|
نشر حركة القوميين
العرب
إلى خالد مشعل -
دمشق
محمد الرميحي
قبل أسبوعين وفي هذا
المكان نشر كاتب هذه السطور مقالا يتصف بالأسى على
واقع لا يحتاج كثيراً إلى تأكيد، وكان عنوان المقال
«الاستقلال العربي المفقود»، طفت فيه بأوضاع العرب في
أكثر من مكان وعاصمة، التي بدا لي أن كثيرا منها يتصف
بصفة متقاربة، وهي فقدان القرار العربي في القضايا
المصيرية لهذه العاصمة أو تلك. من بين الإشارات التي
اتخذتها للتدليل جاء ذكر «رجل حماس في دمشق»، وكان
المقصود بالتأكيد السيد خالد مشعل.
بعد أقل من أربع
وعشرين ساعة وصلتني مكالمة هاتفية من دمشق ومن الأخ
خالد مشعل، وزبدة الحديث الذي اتصف بالكثير من التحضر،
ما قاله خالد مشعل من أن «حماس» وقيادتها «مستقلة كل
الاستقلال ولا تخضع إلا للمصالح العليا التي تراها
لصالح الشعب الفلسطيني». استأذنت السيد خالد في مشاركة
القراء بهذا التصريح وهو كلام يفرح كثيرين من أمثالي
الذين لا يهمهم كثيراً ما إذا كان الفلسطيني يضع ربطة
العنق أو انه يظهر من دونها، وما اذا كان يعتمر كوفية
سوداء أو حمراء، ما هو أهم هو أن تحقن دماء
الفلسطينيين بعد أن عانوا الأمّرين من أصدقائهم
وأعدائهم على السواء على مدى ثلاثة أرباع قرن أو تزيد،
مما لم يعان منه شعب تعرض للاضطهاد إلى هذا الحد والى
ذلك الوضع الإنساني المهين. من هذا المنطلق فإني على
استعداد على رؤوس الأشهاد أن اصدق السيد خالد من دون
تحفظ. ورأيي على كل حال كما رأي غيري ليس مهماً كثيراً
ولا يقدم إلى الجائع الفلسطيني ولا الأرملة ولا الأم
الثكلى أية سلوى. الأكثر أهمية من كل ذلك هو لم شتات
الفلسطينيين، سواء كانوا حليقي اللحية أو مطلقيها من
اجل أن تحقن دماؤهم من جهة ويستمروا في حشد الدعم
الدولي لقضيتهم من جهة أخرى.
ليس مطلوباً ولا يمكن
أن يكون الفلسطينيون ملائكة ولكن الأهم من ذلك أن
يحافظوا على جذوة باقية لدى العرب بأهمية نصرة قضيتهم،
ولن ينتصر لهم احد إذا لم ينتصروا لأنفسهم، سواء كان
هذا الأحد قريباً أو حليفاً، وذلك عن طريق تحكيم العقل
لا العاطفة.
قضية الفلسطيني أكثر
من معقدة وأكثر من صراع على سلطة، وحتى أعمق من حرب
أهلية، فقد احترب اللبنانيون لفترة طويلة أكثر من مرة،
إلا أن لبنان بقي على حاله، كما احترب السودانيون وبقي
السودان في نهاية المطاف، واحترب أبناء شمال ايرلندا
حتى العظم، وبقيت شمال ايرلندا كما هي، بل إن
العراقيين يحتربون اليوم في ما بينهم، ولكن العراق سوف
يبقى.
فلسطين مختلفة عن كل
ذلك، فكلما احترب الفلسطينيون بين بعضهم بعضاً خسر
الجميع أرضاً، وخسر الجميع تعاطفاً، وخسر الجميع
تأييداً، ثم يجري قضم الأرض التي لا يستطيع أهلها أن
يكونوا سلطة في ما بينهم. هذا ما بحت به أصوات كثير من
الكتاب العرب وأصدقائهم، وكاتب هذه السطور منهم،
فالخسارة أعظم بكثير حتى من الأرواح المزهقة.
فلسطين لن تخلصها
«حماس» من وهدتها ولن تخلصها المنظمة، تحتاج إلى
عاملين الأول وحدة الفلسطينيين والثاني حكمتهم.
وعندما يتحدث البعض
عن وحدة الفلسطينيين يجب أن لا يذهب التفكير إلى وضع
ساذج وعفا عليه الزمن، بأن يكون الجميع واحداً، لا
بالتأكيد، فهذا أمر غير ممكن ولا حتى إنساني، المعنى
المراد أن يكون هناك ناظم للتعددية الفلسطينية، وهو ما
تفتقت عنه فكرة منظمة التحرير الفلسطينية التي تتفاعل
في داخلها كل الفصائل.
وليس ممكناً أيضا أن
يبقى شعب من دون أشخاص (فاسدين) بالمعنى العام للكلمة،
وهم قد يكونون في أي طرف، لا عصمة هنا لأحد أو فصيل.
إلا أن هناك آليات يجب وضعها واحترامها على كل الأصعدة
لبيان الفاسد. لقد تفشت في النطاق الفلسطيني في
السنوات الأخيرة مجموعة من المظاهر أوصلت أطرافاً
فلسطينية إلى أن تُكوّن عصابات مسلحة، تقتل بالشبهة،
وتوزع العقوبات على من تريد من دون وازع من ضمير أو
سند أخلاقي ولا مرجعية قانونية متعارف عليها.
إذا لم يكن أحد يعرف
فقد عرف من تقارير عالمية أن الفاقة ضربت عشرات الآلاف
من الأسر الفلسطينية في غزة. لقد حطم الاحتلال والفقر
حياة الآلاف المؤلفة من الفلسطينيين في كل مكان، سواء
في غزة أو في الضفة أو في المخيمات خارج فلسطين. ومن
منا لا ينفطر قلبه على لوعة شيخ أو عجوز فلسطينية في
نهر البارد ربما يهجر أو تهجر من مسكنها البالغ
الرثاثة للمرة العاشرة. وكم منا يعلم أن الفطور الذي
تناوله السيد إسماعيل هنية مع صحافي هيئة الإذاعة
البريطانية الذي كان محتجزاً، بعد إطلاقه، والذي شاهده
كثيرون على شاشات التلفزيون، لا يتوفر لآلاف الأطفال
في مدن فلسطين. والجميع يعلم أن معظم الطعام وكل
الطاقة تأتي من إسرائيل إلى مناطق فلسطينية مختلفة.
الشطارة كما يبدو هي
في تبادل الاتهامات والشتائم ثم المقاطعة والتصفية، ثم
الانحدار نحو جهنم، وهي هنا فقدان الأمل لآلاف مؤلفة
من شعب غاضب وفاقد للصراط، وهو أسوأ ما يمكن أن يحصل
لشعب.
إذا قدر لهذه الكلمات
أن تصل للسيد خالد مشعل أو السيد محمود عباس، أو من
يشير عليهم، فإن المخرج الحقيقي لمثل هذا المأزق غير
المسبوق هو الاتفاق على وحدة ضمن التعدد، وأيضاً اللوذ
بالحكمة، وأخال أن هذه أساسية، فإن فقدت فلا خير في
الوحدة.
ماذا اعني بالحكمة؟
لعل بعض العناوين تكفي. فالقضية الفلسطينية هي قضية
سياسية وليست قضية دينية، كما أن القضية هي قضية عقل
قبل أن تكون عاطفة. و بهذا المعنى الشامل فالعمل
السياسي استطردا هو إسقاط حجج الأعداء أمام العالم،
ووضع الحجج المضادة. ليس بالعاطفة ولكن بالفعل.
لقد فازت «حماس» في
شباط (فبراير) 2006 بأغلبية مريحة، إلا أنها أفسدت مع
الأسف هذا النصر، حيث جيرته أولاً لنفسها لا للشعب
الفلسطيني، وسلبت منه ثانياً المكون السياسي، الذي
يتمحور حول توقع تكتيكات الأعداء وإفشالها قبل أن
تتبلور. لقد تشتت اتخاذ القرار كما يبدو بين الداخل
والخارج، وتكالب المتحدثون على التلفزيون بتصريحات لا
مرجعية لها، حتى فقدت المبادرة الديموقراطية زخمها.
لا يستطيع عاقل اليوم
أن يسير وراء الحديث أن إسرائيل «تقدم تنازلات لحركة
فتح أو المنظمة» نكاية بـ «حماس»، كما لم يكن هناك
عاقل يرى أن «حماس» قد انشئت في الزمن الغابر من قبل
إسرائيل، فهي رهينة لها. الأعداء - في أي صراع -
يستفيدون من النواقص والنواقض، والبكاء على الماضي
جهالة ما بعدها جهالة. لذا يا أخي الكريم خالد مشعل
كتبت ما كتبت في السابق، وكتب غيري ملايين الكلمات
وكلها تصب في المجرى نفسه. قضيتكم أهم بكثير من
استرضاء المصالح المؤقتة للبعض، كما أنها أكبر بكثير
من بندقية. إن أهم ما تملكونه هو العقل فاستخدموه،
وقبله اقرأوا تاريخ شتاتكم ففيه العبرة!
كاتب كويتي.
مع التقدير لما أتى في المقالة فهي
لا تعبر بالضرورة عن رأي حركة القوميين العرب
حركة القوميين العرب
E-mail :raouf-b@mail.sy
تلفون جوال: 932430637 00963
فاكس: 2312744 11 00963
الموقع الإلكتروني:
www.alkawmiyeenalarab.net
|