|
ماذا سيسجِّل
التاريخ الفلسطيني للأجيال؟
د. أحمد عبد الملك
لاشك أن ما يجري على
الساحة الفلسطينية لا يسرُّ العرب؛ ولا يسّر
الفلسطينيين، قدر ما يسر إسرائيل والشامتين في الأمة
العربية والإسلامية المعروفة بالتسامح والإخاء والعفو
عند المقدرة!؟
ولاشك أن صيغ
الاعتداء والانتقام التي جرت بين الطرفين "الحميمين"
–"حماس" و"فتح"- تذكّرنا بصيغ الاعتداء والانتقام التي
تجري يومياً في مدن العراق بين السُّنة والشيعة.
وللأسف فإن مشهد عنصر
مسلّح من "حماس" وهو يدوس برجله صورة عرفات؛ والآخر
الذي يزيل علَم فلسطين من مكتب الرئيس محمود عباس؛ هذا
المشهد لا ينمُّ عن شعب عاش أزمة العودة إلى الوطن.
ولا ينم عن شعب كانت بندقيته دوماً موجهة نحو العدو،
وليس إلى صدر الأخ؟!
وحتى في الحرب بين
الأعداء توجد أخلاقيات؛ وتوجد قيم لا يجوز للجندي أو
الضابط تجاوزها. ولكن ما جرى خلال الأسبوع الماضي في
غزة ذكّرنا بالرعاع الذين دخلوا قصور صدام حسين إثر
التحرير وسرقوا محتوياتها -رغم بالغ بُعد الشبه بين
"أبو مازن" وصدام حسين! كما حدث نفس الشيء في منزل
المرحوم ياسر عرفات، حيث تعرض المنزل للنهب على أيدي
عناصر من "حماس"!
إن مقر الرئاسة رمز.
وما فيه من محتويات أو وثائق أو أجهزة يظل ملكاً
للحكومة التي لا يجوز أن "يثور" أبناؤها عليها وهي
شرعية. ومن المُخجل أن يتفوه أحد منسوبي "حماس" بأن
محتويات مجمع الرئاسة الفلسطينية "من أموالهم وأموال
الشعب وهم يستردونها"!؟ ذلك أن الرئاسة ما زالت شرعية
وهيبة الرئاسة يجب أن تُصان! ولقد تفننت وكالات
الأنباء وهي تنشر صور الشباب الملثمين وهم يجلسون على
طاولة الرئاسة رافعين أرجلهم على مكتب الرئيس!؟ هل هذا
من أخلاق العرب أو على الأقل من أخلاق الرجال؟!
ثم من هو المسؤول عن
إطعام الشعب الفلسطيني؟ هل هي "حماس" أم السلطة
الفلسطينية؟! وما هو ذنب الشعب الفلسطيني حينما
"يتعارك" زعماؤه على الكراسي؟ ثم ما هكذا تورد الإبل.
فعندما نريد محاكمة أحد فليس من الحكمة أو التحضر أن
تهجم جماعات ملثمة على منزل أحد المسؤولين في "فتح"
(محمد دحلان) وتسرق منه القرميد والأدوات الصحية ناهيك
عن المحتويات!؟
هذا ليس تصرف أفراد
يحلمون بحكم الشعب الفلسطيني، أو أخلاق مناضلين يرنون
إلى العودة إلى أوطانهم؟ بل إن "التعارك" فيما بينهم
على سيارة في مقر الرئاسة ليس من خصال الثوار؟! وما
يضحك ويُبكي في هذا الاقتتال الفلسطيني/ الفلسطيني هو
أن يظهر أحدهم و"يحمّل المجتمع الدولي مسؤوليته تجاه
ما يجري في غزة والقطاع"!؟ في الوقت الذي بانَ للعيان
أن كل ما يجري هو "انقلاب" ضد الشرعية الفلسطينية، كما
قال المستشار السياسي للرئيس الفلسطيني. ومن المُخجل
أن يقوم الإخوة -إخوة السلاح والمصير والعودة- باعتقال
زملائهم وهدم منازلهم. ثم يتنادون في الجامعة العربية
نحو الأخوة العربية والنخوة العربية لتحريك (خزائن
النفط)، وتعويض المتضررين وإعادة بناء البيوت التي
هدمها "لعب الزعران" في غزة.
كما أن الحرب
الإعلامية الدائرة بين "حماس" و"فتح" تزيد الأمور
التهاباً. إذ لا يجوز لإخوة السلاح "تعيير" بعضهم
بعضاً؛ وحبس بعضهم بعضاً، وسرقة منازل بعضهم بعضاً.
فالمناضل الفلسطيني له كرامته؛ وإذا كان الفلسطيني
ينتهك كرامة أخيه المناضل باعتقاله -خصوصاً اعتقال
قادة الأجهزة الأمنية في حركة "فتح"- فماذا ترك الإخوة
الفلسطينيون لإسرائيل؟! كما لا يجوز إطلاق عبارات
"التخوين" ضد رموز الشرعية الفلسطينية الذين يعترف بهم
العالم!
وهل يعتقد أعضاء
"حماس" أنهم سوف يحررون أرضهم أو الجزء المخصص لهم -في
الاتفاقيات الدولية- عبر تحويل عزة إلى صومال جديدة؟
حتى لو كان "الحمساويون" ينظرون إلى غزة على أنها ورقة
يمكن أن يساوموا بها العالم لقاء الاعتراف بهم! ولكن
حتى هذه الورقة ستبدو محروقة إن حرقت الأرض التي تقف
عليها الورقة! واليوم يشهد العالم كله بأن ما يجري على
الساحة الفلسطينية هو تشويه لمسيرة النضال الفلسطيني،
التي سقط فيها العديد من الأسماء؛ وهو "شهوة" الوصول
إلى كرسي الحكم والانفراد بالقرار الفلسطيني. خصوصاً
ونحن نعيش عصر العقل الذي حل محل صوت المعركة؟ وأن
شعارات التحرير ما عادت تنفع في هذا الزمان.
يعيش الشعب الفلسطيني
ازدواجية السلطة هذه الأيام. مما يسهّل تشطير
"المشطور" و"تمزيق" الممزق من الأراضي الفلسطينية؛
وخلق حالة لـ"دويلتين" صغيرتين لا تحتملهما إسرائيل
بالطبع. ذلك أن إسرائيل والولايات المتحدة والمجتمع
الدولي بعيدون عن حقيقة ما يجري على الساحة
الفلسطينية. ولقد أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تسمح
بوضع ملايين الفلسطينيين في غزة تحت "رحمة منظمة
إرهابية" كما جاء على لسان متحدث رسمي! كما أعلنت
المفوضية الأوروبية عدم شرعية ما قامت به "حماس" من
أعمال ضد الشرعية الفلسطينية. بينما اعتبرت لندن أن ما
قامت به "حماس" "انقلاب" على الشرعية. في حين اعتبرت
جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر "أن قيام عباس بحل
حكومة الوحدة الوطنية، وتشكيل حكومة طوارئ يعتبر
تصعيداً غير مبرر، وأنها ستزيد الأمور تعقيداً"؟
نحن نريد للأعلام
الخضراء أن ترفرف فوق فلسطين وليس فوق مجمع الرئاسة
الفلسطينية. والعلم الفلسطيني أهم بكثير -لدى الثوار
الفلسطينيين- من الأعلام الملونة! نريد من الإخوة
الثائرين أن يغيروا على البيوت الإسرائيلية ويدخلوا
الأراضي المحتلة، وينهبوا بيوت المحتلين ويعتقلوا
مغتصبي الأرض الذين طردوهم منذ عام 1948؟!
ليس أمام الشعب
الفلسطيني إلا الوحدة؛ ومواجهة العالم المتحضر بقرار
شجاع يؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس
الشريف. وتهيئة الظروف لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني
في التشرد والاقتتال وحياكة المؤامرات ضد بعضهم بعضاً.
أما كتّابنا الذين
يستخدمون عبارات التبرير وإرجاع ما يجري بين
الفلسطينيين إلى "مؤامرات" أميركية وإسرائيلية وعربية؛
فعليهم عدم اللهاث وراء الخداع البصري وإلهاء القراء
بالحلم الفلسطيني المسروق. إن اعتقال إسرائيل لبعض
القادة الفلسطينيين أقل وطأة على العقل من قيام
فلسطينيين بتهشيم صورة عرفات مهما اختلفنا حول إدارته
للقضية الفلسطينية. وإنه لمن المُخجل أن يدوس هذا
"المناضل" بحذائه صورة عرفات؛ وهو الرمز الذي التفت
حوله كل الفصائل الفلسطينية.
إن الحرب الدائرة بين
الفلسطينيين ليست حرب "اللاهدف" كما يسميها البعض. بل
إنها حرب "الهدف- الحكم"؛ وحرب خلق حالة الفوضى التي
تؤدي إلى المزيد من "ضحك" العالم المتحضر علينا كعرب
وكمسلمين؛ لا نمتهن إلا الاحتراب وإذا لم نجد من
نحاربه؛ قمنا بمحاربة بعضنا بعضاً وهذا ما يؤكده
الاحتراب الفلسطيني اليوم._ الاتحاد الاماراتية _
|