<% Dim fsoObject 'File System Object Dim tsObject 'Text Stream Object Dim filObject 'File Object Dim lngVisitorNumber 'Holds the visitor number Dim intWriteDigitLoopCount 'Loop counter to display the graphical hit count Set fsoObject = Server.CreateObject("Scripting.FileSystemObject") Set filObject = fsoObject.GetFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) Set tsObject = filObject.OpenAsTextStream lngVisitorNumber = CLng(tsObject.ReadAll) lngVisitorNumber = lngVisitorNumber + 1 Set tsObject = fsoObject.CreateTextFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) tsObject.Write CStr(lngVisitorNumber) 'Reset server objects Set fsoObject = Nothing Set tsObject = Nothing Set filObject = Nothing For intWriteDigitLoopCount = 1 to Len(lngVisitorNumber) Response.Write("") Next %>
                            ان القدرة على التعبير هى القدرة على الحياة // تصدر عن مؤسسة الانباء العالمية للصحافة والطباعة والنشر والدعاية والاعلان
 

دعوة للأخر
مقالات رئيس التحرير
 
راسم عبيدات

الأسرى الفلسطينيون وسياسة الباب الدوار

راسم عبيدات

......لعل أدق وأحسن وصف ينطبق على ما يسمى ببوادر حسن النية الإسرائيلية، فيما يتعلق بالافراجات عن الأسرى الفلسطينيين، هو ما وصفها به القائد مروان البرغوثي، بأنها نكته وفعلاً هي نكته، حيث توقعنا من خلال التطبيل والتزمير لأنابوليس بأنه لن يبقى في المعتقلات والسجون الإسرائيلية أسير فلسطيني واحد، كيف لا ؟، وهناك من أتحفنا بنظرية القيادة الخلاقة والمبدعة وإنجازات أوسلو، وإنجازات انابوليس ونظرية المسامير الأربعة، ولربما صاحب النظرية نفسه،هو يعرف أكثر من غيره أن أوسلو من قبل أنابوليس، لم يجّر على الشعب الفلسطيني إلا المصائب والويلات، حيث عمق من حالة الانقسام والانشقاق في الساحة الفلسطينية، والتي لم تقتصر على الأحزاب والقوى السياسية ،بل طالت المجتمع الفلسطيني بأكمله، وعززت من حالة الجهوية والعشائرية والقبلية والنهج الميليشياتي في صفوف الشعب الفلسطيني، وزيادة على ذلك مأسسة الفساد من أعلى هرم ومستوى في السلطة حتى أصغر موظف فيها، ومسامير الانجازات الأربعة التي يتحدث عنها صاحبنا الهمام، هي فعلاً الخوازيق الأربعة التي سيقعد عليها شعبنا الفلسطيني،والتي لعل أخطرها هو، خازوق إسقاط وشطب حق العودة، وتهجير ولجوء آخر لمن صمد ودافع عن أرضه ووجوده في مناطق عام 1948، والقيادة المبدعة والخلاقة والتي دائماً،تتحدث عن الإنجازات الورقية، وبنفس شخوصها وأدواتها ،هذه الشخوص والأدوات التي تجتر وتستدخل الهزائم على أنها انتصارات،فبدلاً من أن تتهالك على حضور مؤتمر أنابوليس،تحت يافطة وذريعة الممرات الإجبارية،هذا المؤتمر الذي ليس له أجندات ولا جدول أعمال ولا مرجعيات ولا آليات للتطبيق والتنفيذ، كان الأجدى بها أن تعمل على ترتيب وإعادة اللحمة والوحدة للبيت الداخلي الفلسطيني، وأن تتمترس حول مطلب صغير جداً،وهو الإصرار على الإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين قبل مرحلة أوسلو،وممثلي الشعب المنتخبين والمختطفين والمعتقلين في السجون الإسرائيلية من قادة أحزاب وفصائل إلى وزراء وأعضاء برلمان،بدلاً من التهالك على عقد لقاءات للعلاقات العامة والصور التذكارية، ومن أجل مفاوضات"مارثونية"عنوانها التفاوض من أجل التفاوض، لن تؤدي إلى إزالة بؤرة استيطانية واحدة، حيث أن القيادة الإسرائيلية المتباكية على السلام، والتي أكثر ما تخدع العرب والفلسطينيين بشعارات وأوهام التنازلات المؤلمة من أجل السلام،ما أن انتهت حفلة الخطابات والمصافحات في أنابوليس،حتى سارعت القيادة الإسرائيلية،للبحث في الطرق والاليات التي تشرع فيها البؤر الاستيطانية من خلال خصخصة الاستيطان، بحيث تقدم الحكومة الأموال اللازمة للاستيطان إلى المجالس المحلية، وتقوم هذه المجالس بتنفيذ المشاريع الاستيطانية، بل أن حكومة الاحتلال وجهت صفعة قوية لما يسمى بمعسكر الاعتدال العربي، وبلغة ناصر قنديل مدير مركز دراسات الشرق دول "الاعتلال" العربي، عندما أعلنت عن استدراج عروض من أجل بناء وإقامة 307 وحدات سكنية في منطقة جبل أبو غنيم الواقعة في القسم الشرقي من مدينة القدس والمحتلة عام سبعة وستين، وبالعودة لموضوعة الأسرى،فإن الشيء المخجل والمحزن هنا ،أن السلطة تتحدث عن لجنة إسرائيلية- فلسطينية لمعالجة ملف الأسرى، دور الطرف الفلسطيني فيها كشاهد الزور والمشرع للإجراءات والممارسات الإسرائيلية بحق هؤلاء الأسرى ، فأنا لا أفهم لجنة الطرف الإسرائيلي فيها المقرر في كل شيء ،يحدد أسماء الأسرى المنوي الافراج عنهم ومدة محكوميتهم ومناطقهم الجغرافية وغيرها، فهذه لجنة ليس لها أية صلاحيات والعملية إسرائيلية من ألفها إلى يائها، فحل هذه اللجنة أفضل من بقائها، كما انه في عهد الحكومة الفلسطينية الرشيدة الحالية، وكما ذكر لي الأسرى حسام شاهين وأمجد أبو لطيفة وإبراهيم مشعل وهيثم عبيدات في رسائلهم، فإنه لأول مرة من عام 1967 يمنع الاحتلال دخول الحلويات للأسرى في العيد، وكذلك يقولون أن أوضاعهم المعيشية وصلت حداً لا يطاق ويحتمل،والانكى والأدهى من ذلك أن اعداد الأسرى المفرج عنهم فيما يسمى ببوادر حسن النية الإسرائيلية، أقل أو في أحسن الأحوال مساوية للأعداد التي يجري اعتقالها من قبل الاحتلال وأجهزته الأمنية في نفس الفترة.

وأنا بدوري أسأل جهابذة وأصحاب النظريات الجديدة من الممرات الإجبارية إلى المسامير الأربعة وغيرها ،إذا كان أنابوليس لم ينجح في حل ملف ليس كل الأسرى الفلسطينيين،حتى لا أتهم بانعدام المعرفة بموضة المصطلحات الجديدة الواقعية والعقلانية، بل الأسرى القدامى والقادة والوزراء والنواب، والذين أتوا بانتخابات ديمقراطية شهد عليها ما يسمى بحماة ودعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان في أمريكيا وأوروبا، فهل سينجح أنابوليس في حل القضايا الكبرى والتي تشكل مرتكزات البرنامج الوطني الفلسطيني من اللاجئين،القدس، الحدود والاستيطان؟،أم ان المؤشرات والدلائل تشير إلى تحقيق ما طرحه القادة الصهيانه بدءاً من شامير ومروراً ببيرس ونتنياهو وانتهاءاً ببراك وأولمرت، مفاوضات من أجل المفاوضات، وامن مقابل التطبيع، فالقادة الصهاينة بمجمل ألوان طيفهم السياسي، يقولون ما المانع من مفاوضات مع الفلسطينيين دون إعطائهم أي شيء، وفي كل جولة مفاوضات أو مؤتمر نعود بهم للمربع الأول، ففي مؤتمر أنابوليس صاحب المسامير الأربعة، المنجزات المتحققة للشعب الفلسطيني، القادة الإسرائيليين قالوا علناَ وجهرأ، أنه غير ملزم لهم بفترات زمنية محدده.

واستمرار إدارات المعارك مع الاحتلال بهذه العقلية والذهنية ، سيجعل الأسرى الفلسطينيين تحت رحمة واشتراطات واملاءات وتقسيمات إسرائيل وأجهزتها الأمنية، أسرى فتح وأسرى حماس، أسرى سلطة وأسرى معارضة، أسرى ما يسمى بالأيدى الملطخة بالدماء، وأسرى أيديهم غير ملطخة بالدماء ، أسرى القدس ، أسرى ثمانية وأربعين وهكذا دواليك..

ومن هنا فإنه مطلوب من الطرف الفلسطيني المفاوض، أن يرفع بنطاله الساحل كثيراً كحال موضة شباب اليوم قليلاً، لأنه بدون هذا الرفع، فالتسحيل المجاني المتكرر والمتواصل، به لن يتحرر الأسرى، وأنا أقصد هنا الأسرى المحكومين أحكاماً عالية، وقادة الأحزاب والفصائل والوزراء والنواب وأسرى الثمانية وأربعين والقدس، وسيتحول عدد كبير من الأسرى من شهداء مع وقف التنفيذ إلى شهداء فعليين، وستستمر إسرائيل في انتهاج سياسة الباب الدوار معهم ، هذه السياسة التي تحتم على كل الفصائل والقوى ، البحث عن طرق وأساليب تضمن للأسرى تحررهم دون امتهان لكرامتهم ، او وصف لنضالاتهم "بالإرهاب"، فتجاربنا مع الاحتلال في هذا الجانب مريرة جدا، وهو متسلح بالعنجهية والغطرسة، وسيستمر في استخدام أسرانا كورقة ضغط وابتزاز.

راسم عبيدات

القدس – فلسطين

7/12/2007

 

بين " لافروف " و" رايس "

بقلم : راسم عبيدات

يبدو ان روسيا تحاول أن تستعيد جزءاً من دورها وهيبتها في منطقة الشرق الأوسط، ولذلك رأينا كيف أن روسيا ميزت موقفها عن المواقف الأمريكية والأوربية ، وقد لمسنا هذا التميز في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية، حيث رفضت روسيا المشاركة في الحصار الظالم الذي فرضته أمريكيا وأوروبا على الشعب الفلسطيني، وكذلك رفضت اعتبار حماس وفق التصنيف الأمر- أوروبي منظمة " إرهابية "، وفي حينها استقبلت وفداً قيادياً من حماس، وأبقت على اتصالاتها وعلاقاتها مع الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس، وبعد التطورات المتسارعة والمتلاحقة إقليمياً ومحلياً، وخصوصاً بعد ما أقدمت عليه حماس من حسم عسكري في قطاع غزة، وما تلاه من إجراءات إدارية وقانونية أقدم عليها الرئيس الفلسطيني من طرف واحد ن ووصول الأمور إلى حد القطعية بين قطبي الصراع الفلسطيني ( فتح وحماس )، هذه القطيعة التي تغذيها إسرائيل وأمريكيا بشكل خاص، ومعها دول أوروبا الغربية ومحور دول ما يسمى بالاعتدال العربي، هذه التغذية لها علاقة بالرؤيا والنهج والأهداف والمصالح الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة، والتي مجمل التطورات تشير إلى أنها تأتي في إطار محاصرة وضرب وتصفية قوى الممانعة والمقاومة والمعارضة العربية والإسلامية بدءاً من باكستان ومروراً في أفغانستان وإيران والعراق وسوريا ولبنان وانتهاءاً بفلسطين، هذه التطورات التي من شأنها أن توجه ضربة قاصمة للمصالح الروسية، والتي قد تمكن أمريكيا إذا ما نجحت في تدمير قدرات إيران العسكرية والنووية، من نشر جيوشها بالقرب من الحدود الروسية، وخسارتها لمصالحها في إيران ويجعلها تحت رحمة أمريكيا في مجال الطاقة والبترول، ويبدو أن القيادة الروسية، أخذت تعي جيداً المرامي والمقاصد الأمريكية، والتي سعت لنشر وإقامة قواعد أمريكية في دول أوروبا الشرقية، وبما تشكله من مخاطر جدية على الأمن الروسي، وبدون الخوض التفصيلي في هذا الجانب، نرى أن التحرك الروسي وبالتعاون والتنسيق مع القيادة السورية لإعادة اللحمة والوحدة إلى البيت الفلسطيني يندرج في هذا الإطار، ولكن كل المعطيات والمؤشرات تؤكد أن الإدارة الأمريكية ، لن تسمج بإدارة حوار داخلي فلسطيني، قبل أن تقوم بترتيب أوراقها والقيام بفعل عسكري ضد دول وحلقات الفعل الممانع والمقاوم والمعترض على الوجود والمشاريع الأمريكية في المنطقة، ولعل زيارة وزيرة الخارجية ووزير الدفاع الأمريكيين إلى المنطقة، لها علاقة مباشرة في هذا الموضوع، وما تقوم به الدبلوماسية الأمريكية والأوروبية واللجنة الرباعية يصب في هذا الهدف والاتجاه، فعلى سبيل المثال ، عادت "رايس " لطرح الاسطوانة المشروخة، الالتزام برؤية "بوش"، إقامة دولة فلسطينية قبل نهاية ولاية الرئيس الأمريكي الحالي، وهذا الالتزام ستكون جدية ممارسته وتطبيقه رهن بالتطورات العسكرية وما قد تسفر عنه من نتائج، وما تهدف له زيارة " رايس وغيتس " الحالية في المنطقة، هو التمهيد والترتيب لهذا العمل العسكري، من خلال إقامة حلف أمني عسكري سياسي أمريكي – إسرائيلي – عربي ( دول محور الاعتدال )، ولعل الإعلان عن صفقات الأسلحة الأمريكية الضخمة مع دول الخليج ، وكذلك المساعدات لمصر، والدعم اللامحدود مالياً وعسكرياً لإسرائيل لضمان تفوقها النوعي على العرب ، هو في صلب الترتيبات الأمريكية، وهذا يعني بالملموس وحتى يأخذ هذا التحالف طريقه للنور، ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية وعزل المسار الفلسطيني عن المسارين اللبناني والسوري، وهذا واضح من خلال دعوة الرئيس الأمريكي "بوش" لعقد مؤتمر إقليمي لحل القضية الفلسطينية، وكذلك تحركات "بلير" ممثل الرباعية وتحديداً في الإطار الاقتصادي، تحسين الظروف الاقتصادية للشعب الفلسطيني، لتخليصه من جين " الإرهاب "، وهذا يتطلب ممارسة الضغط على الجانب الفلسطيني من أجل منع إقامة أي حوار داخلي فلسطيني، قبل أن تقوم الإدارة الأمريكية وإسرائيل بعملهما العسكري، ضد دول وقوى الممانعة والمقاومة والمعارضة العربية والإسلامية،لأن من شأن ذلك إعاقة الترتيبات الأمريكية الجارية، و"رايس" في جولتها الحالية، ولضمان نجاح مهمتها وضمان مشاركة محور دول الاعتدال في خطتها، فإنها ستحاول الضغط على الجانب الإسرائيلي من أجل التعاطي الإيجابي مع مبادرة السلام العربية، والتركيز على المخاطر التي تشكلها الدول والقوى المتطرفة على أمن المنطقة، وبالتحديد إيران وسوريا وحزب الله وحماس وغيرها، هذه القوى التي تلعب دوراً بارزاً ومهماً في منع تبلور الشرق الأوسط الكبير، المؤتمر بإمرة أمريكا وتقوده إسرائيل، أصبح التعايش معها مستحيلاً، فهو لم تستجب لا لسياسة العصا ولا لسياسة الجزرة، والمرحلة الآن تتطلب استخدام الجزرة، قبل أن يتصلب هذا المحور ويخلق له امتدادات وحواضن إقليمية ودولية، وقد قرأت أمريكيا وإسرائيل مخاطر هذا المحور في لقاءات الرئيس الإيراني أحمد نجاد مع قادة سوريا وقوى المقاومة الفلسطينية وحزب الله .

إذاً أمريكيا وجدت في التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية، فرصتها في فكفكة حلقات التحالف الممانع والمقاوم والرافض لسياساتها، من خلال كسر الحلقة الفلسطينية وعزلها، وبما يمكنها من الانتقال إلى خياراتها العسكرية، وبتحالف واسع وعريض أمني وسياسي وعسكري مع إسرائيل ودول محور الاعتدال العربي، وروسيا تسابق وتصارع من أجل منع وقوع منطقة الشرق الأوسط وإيران والعراق تحت القبضة والهيمنة الأمريكية الكاملة، والتي  يشكل سقوطها مخاطر جدية وحقيقة، ليس على المصالح الروسية في منطقة الشرق الأوسط وإيران، بل وعلى أبواب عقر دارها، ولذلك تأتي مساعي القيادة الروسية من أجل إعادة اللحمة والوحدة إلى الساحة الفلسطينية، والتنسيق مع القيادة السورية  ، من أجل إعاقة الاندفاع الأمريكي، والذي بات قادته مقتنعين، أنه لا بد من توجيه ضربه عسكريه لإيران، تحد وتشل قدراتها النووية، وتمنع تمددها وتحولها إلى قوة إقليمية كبرى، تلعب في الملعب الأمريكي، من خلال تأثيراتها الواضحة في أكثر من ساحة، بدءاً من العراق ومروراً بلبنان وانتهاءاً بفلسطين، ويبدو أن الصحوة الروسية ستكون متأخرة ، وسيكون حظها في لجم التغول والتوحش الأمريكي، ليس كبيراً  وقوى المقاومة والممانعة والمعارضة العربية، إذا لم ترتب أوراقها بشكل جيد وتمتلك هامش كبير من المناورة والتكتيك، والالتصاق بالجماهير والقيام بحملة تعبئة وتحريض واسعتين لها ، فإنها ستتعرض إلى ضربة مؤلمة  وستنجح أمريكيا بفرض هيمنتها وسيطرتها على المنطقة بالكامل، وستعم الفوضى الخالقة كامل المنطقة ، والتي سيعاد رسم جغرافيتها وفق المصالح الأمريكية، والتي تضمن لها استمرار احتجاز تطور المنطقة لعشرات السنين، والاستمرار في نهب خيراتها وثرواته ، وتقتيل أبناء شعوبها عبر الحروب المذهبية والعرقية والطائفية والجهوية والعشائرية والقبلية .

راسم عبيدات

القدس – فلسطين

 

سياسة العصا والجزرة التي قوضت أوسلو
هل تقوض حكومة الطوارىء الفلسطينية ؟

بقلم : راسم عبيدات

على ضوء الوضع الذي نشأ في غزة، وحسمت فيه حماس سيطرتها عسكرياً، وما تبعه من تشكيل أبو مازن لحكومة الطوارئ، وتعطيل العمل بالدستور، وحل الحكومة السابقة، واتهام حركة حماس بمحاولة اغتياله، وبأنهم " قتلة وإرهابيين "  واللجوء إلى المجلس المركزي الفلسطيني، والمعطلة اجتماعاته منذ ما يزيد على عشر سنوات، واستخدامه للمصادقة على سلسلة الإجراءات التي اتخذها، وما تبع ذلك من حملة تشهير متبادلة بينه وبين قيادة حماس، كل ذلك يجعلنا نرى أن الوضع الفلسطيني دخل نفقاً جديداً، له تداعياته السياسية والاقتصادية الخطيرة على الشعب الفلسطيني قضيةً وأرضاً ووجوداً وحقوقاً، وحيث أن حجم المؤامرة أكبر من طاقة هذا الفصيل الفلسطيني أو ذاك ، ليس منفردة بل  ولربما مجتمعة، فالمؤامرة تشترك فيها أكثر من جهة إسرائيل وأمريكيا، وأطراف إقليمية بالتعاون مع البعض فلسطينياً، ومن هنا فإن الأمور ستسير نحو المزيد من الشرذمة والانقسام والتفتيت، وتعزيز للنهج المليشياتي العصاباتي، على غرار ما يحدث إقليمياً، حكومة لكردستان العراقية وحكومة سنية وأخرى شيعية في العراق، وحكومات متعددة في لبنان سيتضح فرزها ومعالمها وتسمياتها قريباً، وفي فلسطين حتى اللحظة الراهنة نحن أمام حكومتان تحت الاحتلال وبدون أية سيادة أو سلطة بدءاً من الرئيس وانتهاءاً بالبرلمان، وهذا الانقسام والصراع والتناحر الفلسطيني، ستعمل إسرائيل وأمريكيا ومعهما أطراف إقليمية، حكوماتها تدور في الفلك الأمريكي، على استثماره وتعزيزه، وخصوصاً أن إسرائيل وأمريكا  لا تريان في حكومة الطوارئ ، إلا حكومة على غرار حكومات كرازي في أفغانستان والمالكي في العراق والسنيورة في لبنان، حكومات تنفذ الأجندات الأمريكية والإسرائيلية، تحت وعود خبرناها جيداً، أمن إسرائيل وأمريكيا أولاً وعاشراً، مقابل وعود برفع الحصار المالي والاقتصادي والتعاطي مع الحكومة الجديدة، ودون أية التزامات جدية بأفق سياسي، تفضي إلى إنهاء الاحتلال وكافة تمظهراته، "فبيرس" الرئيس الإسرائيلي الجديد، ومن يسمى على رأي بعض العرب والفلسطينيين والذين يستفيدون من نعمات وخيرات مركزه ، بأنه حمامة سلام، هو أحد مهندسي السياسة الإسرائيلية، وهو الذي رفع شعار مفاوضة العرب والفلسطينيين عشرين عاماً شريطة عدم منحهم أي شيء، والسيناريو القادم سيكون الأخطر فلسطينياً، حيث أن الاحتلال سيصعد من هجماته على قوى المقاومة الفلسطينية على نحو أشد وأشرس ليس من خلال، إحكام الطوق المالي والاقتصادي والعسكري على قطاع غزة واستنزافه بهجمات متواصلة تحضيراً لخطة اجتياح يضع وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد " أيهود باراك " خطوطها الطموحة أملاً أن تكون جواز مروره إلى رئاسة الحكومة من جديد في مناخ الأزمة السياسية المتمادية في إسرائيل، بل مواصلة الاغتيالات لنشطاء الفصائل في الضفة، وتعزيز الاستيطان، وتكثيف الهجمة على القدس، وتسريع وتوسيع عمليات هدم المنازل فيها، وهذا كله سيترافق بضغط متواصل على حكومة سلام فياض لملاحقة ومطاردة قوى المقاومة، التي تقود المجابهات مع الاحتلال، وبقدر نجاح فياض في هذه المهمة، بقدر ما ستقدم له إسرائيل وأمريكيا ما يسمى بحسن النوايا، الإفراج عن أموال الضرائب المستولى عليها  والمحتجزة في إسرائيل، إزالة حواجز، زيادة عدد العمال الفلسطينيين الممنوحين تصاريح للعمل في إسرائيل، إطلاق سراح مجموعات أو دفعات من الأسرى من أصحاب الأحكام الخفيفة، دعم ومساعدات اقتصادية ولوجستية أمريكية وأوروبية وفق الأولويات الأمريكية والأوروبية ، وعلى شكل رشوات لشراء ذمم وإفساد، أي وفق ما طرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق " نتنياهو "، لن يحصل الفلسطينيون على أي شيء دون مقابل، وهذه السياسة، سياسة العصا والجزرة هي التي قادت إلى تقويض أوسلو وخارطة الطريق وانتهت بمحاصرة الرئيس الراحل أبو عمار في المقاطعة ومن ثم اغتياله تحت الحصار الإسرائيلي، هذه السياسة تطل برأسها من جديد، ونحن نرى اليوم أن هناك من هو مؤهل للانخراط فيها فلسطينياً، هذا الانخراط والتنفيذ للسياسات الأمريكية والإسرائيلية لن يقود سوى إلى مزيد من الاحتراب والاقتتال الفلسطيني، خاصة أن المداخل المطروحة لحل القضية الفلسطينية، هي مداخل أمنية تعجيزية، لن تقود إلى إنهاء وتصفية الاحتلال.

 والعودة بالساحة الفلسطينية إلى حلقة التفاوض من أجل التفاوض، والتي أدمن عليها البعض عربياً وفلسطينياً،لن تقود إلى إحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومن هنا فإن الخيار العملي والوحيد المطروح على كل فصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطينية، ضرورة إعادة اللحمة للبيت الفلسطيني، على أساس مصلحة الشعب الفلسطيني أولاً وعاشراً، وليس مصلحة هذا الطرف أو ذاك، أو خدمة لهذه الأجندة أو تلك، وبدون أية اشتراطات لهذه الجهة أو تلك، وعلى أسس سياسية واضحة ومحددة، جوهرها الأساس، وثيقة الوفاق الوطني - وثيقة الأسرى، واتفاق القاهرة / آذار 2005 ، ووفق إستراتيجية فلسطينية موحدة، أما أن نعمل على تعزيز حالة الافتراق والطلاق في الساحة الفلسطينية، فهو جداً خطير، فسلسلة الأخطاء الحاصلة، ليست مسؤولية حماس وحدها، بل أن هناك تياراً فلسطينياً له أجندته وأهدافه ، هو الذي دفع بالأمور إلى ما وصلت إليه، وكذلك الحصار الظالم الذي فرضته إسرائيل وأمريكا والنظام الرسمي العربي، هو الذي دفع بالأمور إلى ما وصلت إليه، وعند الحديث عن الشرعية فيجب التعامل معها من منظور الكلية والشمولية، وليس حصرها في إطار شرعية الرئاسة، وعدم شرعية غيرها ، وفي الوقت الذي نرى فيه أن حماس ارتكبت أخطاء كبيرة ، فإن الرد عليها كان في نفس الإطار والسياق، حيث شهدت الضفة حالة من الفلتان غير المبرر والمسبوق ، وردات فعل توتيرية ومتشنجة، وخطوات متسرعة ومرتجلة من قبل الرئاسة، وبما يلقي أكثر من علامة استفهام على هذه الممارسات والخطوات ، وإذا كان لا بد من جراحة للشعب الفلسطيني، لحسم خياراته فالانتخابات الرئاسية والتشريعية، شريطة توافق الجميع فلسطينياً عليها ، والتسليم واحترام نتائجها، وليس وضع العراقيل والعقبات أمامها ووضع العصي في الدواليب ، ودون قفز عن أرث المرحلة السابقة، وعلى قاعدة المحاسبة والمساءلة لكل أمراء ومنتفعي المرحلة السابقة، الذين قادوا وما زالوا يقودون الشعب الفلسطيني نحو الانتحار والتدمير الذاتي، والشعب الفلسطيني، لن يقبل بأن يكون أمراؤه في الجاهلية هم أمراءه في الإسلام، وكل أموال أمريكا وأوروبا وإسرائيل، لن تلغي أو تختزل حقوق الشعب الفلسطيني إلى رواتب ومساعدات وتسول واستجداء ، وأي مدخل لحل القضية الفلسطينية، لا يكون عنوانه إنهاء وتصفية الاحتلال سيكون مآله الفشل .

 

صرخات في زمن الردة"
جديد الكاتب والمحلل السياسي راسم عبيدات* كاتب مقدسي

صدر في مطلع الشهر الجاري، بتاريخ 1/6/2007 ، كتاب " صرخات في زمن الردة " للكاتب والمحلل السياسي راسم عبيدات.

وقد قدم للكتاب الكاتب والمفكر أحمد قطامش، وعلق عليه الإستاذ يوسف فخر الدين، مدير تحرير موقع أجراس العودة الألكتروني في الشام، وصمم غلافه الفنان التشكيلي عماد رشدان، أمين سر الفنانين التشكيليين الفلسطينيين – فرع سوريا، وكما راجع المخطوطة وأبدى ملاحظات عليها الكاتب والقاص محمود شقير.

ومما تجدر الإشارة إليه أن حفل توقيع الكتاب سيكون يوم الإثنين الموافق 11/6/2007 ، في قاعة نادي القدس في شارع الرشيد، الساعة السادسة مساءً.

وقد وجهت الدعوات للكتاب والإدباء والصحفيين ورجال الفكر والسياسة للمشاركة في حفل التوقيع وإبداء أرائهم وملاحظاتهم على الكتاب.

الكاتب في سطور..

هو أحد قادة العمل الوطني، المجتمعي والأهلي في مدينة القدس، ومن مواليد القدس/ جبل المكبر عام 1958. التحق بالعمل الوطني والجماهيري مبكراً، مع بدايات النصف الثاني من عقد السبعينيات، شغل عضوية مجلس إتحاد طلبة جامعة بيت لحم عام 1980، وخلال وجوده في الجامعة، اعتقل مرتين على خلفية نشاطه الطلابي والوطني، وبعد تخرجه من الجامعة بدرجة بكالوريوس إدارة أعمال، واصل نشاطه الوطني والجماهيري، وتولى رئاسة رابطة خريجي جامعة بيت لحم من عام 1982-1986 ومن ثم سكرتيراً لها لست سنوات أخرى.

أعتقل عام 1985 لمدة عامين على خلفية نشاطه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفي عام 2001 اعتقل لمدة عامين آخرين على خلفية نشاطه السياسي في الجبهة الشعبية، واتهم بعضوية لجنتها المركزية العامة، وأعيد اعتقاله لمدة سبعة عشر شهراً من 7/6/2005 - 9/10/2006 على خلفية المشاركة في أنشطة اجتماعية وسياسية للجبهة، وعضوية لجنتها المركزية والمشاركة في الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية.

شغل عضوية الهيئة الإدارية لنادي جبل المكبر الرياضي أكثر من ثلاث دورات انتخابية، ويشغل رئاسة لجنة أولياء مدارس جبل المكبر حتى اللحظة الراهنة. يعمل في إدارة برنامج التأهيل المهني والنفسي في بيت ساحور، التابع لجمعية الشبان المسيحية. كاتب مقاله صحفية أسبوعية في جريدة القدس الفلسطينية، وتنشر مقالاته في عشرات المواقع الإلكترونية المحلية والعربية، متزوج وأب لأربعة أطفال أكبرهم شادي سبعة عشر عاماً.

مقدمة الكتاب

بقلم: أحمــد قطامـــش

لقد تجولت في شعاب وأزقة سلسلة طويلة من الصرخات العالية التي تقع بين دفتي هذا الكتاب، في البداية تجولت بتؤدة وما لبثت أن رحت أعدو دون مللٍ أو تثاؤب محاولاً تتبع منطق الموضوعات ولغتها الرصينة وأفكارها السلسة، التي تتناسل مواقف وتحليلات معللة، يغلب عليها البرهان الذي يخاطب عقل القارئ/ة وصولاً إلى استخلاص تعميمات، يعود لتفكيكها في مرة لاحقة، في تنوع مذهل ولكن مع تركيز على حلقة مركزية في كل لحظة أو فترة، حيث حظيت مدينة القدس بمكانة خاصة تشريحاً وتحريضاً، ومثل هذا "التبئير" يجعل من راسم عبيدات كاتب القدس.

والكاتب راسم عبيدات لا ينتج أبحاثاً أكاديمية باردة، بل يطلق صليات من رشاشة ساخنة محاولاً إيقاظ النيام أو الأموات، و "دق الجدران" محذرا من الطوفان، وبعد المقدمات يستخرج النتائج ويقترح الآليات، منتقلاً من المنطق الأرسطي إلى المنطق الهيجيلي فالماركسي، دون مفردات تقنية فلسفية بل اعتمد مفردات صحفية وثقافية تحمل الهموم اليومية وقضايا الساعة.. وعلى الدوام لا ترى المقالات ما تراه عين الصحفي اللماح الذي يرصد فقط، بل ويذهب أبعد من ذلك إلى تركيب العناصر والإنخراط في صنعها أيضاً من موقعه كصحفي ومناضلل ثوري في آن.

" إذ ما قيمت الثقافة التي لا تحمل الهم الوطني "حسب وصف فيصل دراج، وما قيمة المثقف الذي لا ينخرط في العملية التغيرية؟" فجبهة الثقافة هي الجبهة الأخيرة حسب سعد الله ونوس.

لقد احتجت إلى عقل مصابر لكيما ألتهم مئات الصفحات في غضون ثلاثة أيام، دون توقف، فما بالكم بمن نحتها وهندسها وطرزها بمداده، فمثل هذه المصابرة إنما تعكس حيوية ذهنية وطباع جلود ومثابرة يجدر تثمينها والتسلح بروحها الوثابة للرد على الوهن الإحباطي لبعض المثقفين أو المتثاقفين..

" تشاؤم العقل" لا ينسينا " تفاؤل الإرادة حسب غرامشي وذلك أن "إمكانيات الواقع أوسع من الواقع حسب هيجل"، مشكلتنا مع الفيتناميين أنهم يثقون بالمستقبل حسب قول وزير الخارجية الأمريكي السابق كسينجر..... نعم للنقد دون عدمية والتشخيص الجريء دون يائسية، ولكن أيضاً نعم كبيرة لزرع بذرة في التربة المجافية "فالموضوع مجاف دائماً " حسب قول جيفارا.

إن هذا الكتاب الذي تتعدد نصوصه بتعدد معالجاته هو مزيج متشابك من القضايا السياسية، النقابية، الثقافية، الأخلاقية، الإقتصادية، فهو مرآة متوازية الخطوط حيناً ومتقاطعة الخطوط أحياناً في بنية مركبة متحركة تعكس بنية المجتمع المركبة والمتحركة....... وإمعان النظر فيها يشجعني للزعم أن راسم عبيدات هو اقرب للمصلح الإجتماعي المتعدد الأبعاد، مصلح يتسلح بمنهجية نقدية لا تساوم أقرب المقربين ولا أبعد الخصوم، دون أن يسقط راية الحلم أو تتسرب إليه أمراض الانكفاء فـ : ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أحلام الرجال تضيق..

أما مظفر النواب فيرد :

إننا أمة ما حنا الدهر قامتها

أمة لو جهنم صبت على رأسها واقفة

لا أعتزم في هذه المقدمة تصنيف المقالات والإشارة لمضامينها فقد يطول الحديث هنا، ولكنني أشجع القارئ/ ة على الإبحار معي في رحلة ثقافية غزيرة تصطخب بالعناوين الساخنة التي تحافظ على راهنيتها رغم مرور زمن على كتابتها، كما تتبع المسار الإبداعي الذي يتجاوز تمظهرات التشخيص والأسئلة إلى استخلاص مقترحات العلاج والإجابات، بل وأعتبر بعض المقترحات إنقاذية حقاً، حري ضفر الجهود الوطنية حولها، وبشكل أخص ما يتصل القدس، اليسار، الحركة النقابية العمالية، الفساد، المنظمات غير الحكومية، هزيمة حزيران والنظام الرسمي، المواطنة..........

إذاً رغم اقتضاب الإشارات فثمة اتساق بين الطبقي – الوطني – القومي وبين الحداثة والتحررية والثورية، وبين التنمية والديمقراطية، وبين الجبهة الداخلية والتناقض الخارجي، وبين اليومي والبرنامجي والإستراتيجي، النبض الإنساني والنبض السياسي.....

إذا كان "الصدق في السياسة هو مطابقة الأقوال بالأفعال.. والتعاسة هي عدم تمثل المتغيرات " حسب لينين فأظن أن حرارة كلمات راسم نبعت من قلبه وعقله وجوارحه كما أنه لم يتوان عن ملاحقة وتعقب الكثير من المتغيرات.

 

القدس بين مطرقة الإحتلال وسنديانة الإهمال الفلسطيني..

راسم عبيدات

.القدس التي نردد في خطبنا العصماء، وشعاراتنا الرنانة، " وهوبراتنا " الإعلامية، أنها العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية، وأنها خط أحمر لا يمكن لأي كان أن يتجاوزه فلسطينيا أو عربيا، والقدس قي العيون نفنى ولا تهون، "وعالقدس رايحين شهداء بالملاين"، وغيرها من "السيمفونيات"، المعهودة والتي لا نجد لها أية ترجمات أو تطبيقات عملية على الأرض، وهذا الإهمال والقصور الفلسطيني، سلطة وأحزاب وفصائل، وعرب ومسلمين، بحق القدس والذي سنأتي على ذكره تفصيلا، في سياق ورقة العمل هذه قدر الإمكان، ترافق مع سلسلة من الممارسات والإجراءات الإحتلالية بحقها، والتي تشارك في التخطيط لها والعمل على وتنفيذها وتطبيقها الحكومة والمؤسسة الرسمية الإسرائيليتان، بكل أجهزتهما وأذرعهما وأدواتهما وإمكانياتهما، وعلى كل الصعد والمستويات، مستهدفة بذلك كل ما يمت للإنسان الفلسطيني بصلة في القدس، بشر وحجرا وشجرا وثقافةً وتراثاً ومقدسات..... إلخ.

وهدف السياسة هذه بالأساس تهويد المدينة المقدسة وأسرلة سكانها، والأمور هنا ليست قصراً على الحقوق الإقتصادية والإجتماعية، بل إن الأمر يتعدى ذلك ليطال الجانب الوطني والسياسي، وبما يشمل إلغاء الوجود الفلسطيني في القدس، ونزع هويتها الفلسطينية وقوميتها العربية، ولعله من الهام جدا القول، إن اتفاقيات أوسلو المجحفة والمذلة، كان لها تأثيرات جداً سلبية على فلسطيني القدس، فعدا أن الطرف الفلسطيني الموقع على هذه الإتفاقيات، قبل بتأجيل مصيرها إلى ما يسمى بمرحلة الحل النهائي، فهو أيضا سلم وقبلّ ضمناً بالممارسات والإجراءات الإسرائيلية بحق سكانها الفلسطينيين.

والمسألة ليست من باب المزايدة أو التحريض على هذا الطرف أو ذاك، بل إن الوقائع تدعم وتسند صحة هذا القول، فالطرف الفلسطيني قبل وسلم بأنه لا يحق للسكان المقدسيين ولحاملّي الهوية الإسرائيلية قسراً، الحق في الحصول على جواز سفر فلسطيني، كما أن اتفاقيات أوسلو كشفت أن الطرف الفلسطيني قبل أن يشارك الفلسطينيون من سكان القدس في الإنتخابات الرئاسية والتشريعية للسلطة الفلسطينية من خلال صناديق البريد الإسرائيلية، والفائزون من أعضاء المجلس التشريعي لدائرة القدس، لا يحق لهم ممارسة نشاطاتهم، ضمن المناطق الفلسطينية المقدسية والواقعة ضمن ما يسمى حدود بلدية القدس الإسرائيلية، وهذه بحد ذاتها مهما حاولنا تجميلها تنازلات مجانية، واليوم عندما نتحدث عن القدس، نقول إنها ليست أكثر عزلة عن محيطها الفلسطيني، بل هي معزولة تماما، حيث أن الأطواق الإستيطانية لا تحيط بها من جميع الجهات، بل أصبحت مقامة في قلب الأحياء العربية وفي قلب البلدة القديمة، وإضافة لذلك أحاطها الإحتلال بجدار الفصل العنصري، وبما يعزلها ويفصلها تماماً عن محيطها الفلسطيني، جغرافيا وديمغرافيا واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً وحياتياً، وبذلك حوّل الإحتلال القدس إلى "جيتو" مغلق، وأخذ يمارس بحق سكانها الفلسطينيين، كل أشكال وأصناف الانتهاكات لحقوقهم الإجتماعية والاقتصادية؛ فمن مصادرة الأراضي واستمرار إقامة المستوطنات وتوسيع ما هو قائم منها، وسياسات هدم المنازل، والغرامات الخيالية على ما يسمى بالبناء غير المرخص، ناهيك عن الشروط التعجيزية للحصول على رخص البناء، ومصادرة حق المقدسيين في الإقامة وإسقاط حقوقهم الإقتصادية والإجتماعية وتقييد حرية الوصول إلى أماكن العبادة، وخاصة المسجد الأقصى، في وقت تصاعدت فيه حدة الحملات الإسرائيلية التي تستهدف هذا المكان المقدس، وما الحفريات التي تجري تحته، وفي باب المغاربة، وهدم التلة المؤدية إلى المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة إلا خطوة على طريق هدم الأقصى، وإقامة ما يسمى بالهيكل المزعوم مكانه.

وخطا الإحتلال خطوات إضافية، عندما قام بنبش قبور المسلمين في مقبرة مأمن الله في القدس الغربية، والتهديد بنبش قبور أموات أهالي السواحرة الغربية ( جبل المكبر ) أحد أحياء مدينة القدس الجنوبية بدعوى ملكية إحدى الشركات الإستيطانية لجزء من مقبرة البلدة، بالإضافة للشروع في هدم بناية المجلس الإسلامي الأعلى في القدس الغربية، ناهيك عن الضرائب بمختلف أنواعها وتسمياتها التي يفرضها الإحتلال على السكان الفلسطينيين في القدس بغرض دفعهم للهجرة القسرية خارج المدينة المقدسة، وفي رصدنا للانتهاكات والممارسات الإسرائيلية بحق المقدسيين الفلسطينيين نحتاج إلى مجلدات، وهو ما لا تتسع له ورقة العمل هذه، ولكن لا ضير في ذلك، وسأحاول أن أسلط الضوء على المفاصل الأساسية لهذه الانتهاكات والممارسات الإسرائيلية بحق المقدسيين الفلسطينيون، وكذلك الإهمال والقصورات الفلسطينية سلطة ومعارضة بحق أهل المدينة المقدسة، وبقدر ما تتسع له الورقة.

الإستيطان ومصادرة الأراضي

بعدما استكمل الإحتلال إقامة الأطواق الإستيطانية حول المدينة المقدسة ومن كل الجهات، معززاً ذلك بجدار الفصل العنصري، وبما له من آثار تدميرية على كل مناحي حياة المقدسيين، ومخاطر هذه الآثار التدميرية، تعادل مخاطر نكبة عام 1948، إن لم تزد عنها، كما أن الإحتلال شرع في رفع وتصعيد وتيرة مصادرته لأراضي المقدسيين الواقعة داخل الجدار لإقامة مستوطنات عليها وتوسيع القائم منها، حيث تم مصادرة 2000 دونم من أراضي قرية الولجة الواقعة جنوب القدس لإقامة 5000 وحدة جديدة.

وكذلك أحزمة استيطانية متواصلة حول القدس القديمة وفي قلبها، حيث أقيمت مستوطنة "معاليه هزتيم" في رأس العامود 132 وحدة سكنية، والتخطيط لإقامة 200 وحدة سكنية أخرى مكان مركز شرطة رأس العامود بعد إخلائه لصالح المؤسسات والجمعيات الإستيطانية، وكذلك إقامة مستوطنة " تسيون زهاف" 200 وحدة سكنية على أراضي جبل المكبر، بل وفي قلب حي جبل المكبر، في أكبر عملية تواطؤ بين من يدعي ملكية جزء من هذه الأراضي "المستوطن عبود ليفي" وما يسمى بلدية القدس، والتي من أجل تسهيل وتشريع إقامة الحي الإستيطاني صادرت أراضي الفلسطينيين المحيطة بالمشروع لما يسمى بالمنفعة العامة، أي لصالح خدمة المشروع الإستيطاني، بالإضافة إلى مخطط آخر لإقامة مستوطنة باسم " كدمات تسيون" على أراضي بلدة أبو ديس المطلة على حي رأس العامود وجبل المكبر بهدف خلق تواصل ديمغرافي يهودي يبدأ من حي الشيخ جراح مروراً بجبل الزيتون حيث البؤرة الإستيطانية المسماة "بيت أورون" و"معاليه أدوميم" وانتهاءاً بـ"تسيون زهاف".

وهذه الحزم الإستيطانية حول البلدة القديمة، كان قد أعلن عنها قبل عامين ونصف وزير السياحة الإسرائيلي السابق "بيني ألون"، والذي تحدث عن سبعة عشر بؤرة استيطانية ستقام حول المدينة المقدسة، بالإضافة إلى إقامة حي استيطاني آخر داخل أسوار البلدة القديمة في المنطقة المعروفة ببرج اللقلق، وهذا المشروع يشتمل على إقامة 4000 وحدة استيطانية، ليكون ثاني حي يهودي يقام داخل أسوار البلدة القديمة، بعد الحي الذي أقيم على أنقاض حارة الشرف بعد سقوط القدس عام 1967.

ويتزامن هذا التصعيد الإسرائيلي في مصادرة الأراضي والإستيطان مع عمليات الإستيلاء على عقارات المقدسيين داخل البلدة القديمة وخارجها، ليرتفع عدد العقارات المستولى عليها من قبل المستوطنين إلى أكثر من 100 عقار داخل البلدة القديمة وخارجها، وهناك نشاط استيطاني من نوع آخر حول البلدة القديمة، تمثل في شبكة الأنفاق والجسور والطرق الإستراتيجية التي أنهي العمل في جزء كبير منها، أشهرها شارع النفق أسفل جبل الزيتون، حيث صودر 52 دونماً من أراضي حي واد الجوز، وشارع رقم واحد والذي التهم أكثر من 370 دونماً من أراضي المواطنين، ثم شارع رقم 4 والذي صودر لشقه 2200 دونم من أراضي بيت حنينا القديمة، وتم الإنتهاء منه، بالإضافة إلى شارع الطوق الشرقي الذي التهم 1070 دونماً من أراضي عدد من القرى المحيطة بالقدس، ناهيك عن أن جدار الفصل العنصري والذي تقريباً شارف على الإنتهاء، والذي يمتد على طول 72 كيلومتراً من أراضي المواطنين.

ديمغرافيا القدس

لا بد لنا من القول إن هناك علاقة وثيقة بين الأنشطة الإستيطانية داخل البلدة القديمة وحولها، حيث أن الزيادة في عدد السكان المقدسين داخل حدود ما يسمى بلدية القدس، والتي ارتفعت لتصل إلى أكثر من 30% من إجمالي عدد سكان القدس، تثير قلقاً واسعاً لدى صناع القرار الإسرائيليين، والذين يرسمون خططهم وبرامجهم وإستراتيجياتهم المستقبلية، على أساس أقل عدد ممكن من السكان المقدسيين العرب، والذين ينظر لهم على أنهم كم زائد يجب التخلص منه، سواء بالطرق المشروعة أو غير المشروعة.

ولتحقيق هذه الغاية، وحتى لا يشكل سكان القدس الشرقية أغلبية، جرى العمل على إقامة أحزمة استيطانية حول البلدة القديمة وداخلها، وجدار الفصل العنصري، وكل ذلك خشية من أن يصل العرب المقدسيين إلى حوالي 60 % من سكان القدس عام 2020، بحسب الدراسة الإسرائيلية التي أعدها خبير الديمغرافيا في الجامعة العبرية "سيرجيو فير غولا".

وهذا الأمر لم يقتصر على الإستيطان ومصادرة الأراضي، بل رافقه تصعيد خطير، وتحديداً بعد إقامة جدار الفصل العنصري، حيث شنت عمليات هدم واسعة ضد منازل المقدسيين تحت حجج وذرائع البناء غير المرخص، ونستطيع القول أنه من بداية الإنتفاضة الثانية وحتى اللحظة الراهنة، تم هدم ما لايقل عن 750 منزلاً، ناهيك عن مئات الأوامر بالهدم، والقيود المشددة على البناء غير المرخص، والغرامات الباهظة والتي تصل إلى مئات الآلاف من الشواقل على البناء غير المرخص، وكذلك الشروط التعجيزية من أجل الحصول على رخص البناء، مثل الطلب من الفلسطينيين إثبات ملكية الأراضي التي ينوون إقامة بناء عليها وبتكاليف باهظة من دائرة الطابو، والحصول على مصادقة وموافقة الجيران، ومطاردة وملاحقة الفلسطينيين في هذا الجانب، توسعت بحيث تشمل منع شركة الكهرباء من إيصال الكهرباء للبيوت غير المرخصة، وكذلك منع شركة المياه من تزويد البيوت غير المرخصة بالماء.

ولم يسلم كذلك المقاولون والمهندسون وأصحاب شاحنات ومصانع الإسمنت من ممارسات بلدية الإحتلال وداخليتها، حيث يجري مصادرة شاحنات الإسمنت والمعدات الهندسية المستخدمة في البناء، وتغريم أصحابها وتعريضهم للسجن الفعلي، كما أن البلدية أخذت تلجأ إلى وسائل وطرق جديدة للحد من ما يسمى بالبناء غير المرخص، من خلال نشر صور البنايات التي صدر بحقها أوامر هدم إداري تحذر المواطنين من شراء شقق فيها، أو السكن فيها، وكل من يخالف ذلك سيتعرض لأقصى العقوبات.

ولا يوجد رقم محدد ومعطى دقيق حول البناء غير المرخص، وهو يتراوح بين 8000 – 12000 بيت، ولم يكتف الإحتلال بهذه الممارسات والإجراءات والقوانين "القراقوشية" بحق السكان المقدسيين، بل وسعت سلطات الإحتلال وكثفت من نشاطها الإستيطاني لإحاطة المدينة المقدسة بالأطواق الإستيطانية من كل الجهات "معاليه أدوميم" شرقا و"جفعات زئيف" غربا، والتجمع الإستيطاني شمالاً مستوطنات "آدم ومعاليه مخماس"، وجنوبا ما يعرف بالتجمع الإستيطاني الكبير "غوش عتصيون"، وهذا الطوق من الإستيطان الذي يحتوي القدس في داخله، هو حدود القدس الكبرى التي تساوي 10% من مساحة الضفة الغربية.

قطاع التعليم الحكومي

هنا لا بد لنا من القول إن أوضاع التعليم الحكومي في القدس العربية، التابع لبلدية القدس ودائرة معارفها، قد وصلت إلى مستويات كارثية، بكل معنى الكلمة، والمسألة ليست قصراً على مرحلة دون الأخرى، ولعل أخطر ما في الأمر، هو خصخصة التعليم في المرحلة الثانوية، وتسليمه إلى شركات ربحية إسرائيلية، همها الأول والأساسي، تحقيق الربح، وآخر ما تهتم به الطالب واحتياجاته، حيث هذه المدارس، عدا عن كون الأبنية المستأجرة من قبلها، تفتقر لمبررات وشروط وجودها كمدارس، ولا يوجد فيها مرافق عامة، من ملاعب وساحات وغيرها، والافتقار إلى المكتبات والمختبرات العلمية والمحوسبة، وطواقمها التدريسية، أكل عليها الدهر وشرب، ومعظمهم من الذين تقاعدوا، أو استقالوا من العملية التدريسية..

ولكم أن تتخيلوا الأجيال التي تتخرج من هذه المدارس؟!، ولعله من المفيد تدعيم وجهة النظر هذه بالتقارير الحكومية الإسرائيلية، حيث كشف تقرير أعده مؤخراً مركز الأبحاث والدراسات في الكنيست الإسرائيلية،النقاب عن 50% من طلبة المدارس الثانوية في القدس العربية، يتسربون من مدارسهم ومؤسساتهم التعليمية، بسبب سياسة التميز العنصري والإهمال الإسرائيلية المتواصلة تجاه جهاز التعليم العربي، بالإضافة إلى رفض بلدية القدس تسجيل طلاب فلسطينيين من القدس في مدارس البلدية، بزعم عدم وجود أماكن فيها.

وكذلك أشار التقرير إلى وجود نقص حاد في غرف التدريس، وصل العام الدراسي الماضي إلى 1354 غرفة، ومتوقع أن يصل هذا النقص في عام 2010 إلى 1883 غرفة، وهذا يندرج في إطار السياسة الإسرائيلية الرسمية الهادفة إلى تقليص عدد السكان العرب في القدس الشرقية إلى أقل عدد ممكن.

ويظهر هذا التميز واضحاً، في أن البلدية تخصص ما نسبته 29% فقط من ميزانية التعليم، لجهاز التعليم في القدس العربية، ويتجلى هذا التميز الصارخ ضد جهاز التعليم في القدس العربية، من خلال عدم توفر العدد الكافي من المدارس والغرف التدريسية، حيث أن هذا النقص ارتفع بين العامين 1995 و 2005 بنسبة 290%، ومن هنا نجد أن أوضاع التعليم الحكومي في القدس العربية، هي أكثر من كارثية، حيث أن جهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك" يتدخل في التعيينات لإدارات المدارس وكذلك المدرسين، والإحتلال غير معني بتحسين أو تطوير التعليم في القدس العربية، لأسباب سياسية..

وللعلم فإن أكثر من 45000 طالب من ما مجموعه 75000 من طلبة مدارس القدس، يتلقون تعليمهم في المدارس الحكومية التابعة لبلدية القدس، والمسألة هنا لا يتحملها الأهالي وحدهم، بل حالة الإهمال الواسعة للمدينة ولهذا القطاع من قبل السلطة والقوى الوطنية الفلسطينية، حيث سلمت بسيطرة الإحتلال على هذا القطاع، ولم تقم بأي جهد حقيقي، أو تبادر إلى صياغة حلول ومقترحات، تمكنها من تعزيز سيطرتها على هذا القطاع، مثل إقامة أبنية مدرسيه خاصة في المنطقة الخاضعة لسيطرة بلدية القدس، أو العمل على تشكيل أجسام مهنية لمتابعة تحصيل الحقوق من الإحتلال في هذا الجانب الحساس، أو تقديم الدعم بطرق غير مباشرة لهذه المدارس، أو العمل على إقامة إتحاد قطري للجان أولياء الأمور يساهم في العمل كجسم ضاغط على بلدية القدس ودائرة معارفها لانتزاع حقوق الطلبة المقدسيين، من أبنيه، وتجهيزات وبنى تحتية، ومختبرات وكوادر تعليمية وغيرها.

واقتصر الأمر على الهمة، والنشاط والجهد الفردي، للجنة أولياء أمور هنا أو هناك، علما أن المطلوب خوض نضالات حقيقية في هذا الجانب بالتحديد، لدور وأهمية هذا القطاع في البناء والتطوير والتغيير. ونحن نقول إن استمرار الإهمال وعدم تحمل المسئولية في هذا الجانب من شأنه أن يلحق ضرراً بالغاً، ليس فقط بطلبتنا وهويتهم وقوميتهم، بل إن المسألة أبعد من ذلك وتمس هوية وعروبة المدينة المقدسة، وكذلك فإن الاستمرار في الندب والبكاء، لن يفيد أو يقدم شيئاً، بل المطلوب من الجميع توحيد وتكثيف جهودهم من أجل عدم تجهيل أجيالنا، وتفريغهم من محتواهم الوطني، ودفعهم إلى حالة من الضياع والتوهان.

حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة

لا بد من نقول أنه بعد زيارة "شارون" المشؤومة إلى المسجد الأقصى في 28/9/2000، صعدت إسرائيل من هجمتها المحمومة والمسعورة على المسجد الأقصى خصوصاً، والمقدسات الإسلامية والمسيحية عموماً، فهي لم تسمح لسكان الضفة الغربية و قطاع غزة مسلمين ومسيحيين، من زيارة الأماكن المقدسة، بل وفي كثير من الأحيان، كانت تفرض قيوداً مشددة على دخول سكان القدس ومناطق عام 1948 إلى المسجد الأقصى، وذلك بعدم السماح لمن تقل أعمارهم عن 45- 50 عاماً من دخول الأقصى، وحتى أنها اتخذت إجراءات بحق الكثير من الشبان المقدسيين وحراس المسجد الأقصى، من خلال الإعتقال، وإصدار أوامر عدم دخول للمسجد الأقصى لفترات تراوحت من ثلاثة إلى ستة شهور، يجري غالباً تجديدها.

وفي إطار الهجمة المسعورة على المسجد الأقصى، جرى اقتحامه من قبل غلاة المستوطنين أكثر من مرة، وبعلم وقرار رسمي حكومي، كما أن الأوقاف منعت من إجراء أعمال الترميم داخل المسجد الأقصى، وتواصلت أعمال الحفر تحت المسجد الأقصى وفي الطرق المؤدية إليه، في إطار السعي إلى هدم المسجد الأقصى وإقامة ما يسمى بالهيكل المزعوم، حيث أنه في الفترة الأخيرة فإن الحفريات أصبحت تشكل خطراً جدياً وحقيقياً على المسجد الأقصى.

وقام الإحتلال من جهة باب المغاربة بهدم التلة المؤدية إلى المسجد الأقصى، كما نصبت كاميرات مراقبة في كل ساحات الأقصى، وبما ينذر أن الإحتلال يتحين الفرص لتنفيذ مخططاته بشأن هدم الأقصى، في ظل معرفته بحقيقة الموقف العربي والإسلامي الذي لا يتعدى الشجب والإدانة والاستنكار، في حالة إقدامه على مثل هذه الخطوة وأن حالة العجز والانهيار العربي الرسمي، قد توفر له فرصة مواتيه للقيام بخطوة من هذا النوع.

ولم تقتصر الانتهاكات على المقدسات الإسلامية بل طالت رجال دين مسيحيين، من لهم مواقف قومية ومناهضة ورافضة لسياسات الإحتلال، وداعية إلى الوحدة والتلاحم الإسلامي المسيحي، من أمثال الأب عطا الله حنا، والذي قيدت حركته أكثر من مرة وتعرض للاستجواب والتهديد بالإعتقال، وهذا أيضاً ينسحب على رجال الدين المسلمين من خطباء وقاضي قضاه ورئيس الهيئة الإسلامية ووزير الأوقاف وإمام المسجد الأقصى وغيرهم.

الهموم الاقتصادية والاجتماعية

في هذا الجانب فإن المقدسيين يعانون الأمرين، حيث تتجلى العنصرية والانتهاكات الفظة والفاضحة لحقوق المقدسيين في كل مناحي حياتهم، والمؤسسات الإسرائيلية التي تقدم الخدمة لهم في هذه الجوانب، تنفذ السياسات الإحتلالية، وهي مؤسسات للتعذيب "والتطفيش" من تأمين وطني، أو مكاتب الداخلية، أو مؤسسات الضريبة ودوائر البلدية المختلفة، حيث تقوم مؤسسة التأمين الوطني بأعمال قرصنة وزعرنة ضد السكان المقدسيين من خلال غارات نهارية وليلية على المقدسيين وبيوتهم، للتأكد من أماكن سكنهم، وكل من يثبت أنه ساكن خلف الجدار، يفقد حقه في الإقامة وتسحب هويته، ويتعرض لعملية استجواب بوليسي، ويحرم من خدمات التأمين الصحي وخدمات التأمين الوطني..

وبهذه الطريقة جرى سحب مئات الهويات في السنوات الأخيرة لسكان مقدسيين، ووزارة الداخلية تلعب دوراً بارزاً في هذا المجال، فأي شخص مقدسي يذهب لتجديد بطاقة هويته، فإنه يتعرض لحالة من الإذلال والمهانة والاستجواب، ويطلب منه إحضار عشرات الوثائق التي تثبت أنه ساكن في القدس، من فواتير دفع "الأرنونا" – ضريبة على السكن - وفواتير دفع الماء والكهرباء وشهادات ميلاد الأولاد وشهاداتهم المدرسية.. الخ، ناهيك عن الصعوبات والقيود الموضوعة والمفروضة على جمع شمل العائلات، والتي توجت أخيراً بقانون عنصري، لم يعمل به حتى في أشد الأنظمة عنصرية، النظام العنصري السابق في جنوب أفريقيا، قانون تقييد المواطنة، أي فلسطيني من الضفة الغربية، أو من غزة يتزوج من فلسطينية تحمل المواطنة الإسرائيلية، لا يستطيع الحصول على المواطنة الإسرائيلية.

وأيضا هناك شروط تعجيزية على تسجيل الأبناء الذين لا يحمل أحد ذويهم المواطنة الإسرائيلية – قانون لمّ الشمل - وكل هذه الإجراءات تندرج في إطار السياسة الإسرائيلية الرسمية الهادفة لتقليص عدد العرب إلى أقل عدد ممكن في القدس الشرقية، ناهيك عن معاناة المقدسيين القاطنين خلف الجدار، بسبب انفصالهم عن مركز حياتهم، حيث صعوبة الإلتحاق بالمدارس والأعمال وتلق الخدمات بمختلف أنواعها.. إلخ، وفي الكثير من الأحيان يحرمون من حقوقهم الاقتصادية والإجتماعية، رغم أن هناك لا توجد سياسة إسرائيلية رسمية معلنة حول ذلك.

أما بخصوص الضرائب المفروضة على السكان فحدث ولا حرج من ضريبة "الأرنونا" -الضريبة على السكن – إلى ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة وضريبة التلفاز، وضريبة.... إلخ، وهذه الضرائب التي يدفعها المواطن المقدسي، ما يتلقاه من خدمات مقابلها، لا يكاد يذكر، وبلغة الأرقام، فإن سكان القدس العرب يدفعون ما مجموعه 20% من الضرائب المجباة من السكان، وما يتلقونه من خدمات مقابلها لا يزيد عن 6%، حيث يتم صرف الضرائب المجباة منهم على مشاريع تطويرية في القدس الغربية والمستوطنات..

وتستطيع أن تلمس الفرق الهائل في الخدمات بين الشطر الغربي والشطر الشرقي للمدينة، حيث تفتقر القدس الشرقية إلى البنية التحتية، فهناك شوارع لم يجر تأهيلها منذ زمن الإنتداب البريطاني، مثل شارع القدس – بيت لحم القديم، وشوارع بدون أرصفة ومليئة بالحفر والمطبات وبدون خطوط للمشاة، حيث يخيل لك أن المدينة في القرن التاسع عشر وليس الحادي والعشرين، والكثير من مناطق القدس العربية بدون شبكات مجار وإنارة، وتفتقر إلى أبسط وسائل الترفيه، حيث لا متنزهات عامة ولا حدائق ولا ملاعب ولا مؤسسات شبابية وخدماتية..

وباختصار الخراب هنا "عام وطام"، والهدف هو دفع العرب قسراً لمغادرة المدينة وتفريغها من سكانها، فكثير من المؤسسات غير الحكومية والتي كانت تقدم خدمات للسكان الفلسطينيين، بسبب جدار الفصل العنصري، وصعوبة انتظام عملها، وبسبب تعذر وصول موظفها، هجرت المدينة إلى خارج القدس، ومن لم يغلق بفعل الإحتلال وإجراءاته التعسفية، يغادر المدينة، بفعل الإهمال والقصور الفلسطيني، حيث أن الكثير من المؤسسات المقدسية، تعاني من أزمات مادية خانقة، والسلطة لم تقدم لها سوى الوعود والشعارات والخطب والبيانات.

الهم الوطني والسياسي

بعد إحتلال عام 1967 وبما لا يزيد عن شهر أعلن عن قانون ضم القدس، واعتبارها عاصمة أبدية لإسرائيل، حظر فيها أي نشاط سياسي أو وطني، وشنت سلطات الإحتلال حملة شعواء على الحركة الوطنية التي أبدت مقاومة شرسة في هذا الجانب..

ودفعت مدينة القدس كباقي المدن والمحافظات الفلسطينية ثمناً باهظاُ شهداء وجرحى ومعتقلين، وجرى التعامل مع أسرى القدس بخصوصية، بقصد قتل روح الإنتماء والنضال والتضحية عند أهل القدس، حيث أن الأسرى الفلسطينيين من حملة هوية القدس، كانت تفرض المحاكم الإسرائيلية عليهم في محاكمها المدينة أحكاماً مرتفعة، بحجة أنهم " خونة " للدولة، وكذلك ترفض أن يجري إطلاق سراحهم في أية صفقات إفراج، بحجة أنهم مواطنون إسرائيليون، وكذلك أي مؤسسة فلسطينية تمارس أي نشاط وطني أو سياسي، يجري إغلاقها، وتمنع إقامة أية مهرجانات أو احتفالات ذات طابع وطني أو سياسي في مدينة القدس..

وبعد الإنتفاضة الثانية، شنت سلطات الإحتلال حملة واسعة على المؤسسات المقدسية، حيث جرى إغلاق بيت الشرق، والكثير من المؤسسات الإجتماعية والخدماتية تحت يافطة وذريعة، علاقاتها بالقوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، توجيها وتمويلاً ونشاطاً.

وحسب مركز القدس للدراسات الإجتماعية والإقتصادية، جرى إغلاق ما مجموعه 33 مؤسسة، ولم يكتف الإحتلال بذلك، بل إنه وضع قيوداً على مشاركة المقدسيين في الإنتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية، واعتقل الكثير من كادرات حماس والجبهة الشعبية على خلفيتها، تحت حجج وذرائع أنها منظمات إرهابية، رغم أن اتفاقيات أوسلو المذلة، شرّعت وسمحت لهم المشاركة في الإنتخابات، بل وداهمت مهرجانات واجتماعات انتخابية لمرشحين مقدسيين.

وحتى بعد السماح للمقدسيين بالمشاركة في هذه الإنتخابات، جرى اعتقال عدد من المرشحين ولفترات قصيرة، كما جرى فرض غرامات عالية على المرشحين المقدسيين الذين مارسوا الدعاية الإنتخابية في القدس، وذهب الإحتلال خطوة أبعد من ذلك، حيث أنه بعد أسر الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط"، من قبل المقاومة الفلسطينية في حزيران الفائت، قامت باعتقال وزير شؤون القدس المهندس خالد أبو عرفة ونواب دائرة القدس الأربعة من كتلة الإصلاح والتغيير.

وما يسمى بوزير القدس أو محافظ القدس، ونوابها المنتخبين وفق الإتفاقيات الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لا يسمح لهم بمزاولة نشاطهم، في المناطق المقدسية، الواقعة تحت نفوذ ما يسم بلدية القدس، ناهيك عن أن من لا يحمل منهم بطاقة الهوية المقدسية "الهوية الزرقاء" لا يحق له دخول مدينة القدس، كما أن سلطات الإحتلال سحبت "بطاقات الهويات الزرقاء"، من عدد من الأسرى المقدسيين والذين شاركوا في أنشطة وطنية ضد الإحتلال، وشرعت بإجراءات قضائية، لسحب بطاقات هويات نواب القدس، وبما لا يدع مجالاً للشك بأن الإحتلال لا يلتزم أو يحترم أية اتفاقيات وحتى لو كانت هزيلة، وعلى غرار اتفاقية أوسلو، والإحتلال يبني خططه وإستراتيجياته على أساس تهويد المدينة المقدسة وأسرلة سكانها، وهو يتصرف ضمن هذه الرؤيا رسمياً وشعبياً، وبالتالي فإن من وافق على تأجيل قضية القدس، حتى المرحلة النهائية ارتكب خطأ فادحاً، حيث أن الإحتلال يواصل سياساته وإجراءاته ضد القدس وأهلها، غير عابئ بأية اتفاقيات أو مواثيق أو أعراف دولية.

وهذا كله يدفعنا إلى أن نستعرض بشكل مكثف الموقف الفلسطيني من أهل المدينة المقدسة، على ضوء كل ما تم ذكره من ممارسات وإجراءات وانتهاكات إسرائيلية لحقوق المواطنين الفلسطينيين سوءاً في الجوانب الإقتصادية والإجتماعية، أو الهم الوطني والسياسي.

الموقف الفلسطيني

سنقوم بطرق هذا الموضوع من فترة ما بعد قدوم السلطة الفلسطينية، حيث أن التعامل والتعاطي مع هذه القضية، والتي هي على درجة عالية من الأهمية، ولكونها إحدى ركائز البرنامج الوطني الفلسطيني، فقد بشكل تسطيحي وفئوية ونزق وردات فعل، واللعب على وتر العواطف والشعارات والبيانات والاستنكارات، و"الهوبرات" الإعلامية، ولغة "الفرمانات" وبأمر مولانا السلطان، وكذلك جرى التعامل مع أهل القدس بفوقية، وبأن هناك من يفكر لكم وعنكم، وكأن أهل المدينة المقدسة قطيع من الأغنام، لا رأي ولا وجهة نظر لهم، ولم توضع أية عناوين أو مرجعيات واضحة ومحددة لهم، لا في الهم السياسي والوطني، ولا في الهموم الإقتصادية والإجتماعية، إلا في الإطار الشكلي.

كما أن الصراعات والنزاعات والخلافات داخل بيت السلطة الحاكمة وحزبها الرئيسي عكست نفسها على قضية القدس، حيث كان هناك في الإطار النظري والشكلي والإعلامي عشرات اللجان المعنية بموضوعة القدس، والمتضاربة في المهام والصلاحيات، فهناك مسؤول ملف القدس، ووزير مكلف بشؤون القدس، اللجنة الوزارية الخاصة بالقدس، واللجنة البرلمانية لشؤون القدس، واللجنة الرئاسية لشؤون القدس واللجنة الفصائلية لشؤون القدس، وقد تم إجهاض كافة الجهود التي كانت تبذل من أجل إيجاد مرجعية منتخبة لأهل المدينة المقدسة، تعالج همومهم المباشرة اقتصاديا واجتماعيا.

ورغم أن المرحوم فيصل الحسيني، كان يشكل أحد العناوين الهامة في القدس، وكان مقر بيت الشرق بمثابة المرجعية والعنوان لأهل المدينة المقدسة، إلا أن تعدد مصادر القرار واللجان المشكلة المتضاربة في المهام والمسؤوليات، لعبت دوراً سلبيا في هذا الإتجاه، بحيث عاني أهل القدس من حالة توهان وتولد لديهم شعور عالي بالإحباط واليأس من السلطة الفلسطينية والقوى والأحزاب الوطنية، نتيجة ذلك ولكون العلاقة مع السلطة خضعت للعلاقة الشخصية والحزبية، والقرب والبعد من مركز القرار، ولم توضع أو ترسم أية خطط أو برامج عملية، للتعاطي مع هموم المقدسيين بشكل جدي وعملي.

وأصبحت المدينة تعيش حالة من الفوضى، وارتهن العمل فيها والتصدي لممارسات الإحتلال بحقهم على " الفرمانات " والتعيينات الفوقية والفئوية، من قيادة ورأس السلطة الفلسطينية، وكذلك على الجهد الفردي والفئوي، وكان الجهد مبعثر وغير موحد، ولم تحدث أية تراكمات يبنى عليها، ورغم أن قضية القدس، هي قضية مصيرية، وإحدى مرتكزات البرنامج الوطني، وهي أكبر من كل جهد فئوي أو فصائلي، إلا أن التعاطي معها، في إطار منظومة من الشعارات و"الكليشهات" الجاهزة، من طراز القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، والقدس خط أحمر، ولنكتشف لاحقاً، أنها مثل حرمة الدم الفلسطيني، لا خط أحمر ولا أصفر، ولا سلام بدون القدس، والقدس مفتاح الحرب والسلام..

وهذه المنظومة من الكلام واللغو والإطناب والجناس والبلاغة، وبدون أية ترجمات عملية على الأرض، لا تحرر أوطان ولا تعيد أرضاً، ولا تقنع أهل المدينة المقدسة بجدية التوجه الفلسطيني تجاه قضاياهم.

وفي هذا المجال نسجل الكثير الكثير، حيث أنه في إطار المعركة، على السيادة في القدس العربية، فإن الإحتلال يشن حملة شرسة على البيوت المقدسية، ويقوم بهدمها أو فرض غرامات مالية باهظة عليها، تحت حجج ويافطة وذرائع البناء غير المرخص، والسلطة لم تقدم لهم أية مساعدات جدية في هذا الجانب، وكذلك الكثير من المؤسسات الفلسطينية المقدسية، والتي تمر بأزمات مالية خانقة، لم يجر دعمها واسنادها من أجل الصمود واستمرار العمل في القدس، وأيضاً لم تعمل السلطة الفلسطينية على إقامة مدارس أو مشاريع إسكان في المناطق الواقعة تحت سيطرة نفوذ بلدية القدس.

كل ذلك قاد حتما إلى شعور تولد عند المقدسيين، وكما قال الأستاذ نبيه بري في تموز الفائت، أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان للعرب، "والله إننا عرب"، والمقدسيون رغم كل المرارة والإحباط المتولد عندهم تجاه السلطة، فإنهم استمروا في قرع جدران الخزان والقول للسلطة بأنهم فلسطينيون أقحاح، وأنهم يستمدون فلسطينيتهم من التمسك بأرضهم وبنضالاتهم وبعذابات أسراهم، وهي ليست مجالاً للشك أو المزايدة، ولكن على السلطة أن تعطي قضية القدس الاهتمام الذي يليق بالمدينة المقدسة، كأحد عناوين النضال الفلسطيني، وليس اختزالها إلى دائرة في مكتب الرئاسة، أو تعين مسؤول أو وزير لشؤون القدس، كل شيء يستطيع أن يفتي فيه إلا موضوعة القدس، فهو أولا:- لا يستطيع الدخول إلى القدس، وثانياً:- ليس لديه الإلمام والمعرفة بهموم ومشاكل أهل القدس، والمسألة ليست خاضعة ولا تحتمل التجريب واللعب، والقدس ليست عاقر، بل فيها الكثير الكثير من الكفاءات القادرة على تحمل أعباء المدينة المقدسة عن فهم وعلم ودراية وخبرة وكفاءة وتجربة.

ومن هنا فأنه من الهام جداً، وحتى نستطيع أن نواجه الممارسات والإجراءات الإسرائيلية في القدس، فأنا أرى أن العمل يجب أن يركز على المحاور التالية:

• ضرورة العمل الجاد من أجل إيجاد مرجعيات وعناوين واضحة ومحددة وموحدة لأهل القدس في الجوانب والهموم الإقتصادية والإجتماعية، من خلال عقد مؤتمرات شعبية قطاعية تفرز مندوبيها إلى هيئة أو لجنة تنفيذية، على أن يصار إلى فرز سكرتاريا، تصرف العمل اليومي في كل المجالات والقطاعات الخدماتية والصحية والإجتماعية والحياتية، وضرورة مشاركة ممثلي القوى والأحزاب فيها، لإعطائها الزخم والقوة والقدرة على العمل والتنفيذ.

• في الهم السياسي – الوطني تكون هناك لجنة أو هيئة من القوى الوطنية والإسلامية تتولى هذه المسؤولية، وتكون صلتها مباشرة مع اللجنة التنفيذية ل م.ت.ف، على اعتبار أن هذا الموضوع، هو أحد مرتكزات المشروع الوطني الفلسطيني، ومسألة التقرير بشأنه من مسؤولية م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

• العمل على إنشاء صندوق دعم خاص بالقدس، بتمويل عربي – إسلامي، يعمل على تقديم الدعم والإسناد لأهالي القدس في مختلف المجالات، وتحديداً في مجال البناء، والعمل على تغير شروط الدعم للإسكان والبناء، وخاصة لأصحاب الدخل المحدود والذين لا يمتلكون الأموال الكافية من أجل الحصول على رخص البناء، على أن يصار إلى وضع نظام وضوابط، تمكن من استعادة الأموال الممنوحة للأشخاص من أجل البناء، حتى يمكن الإستفادة منها مرة أخرى من قبل أشخاص آخرين.

• العمل على إيجاد جسم مهني واحد "إتحاد قطري للجان أولياء الأمور في المدارس الحكومية"، وبما يعزز من الحضور والتأثير الوطني في هذه المدارس، وكذلك تشكيل عامل ضغط على البلدية ودائرة المعارف الإسرائيلية، من أجل المطالبة بحقوق تعليمية، مثل الأبنية المدرسية والبنى التحتية، والتجهيزات من مختبرات علمية ومحوسبة ومكتبات وكوادر تعليمية كفؤة وغيرها، وضرورة العمل على وضع خطة شامله لإقامة مدارس خاصة في حدود ما يسمى ببلدية القدس، لتعزيز السيطرة وحسم ما يسمى مسألة السيادة على القدس.

• في ضوء حالة الفلتان والتآكل في منظومة القيم والمعاير، وتهتك نسيج الوحدة واللحمة السياسية والمجتمعية الفلسطينية، وتنامي العشائرية والجهوية والقبلية والطائفية، وسيادة سلطة المليشيات والمافيات بمختلف مسمياتها، فإن السلطة الفلسطينية والقوى والأحزاب الوطنية، مطالبة بالعمل على إيجاد وتشكيل جسم يختص بمعالجة كافة القضايا العشائرية وما ينتج ويتفرع عنها من مشاكل وقضايا إجتماعية، حيث أن الإحتلال أغرق المنطقة في الإشكالات والآفات والأمراض الإجتماعية، بغرض تفريغ المقدسيين من محتواهم الوطني، ودفعهم وإلهائهم في المشاكل والإحتراب القبلي والعشائري والجهوي.

• ضرورة العمل على إعادة المؤسسات التي هجرت قسراً من القدس بفعل الإحتلال وسياساته، لما له من أهمية وجود مثل هذه المؤسسات غير الحكومية، والتي تقدم خدماتها إلى الفئات المهمشة والفقيرة من المجتمع المقدسي، وكذلك الخدمات والبرامج التوعوية للشباب والنساء وغيرهم.

إن استمرار العمل والتعاطي مع موضوعة القدس بالطرق والآليات السابقة، من خلال لغة " الفرمانات " والتعيينات الفوقية، وبأمر مولانا السلطان، وكذلك الإكثار من " الهوبرات " الإعلامية والشعارات والبيانات والإدانات والاستنكارات، ومخاطبة المشاعر والعواطف، بدون إقران ذلك بأية ترجمات عملية وأفعال على أرض الواقع، سيزيد من حالة الإحباط واليأس وعدم الثقة والمصداقية المتآكلة أصلاً من قبل المقدسيين تجاه السلطة الفلسطينية.

وفي المقابل فإنه يجب على المقدسيين، عدم الإكتفاء بالبكاء والندب، وجلد الذات.. بل عليهم العمل والمبادرة، لتشكيل أجسام وطنية ومهنية تتصدى لكافة الممارسات والإجراءات الإسرائيلية المستهدفة ووجودهم ومستقبلهم في هذه المدينة المقدسة.

عــ48ـرب

 

أزمة الرئاسة التركية ، أزمة هوية أم أزمة  خيارات تتصل بالجغرافيا والمصالح البعيدة ؟

راسم عبيدات

.......بداية لا بد من القول أن كمال أتاتورك ، وكما يسمى أبو الأتراك ، قد أرسى مبادىء الدولة التركية العلمانية عام 1923م ، وهو في هذا الإطار أحدث حالة من القطع ، بل الطلاق مع المؤسسة الدينية ، حيث أنه وعلى سبيل المثال لا الحصر ، قد منع إقامة الآذان ، ولبس الحجاب ، وإطلاق اللحى ، وإستبدل العمامة بالطربوش ، وأتاتورك حاضر في آذهان ووجدان الأتراك كباني للدولة التركية الحديثة ، حتى أنه يترك له مقعد فارغ في البرلمان يكتب علية إسمه وينادى عليه في إفتتاح جلسات البرلمان ، ويرد أحد الأعضاء أنه موجود ، دلالة على علمانية الدولة ، ولكن منذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة الراهنة ، حدثت الكثير من التغيرات والتحولات الإجتماعية والإقتصادية والفكرية في المجتمع التركي ، بحيث غدت الأحزاب الإسلامية قوة رئيسة وبل قوة مسيطرة في المجتمع التركي ، والبعض يحاول أن يصور المشكلة على أنها كما تبدو في الظاهر صراع بين التيار الإسلامي ، الذي يعبر عنه حزب العدالة والتنمية الإسلامي ، ومرشحه الذي كان مطروحاً للرئاسة عبدالله غول من جهة ، وبين المؤسسة العسكرية القوية والتيار العلماني من جهة أخرى ، والذي سير مؤخراً مظاهرات ضخمة ناهزت المليون شخص تحت شعارات " لا للشريعة ولا للإنقلاب "  ، ولكن المشكلة والصراع المطروحين ينطويان على قضية أخرى ، هي علاقات تركيا الإقليمية وسياساتها في المنطقة ، فقد نجح حزب العدالة والتنمية وتحديداً بعد غزو العراق ، في ممارسة سياسات تميزت بالإستقلال النسبي عن السياسات الأمريكية والأطلسية في المنطقة ، كما مكنتها هويتها الثقافية من التعبيرعن تفاعلات الشارع التركي مع القضيتين العراقية والفلسطينية ، وكذلك مد جسور الثقة مع كل من سوريا وإيران ، و مكانة تركيا ودورها الإقليمي في المنطقة والجوار العربي ، وداخل المجموعة الإسلامية ، يجعلها مصدر الإهتمام الإقليمي والدولي ، ومن هنا نرى أن المؤسسة العسكرية ، والتي لعبت دوراً رئيساً في التأزيم السياسي ، ودفع الأمور إلى التصعيد والتهديد بإستخدام القوة من أجل من منع عبدالله غول زعيم حزب التنمية والعدالة الإجتماعية من الترشح لتولي منصب الرئاسة ، له صلة مباشرة بالرؤى والتصورات والمواقف السياسية ، حيث أن الخيار الإقليمي لحكومة العدالة ، والتي أحدثت ما يشبه القطيعة مع مسيرة طويلة من قضية الطلبات الأطلسية والأمريكية خصوصاً، وكذلك فإن المؤسسة العسكرية ، هي حسب الدستور مكلفة بحماية الجمهورية العلمانية ، ، وبالتالي فإن تولي رئاسة الجمهورية ، لرئيس ذو فكر إسلامي ، فهناك مخاطر لفرض رؤيته وفكره وثقافته على المجتمع التركي ، فالرئيس أيضا وحسب الدستور التركي ، يتمتع بصلاحيات واسعة ، ومدة بقاءه في سدة الحكم هي سبع سنوات ، وهو يستمر في ممارسسة دوره ومهامه وصلاحياته ، وبغض النظر عن الحكومات تذهب وتجيء مع نهاية فترة ولايتها ، والرئيس له حق تثبيت التعينات أو حجبها ، وكذلك تعيين مدراء الجامعات ، وبالتالي هذا يمهد لتشريع وفرض سياسة التحجيب في الجامعات " اللباس الشرعي " ، وأيضاً تتخوف المؤسسة العسكرية من تعزيز دور الدين في السياسة والحياة العامة ، وهناك نقطة يجب الإشارة إليها ، أنه في حالة السماح لغول أو أردغان بخوض الإنتخابات وفوز أحدهما ، فهذا يعني أن زوجة الرئيس ستظهر محجبة في المناسبات العامة ، وتصبح المسألة أبعد من غطاء الرأس وكونها لها علاقة بالحرية الشخصية ، لكي تصبح نهج ورؤيا وثقافة ، يتم تسييدها في المجتمع ، حيث أن ظهور بغطاء الرأس في المناسبات العامة ، يحرمه القانون والبرلمان والقصر للشخصيات العامة ، وهنلك نقاط جوهرية يجب التطرق لها تساعدنا في توضيح الأمور ، أن الأحزاب العلمانية والتي تتمسك بأتاتورك تميزت فترات حكمها ، بدخول البلاد في الكثير من الأزمات الإقتصادية والسياسية ، وكذلك سوء الإدارة والفساد ، والخلافات السياسية وغيرها ، في حين نجح حزب العدالة والتنمية الإسلامية في تحقيق نوع من الإستقرار السياسي والإقتصادي ، حيث حقق الإقتصاد التركي معدلات نمو مرتقع قياساً ، بالفترات السابقة ، وتم مراقبة التضخم وخفضه ، والإصلاحات راعت حاجات مختلف الفئات والطبقات الإجتماعية من مزارعين ، رجال أعمال ، صناعيين وعمال .. الخ ، وكذلك حزب العدالة والتنمية نجح في القيام بإصلاحات إجتماعية وسياسية حسب ما نصت عليه إتفاقية " كوبنهاجن " ، من أجل الحصول على عضوية الإتحاد الأوروبي .ونقطة الإهتمام الجوهرية والمفصلية للمستثمرين الأجانب في تركيا ، هي ليست غطاء الرأس للنساء التركيات ، ولا قوانين الجامعات ، بل ما يهم المستثمر ، هو بالأساس إستقرار سياسي ، وحكومة قوية ، والإستمرار في سياسة التقشف وعدم صرف الأموال بدون كوابح وضوابط وبشكل عشوائي ، ونقطة أخرى في غاية الأهمية وهي ، الإحتفاظ بعلاقات جيدة ووطيدة مع صندوق النقد والبنك الدوليين والإتحاد الأوروبي ، وإستقرار وثبات في العلاقات مع أمريكيا وإسرائيل وأوروبا ، ومن هنا فإنه منذ عام 2002 ، عام تولي حزب العدالة والتنمية السلطة ، وهو يحافظ على علاقات جيدة مع المؤسسة العسكرية القوية وقوى التيار العلماني ، ولكن هناك العديد من الأسئلة المشروعة ، والتي تثار حول المشهد التركي في المدى البعيد ، وخصوصاً في ظل التطورات الإقليمية والدولية ، هل ستتصاعد الأزمة بين المؤسسة العسكرية والقوى العلمانية من جهة ، وبين القوى والأحزاب الإسلامية من جهة أخرى ، إرتباطا بالجغرافيا الساسية والمصالح البعيدة ، لهذا البلد الهام سياسياً وإقتصادياً وإستراتيجياً لتصل حد المواجهة والإحتراب الداخلي ، أم أن النموذج التركي سيثبت قدرته على الإستمرار من خلال الآليات الديمقراطية والدستورية ، وهاتان المسألتان رهنً ، بمدى قدرة الحركة الإسلامية على التكيف مع النظام العلماني الذي يحرسه الجيش من جهة ، ومن جهة أخرى على مدى قدرة القوى العلمانية على التكيف مع حقيقة ، أن التيارات الإسلامية هي مكون طبيعي في نسيج المنطقة ، وتعبيرات شعوبها السياسية ، وينبغي التعامل معها من هذه الحقيقة ، وخارج منطق القهر والرفض المسبق الذي يمكن ، أن يقود إلى ان هذه التيارات تقوم بتنحية المعتدلين وهو ما ينذر بأزمات أشد خطورة .

إن ما سيبدو وسيكون عليه المدى الأبعد للمشهد التركي رهن بذلك وبالتطورات الإقليمية والدولية ، وقدرة القوى العلمانية والإسلامية التركية على ضبط إيقاعاتها وخلافاتها على قاعدة وحدة المجتمع التركي الداخلية وفق قواسم مشتركة ، وبما لا يدفع نحو تطور وتصاعد الخلافات بينهما ، وبما يمهد لإنقسام مجتمعي ،يدخل البلاد في أتون الصراع والإحتراب الداخلي خدمة لأجندات وأولويات غير تركية .

بقلم :- راسم عبيدات القدس – فلسطين

 

إن القدرة على التعبير هي القدرة على الحياة

الرئيسية
أضف مقالك
حرية الرأي
ملفات
إقتصاد
ثقافة
كتب ودراسات
إبداع
تحقيقات
فلكلور
المرأة
ملعب الأنباء
نقابات
مسرح
قصة قصيرة
نــقــد
شعر وشاعر
معرض الأنباء
رأيك إيه
مجتمع مدني
بيانات