|
عاجل للأهمية
الخائفون من الانتصار!
بقلم: نبيل زكي
هناك من يخافون من
الانتصار!!
والسبب أن هذا
الانتصار قد يثير غضب الإدارة الأمريكية ويحثها علي
المزيد من التشدد، كما أنه يمكن أن يدفع واشنطن إلي
معاقبة أنظمة الحكم العربية بنفس الطريقة التي يتبعها
مديرو السجون وهي: اعتبار أي مخالفة أو خروج علي
النظام سببا لمعاقبة جميع المسجونين تطبيقا لقاعدة
-الحسنة تخص والسيئة تعم-، بمعني أنه إذا قام فرد بعمل
طيب من وجهة نظر الجلاد، فإنه يستحق - هو وحده -
مكافأة، أما إذا ارتكب فرد خطأ ما، فإن الجميع الذين
يوجدون معه في نفس المكان -أو المنطقة- يجب توقيع
العقاب عليهم!!.
وهناك من يحذروننا
قائلين إن إسرائيل لن ترضي بالانكسار ولن تقبل
الهزيمة، ولن تسمح لأحد بأن يعترض طريق تحقيق أهدافها
أو حتي محاولة التجاسر علي إثارة غضبها، فضلاً عن
المساس بغرورها أو وضع تفوقها موضع التساؤل.
لا.. للتهوين
والتهويل
ونحن - بدورنا - لا
نقلل من قوة العدو وقدراته الهائلة في القتل الجماعي
والتدمير الشامل، ولكننا - في نفس الوقت - نرفض
التهويل الفارغ والتخويف الكاذب، كما سبق أن رفضنا
الرهان علي الخارج في انتزاع حقوقنا المسلوبة وأرضنا
المغتصبة.
ويتحدث بعض الأصدقاء
عن خطأ توفير ذريعة للعدو لكي يعتدي علينا..
ورغم أن هذا الكلام
يبدو منطقيا، إلا أنه ليس صحيحا علي إطلاقه.
فلم تكن هناك أي
ذريعة لارتكاب مجزرة دير ياسين، أو كفر قاسم أو صبرا
وشاتيلا أو قانا (1)، وقانا (2) ثم إنه يسهل علي العدو
اختلاق الذرائع إذا كان يريد العدوان.
فقد دبر هتلر حريق
الرايخستاج -البرلمان الألماني- لتبرير انفراده
بالسلطة وفرض ديكتاتورية رأس المال المسلح علي بلاده،
ودبرت الولايات المتحدة حادث خيلج تونكين لتبرير
عدوانها علي فيتنام.
السؤال الرئيسي
وما يجب أن نتوقف
عنده ونطرح الأسئلة هو: ألم يسبق للمقاومة اللبنانية
أن أسرت جنودا إسرائيليين؟ وألم يسبق أن تم تبادل أسري
بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل؟
لقد حدث ذلك أكثر من
مرة.
ولهذا فإن الأمين
العام لحزب الله حسن نصر الله علي حق عندما يقول إن
قيادة حزبه لم تتوقع - ولو بنسبة واحد في المائة - أن
عملية أسر الجنديين الإسرائيليين ستؤدي إلي حرب بهذه
السعة وبهذا الحجم، وأنه لو علم أن عملية الأسر ستقود
إلي هذه النتيجة لما قام بها قطعاً.
إذن، لماذا قامت
إسرائيل بهذا العدوان الهمجي الشامل علي لبنان بينما
هي تعلم - مسبقا - أن هذا العدوان لن يؤدي إلي إطلاق
سراح الجنديين؟ ولماذا تصرفت هذه المرة علي نحو يختلف
تماما عن تصرفاتها السابقة في مثل هذه الأحوال.
الفاعل الأصلي
سوف نجد إجابة عن هذا
السؤال في التحليل المهم الذي كتبه المعلق الإسرائيلي
-أكيفا ايلدار- في صحيفة -هآرتس- الإسرائيلية يوم 28
أغسطس الحالي يقول:
هذا الفشل في حرب
لبنان الثانية له آباء كثيرون -يتحمل مسئوليته كثيرون-
سواء من المدنيين أو العسكريين، والمفترض أنه ستجري
محاسبتهم علي قراراتهم الخاطئة والمعيبة وإجراءاتهم
القاصرة وتدابيرهم الهزيلة، أما جورج بوش ورجاله،
الذين ساهمت سياساتهم في تدهور الأمن القومي لإسرائيل،
فإنهم سوف يخرجون من هذه المحاسبة.. سالمين دون أن
يتعرضوا لأي أذي، بل إن الفرع التابع لهم في إسرائيل
سوف ينتعش مرة أخري علي أنقاض الحاكم في الجليل -
الشمال الإسرائيلي - وسوف يستفيد ويعزز مواقعه بفضل
إخفاقات الجيش الإسرائيلي!
أصحاب القرار
المعني واضح، وهو أن
المسئولين الحقيقيين عن حرب تدمير لبنان وقتل أكثر من
ألف من أبنائه وإصابة الآلاف.. لن يخضعوا للحساب،
لأنهم ليسوا في إسرائيل، وإنما في واشنطن، وهم أصحاب
قرار الحرب.
والأخطر من ذلك أن
المعلق الإسرائيلي -أكيفا إيلدار- يتوقع أن تتولي
واشنطن تشجيع ائتلاف من اليمين واليمين المتطرف في
إسرائيل، إلي تولي السلطة بغرض تكريس الاحتلال
الإسرائيلي للأراضي العربية.
ويقول المعلق إن
أصدقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين
نتنياهو في إدارة الرئيس الأمريكي بوش في واشنطن
والعقول المفكرة في دوائر المحافظين الجدد هناك شعروا
بارتياح من احتمال صعود نجم هذا اليميني المتطرف
المعادي لكل ما هو عربي -نتنياهو- بعد أن شعروا بخيبة
أمل، لأن رئيس الوزراء الحالي إيهود أولمرت تردد قليلا
قبل إرسال القوات الإسرائيلية إلي -حقول القتل- في
لبنان!!
-عجائب- بوش
غير أن عجائب سياسات
الرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط لا تنتهي.
.. فهذا الرجل الذي
يزعم أنه يخوض حربا عالمية ضد -الإرهاب-، ويعتبر
المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي، والمقاومة
الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي أهدافا مباشرة يجب
ضربها لمجرد أنها تريد تحرير ترابها الوطني..
هذا الرجل يسند إلي
إسرائيل مهمة تصفية المقاومة الوطنية في المنطقة..
غير أن مشكلة بوش أنه
أصبح عاريا ومفضوحا.
في مقابلة صحفية
أجريت مؤخرا مع -بيتر جالبريت- السفير الأمريكي السابق
في كرواتيا يروي الحكاية التالية التي يسجلها في كتابه
الجديد -نهاية العراق: كيف أشعل العجز الأمريكي حربا
بلا نهاية-:
-عندما التقي ثلاثة
أمريكيين عراقيين بالرئيس بوش قبيل غزو العراق عام
2003، أخذوا لفترة طويلة من الوقت يشرحون له الخلافات
بين الطائفة الشيعية والطائفة السنية في العراق
لمساعدته علي تكوين خلفية من المعلومات حول الأوضاع
هناك.
وفي ختام الشرح فوجئ
هؤلاء الشرّاح بالرئيس بوش يقول: كنت أظن أن
العراقيين.. مسلمون-!!!
الهراوة.. أفضل!
تلك هي المشكلة التي
يضيف إليها الدكتور -فلينت ليفريت- المدير السابق
لشئون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي
وعضو هيئة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية
الأمريكية.. واقعة بالغة الأهمية.
يقول إنه عقب
اعتداءات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن عرضت دول
مثل سوريا وإيران علي الولايات المتحدة المساعدة في
مكافحة تنظيم -القاعدة- وحركة -طالبان-.
ويضيف -فلينت ليفريت-
أنه وزملاءه قدموا توصية لوزارة الخارجية الأمريكية
بقبول هذا العرض، وكان أصحاب التوصية يحدوهم الأمل في
أن يؤدي التعاون التكتيكي مع مثل هذه الدول إلي
إقناعها بتغيير موقفها من إسرائيل.. ولكن بوش
ومستشاريه كانوا يفضلون استخدام سياسة الهراوة
الثقيلة، وقرروا العمل علي الإطاحة بأنظمة الحكم في
تلك الدول بالقوة.
ويقول الدكتور
ليفريت: إن بوش كان يفصح عن رغبته في تشكيل قيادة
فلسطينية تهتم بالحكم المحلي -تقديم الخدمات مثل جمع
القمامة- وتكون أقل اهتماما بقضايا الحل النهائي مثل:
الأرض، والمستوطنات، والقدس.
من فشل إلي فشل
ويعيد -ليفريت- إلي
الأذهان في مقال نشره مؤخرا في -أميركان بروسيكت- أنه
عندما أسفرت الانتخابات الديمقراطية -التي طالب بها
بوش- في فلسطين عن فوز حماس، قررت الإدارة الأمريكية
مقاطعة الحكومة المنتخبة، وطالبت الرئيس الفلسطيني بأن
يحل الحكومة!!.
إذن.. فالأمور لا
تحتاج إلي إيضاح، وحتي صحيفة -هآرتس- الإسرائيلية تحذر
من أن لجنة التحقيق التي تشكلت في إسرائيل للتعرف علي
أسباب الهزيمة لن تمنع صواريخ كاتيوشا، أو صواريخ
القسام، كما تحذر من أن تغيير التوجه الاستراتيجي لن
يتحقق بتسليم السلطة في إسرائيل إلي المحافظين الجدد
الذين يتفقون مع الرؤية الأمريكية التي قادت محور
واشنطن تل أبيب من فشل في العراق إلي هزيمة في غزة
وسقوط في لبنان..
استطلاع رأي
ونحن - بدورنا - نقول
إن الحل لا يكمن في إعادة فتح مدرسة تعليم الجنود
الإسرائيليين أساليب حرب العصابات -التي كانت قد أغلقت
قبل ست سنوات-، كما أن الحل لا يكمن في تنفيذ ما دعت
إليه كل من صحيفة -لوس أنجلوس تايمز- الأمريكية وصحيفة
-واشنطن بوست- الأمريكية أيضا، وهو تقسيم العراق إلي
دولة للأكراد في الشمال، ودولة للسنَّة -في الوسط-
ودولة للشيعة -في الجنوب-.
وربما سوف تستفيد
الإدارة الأمريكية كثيرا إذا استوعبت نتائج استطلاع
للرأي أجرته مجلة -تايم- الأمريكية وكشف أن الموقف
الأمريكي من الحرب الإسرائيلية ضد لبنان ألحق الأذي
بالحرب ضد الإرهاب.
غزاة غرف النوم!
ويقول المعلق
البريطاني روبرت كورنويل في صحيفة -الإندبندنت-: إن
الحرب الأمريكية الكارثية في العراق دامت حتي الآن
فترة زمنية أطول من الفترة التي حاربت فيها أمريكا
أثناء الحرب العالمية الثانية -1267 يوما في العراق،
حتي عطلة نهاية الأسبوع الماضي، 1244 يوما في الحرب
العالمية الثانية- ولا تلوح نهاية في الأفق.
وتعترف الصحف
الإسرائيلية الآن بأن القتال ضد الفلسطينيين -أفسد-
الجيش الإسرائيلي كجيش نظامي متطور، ويقول المعلق
الإسرائيلي -جدعون ليفي- إن جيشا يقوم -بغزو غرف النوم
ومطاردة الأطفال في الأزقة والحواري وهدم آلاف
المنازل.. لا يصلح للحروب-.
ويلفت هذا المعلق
النظر إلي أن ما يسمي بحركات الاحتجاج في إسرائيل تطرح
أسئلة تدل علي شعورها بالإحباط، لأن الحرب قد انتهت،
ولا تطرح أسئلة حول السبب في إشعال هذه الحرب أصلا من
جانب إسرائيل، كما أنها لا تطرح أسئلة حول -أخلاقيات-
الحرب، وقتل مئات المدنيين الأبرياء وتحويل عشرات
الآلاف إلي لاجئين يعانون من الحرمان.
وثم اتجاه قوي في
إسرائيل يعلن بصراحة أن الحل لا يكمن في خروج الثلاثي
أولمرت وبيريتس -وزير الدفاع- وحلوتس -رئيس الأركان-
من المناصب التي يشغلونها، والذهاب إلي بيوتهم، وإنما
إعادة النظر في كل سياسات إسرائيل طوال السنوات
الماضية.
الدفاع عن -اليأس-!
أما عن عالمنا
العربي، فإن البعض منا يعكف علي البحث عن وسائل
لمهاجمة المقاومة اللبنانية بدلا من إسرائيل وأمريكا.
إنهم يريدون إقناعنا
بأننا فاشلون دائما ونعاني من النقص الذي أصبح جزءا من
تكويننا وكياننا وهويتنا.
إنهم يدافعون بشراسة
عن اليأس والانهزامية، كما لو كانوا يريدون منا أن
-نتحرر- من هويتنا، وأن نقنع بما تلقيه واشنطن وتل
أبيب إلينا من فتات.
إنهم يريدون منا أن
نلتحق بالركب الأمريكي - الإسرائيلي وأن نطلب الغفران
من البيت الأبيض، لأننا لم نقم بواجبنا حتي الآن - علي
الوجه الأكمل - في خدمة مشروعاته ومخططاته وأهدافه.
أسئلة مشروعة
ولم يخطر علي بال
هؤلاء أن يطرحوا أسئلة من نوع:
كيف نستثمر - سياسيا
- أداء المقاومة اللبنانية وانكشاف هشاشة وعورات
إسرائيل -في وقت يقول فيه الخبراء الإسرائيليون إن
مطالب القيادات العسكرية الإسرائيلية بشأن الاعتمادات
الإضافية للإنفاق العسكري - بعد الفشل في لبنان -
ستجعل إسرائيل تعود إلي الوراء عشرين عاما، لأن
الأموال ستؤخذ من ميزانيات التعليم والبنية الأساسية
وغيرها-.
.. أو أسئلة من نوع:
- من يحمي لبنان؟
وكيف نؤمن هذه الحماية إذا أراد العدو أن يهاجم مرة
أخري؟
- من يكفل حمايتنا من
ابتزازات العدو وتهديداته باستخدام القوة في أي وقت؟
- ما امكانات مواصلة
العمل الدبلوماسي؟
- ما هو الموقف من
أمريكا صاحبة قرار العدوان علي لبنان؟
|