر بأكثر مما هو مقزم!.
• الكلام الرسمى كله
خارج النص من شائعات مرض الرئيس ووسائل الرد عليها،
ومن تفشى تعذيب المواطنين في الأقسام المصرية
والاحتجاج على تعذيب مصريين آخرين في أقسام الشرطة
الكويتية، ومن إدارة نقل السلطة إلى انهيار الروح
العامة وطلب رحمة السماء. خارج النص حقاً وفق الأعراف
الديمقراطية أو السياسية أو الإنسانية أو الدبلوماسية،
ولكنه كلام له إيحاءاته ورسائله في مهرجان الغروب. _
العربي الناصري _
|