<% Dim fsoObject 'File System Object Dim tsObject 'Text Stream Object Dim filObject 'File Object Dim lngVisitorNumber 'Holds the visitor number Dim intWriteDigitLoopCount 'Loop counter to display the graphical hit count Set fsoObject = Server.CreateObject("Scripting.FileSystemObject") Set filObject = fsoObject.GetFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) Set tsObject = filObject.OpenAsTextStream lngVisitorNumber = CLng(tsObject.ReadAll) lngVisitorNumber = lngVisitorNumber + 1 Set tsObject = fsoObject.CreateTextFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) tsObject.Write CStr(lngVisitorNumber) 'Reset server objects Set fsoObject = Nothing Set tsObject = Nothing Set filObject = Nothing For intWriteDigitLoopCount = 1 to Len(lngVisitorNumber) Response.Write("") Next %>
                            ان القدرة على التعبير هى القدرة على الحياة // تصدر عن مؤسسة الانباء العالمية للصحافة والطباعة والنشر والدعاية والاعلان
 

دعوة للأخر
مقالات رئيس التحرير
 


فهمي هويدي

شبح "اللبننة" في مصر

بقلم فهمى هويدي

أن يتم تكفير السياسي القبطي المعروف "جمال أسعد عبدالملاك" فذلك خبر سيء حقا لكن الأسوأ منه أن محاسبته هو وأمثاله على آرائهم السياسية تشكل منعطفا خطرا في مسيرة الكنيسة الأرثوذوكسية، من شأنه أن يخرج الأقباط من سعة المواطنة ليدخلهم في ضيق الطائفة، بما يؤدي في نهاية المطاف الى "لبننة" الوضع في مصر، وهو ما ينبغي أن نحذر منه، ونستعيذ بالله من شروره.

أما الذي فتح هذا الملف الشائك، فهو التصريحات التي نشرتها صحيفة "الطريق" في 3/3 على لسان الأنبا بيشواي سكرتير المجمع المقدس، والرجل الثاني في الكنيسة وقال فيها إن "جمال أسعد" مشكوك في مسيحيته، وأن غبطته حين يسأل عنه من قبل الأقباط فإنه يشبهه بيهوذا الذي خان السيد المسيح عليه السلام، وهو كلام واضح يطعن في عقيدة الرجل ويعتبره خائنا للكنيسة، الأمر الذي يخرجه مباشرة من الملة، بما يستصحبه ذلك من تداعيات خطرة تلاحقه حينما ذهب.

أما مشكلة "جمال أسعد" فهي أنه رجل وطني مستقل يتبنى آراء ومواقف مغايرة للرياح السائدة في الكنيسة، فمن رأيه أن "البابا شنوده" رأس مقدر للكنيسة الأرثوذوكسية لكنه لا يمثل الأقباط سياسيا، بالتالي فإن الولاء الديني من  جانب الأقباط له، أما ولاؤهم السياسي فهو للدولة المصرية باعتبارهم مواطنين شأنهم شأن غيرهم، المسألة الثانية التي يدعو إليها هي أن الكنيسة ينبغي أن تحافظ على دورها الروحي والإرشادي الديني، ولا ينبغي لها أن تقوم بأي دور سياسي، بالتالي فليس من حق البابا أن يعلن مواقف مؤيدة لإجراء تعديلات معينة في الدستور أو انتخاب أناس بذاتهم في مناصب الدولة العليا، كما انه ليس من حق الكنيسة أن تتدخل لمنع ترشيح الأقباط على قوائم أحزاب معينة لا ترضى عنها، أو أن تضغط على رعاياها لمنعهم من الانضمام إلى عضوية أحزاب بذاتها، أو تدعوهم للتصويت في انتخابات النقابات المهنية لتيار دون آخر.

إذا صرفنا النظر عما إذا كانت آراؤه هذه صحيحة أم فاسدة، فإنها تظل في كل الأحوال تدور في فلك الشأن السياسي، ولا علاقة لها بأمور اللاهوتية أو الدينية، بالتالي فإن تكفير الرجل وتخوينه بسببها يعد تجاوزا وانتهاكا لقوانين الكنيسة ذاتها، التي تجيز محاكمة الشخص فقط لأسباب متعلقة بسلامة اعتقاده، وهذه مسألة لها إجراءات متعددة التي تتمثل في مناقشته واستتابته، قل اتخاذ إجراء بصدده، ولأن محاكمته كنسيا غير ممكنة فمن الواضح أن حملة تكفيره وتخوينه أريد بها تشويهه والضغط عليه لكي يتخلى عن آراؤه السياسية، ويصطف في طابور الرعاية، وذلك تطور سلبي ومنعطف خطر.. لأن المساعي التي تبذل لقمع أصحاب الآراء السياسية المغايرة لمواقف الكنيسة، إذا نجحت فإنها ستلزم الأقباط المصريين برأي سياسي واحد، وحين يحدث ذلك فإنهم سيتحولون من الناحية العملية إلى طائفة سياسية وليس جماعة دينية.

وذلك محظور ينبغي أن نتجنب الوقوع فيه لأنه سيعد استنساخا للتجربة اللبنانية التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه من انقسام أهلي وتدهور سياسي، إذ في هذه الحالة سيتحول الأقباط إلى حزب سياسي صغير يقوم على أساس الملة وليس المواطنة.. وفي ظل الأوزان النسبية القائمة في مصر، حيث نسبة الأقباط 6% والمسلمين 94% فإن الأقباط سيكونون الخاسر الأكبر جراء ذلك التحول.

اللافت للانتباه أن مثل هذه الممارسات مسكوت عليها، فلا تكفير المخالفين للكنيسة أقلق أحدا من العلمانيين أو منظمات حقوق الإنسان، ولا تصاعد الدور السياسي للكنيسة القبطية حرك شيئا في أوساط رموز الجماعة الوطنية المصرية، الغيورين على وحدة الوطن واستقراره.

صحيح أن أصوات التكفير مسموعة في محيط المسلمين، لكنها تظل مدانة من قبل القيادات الإسلامية المعتبرة ورموز المؤسسة الدينية، ثم أنها تفضح أولا بأول وتواجد بهجوم وتنديد شديدين في مختلف وسائل الإعلام، أما في حالة جمال اسعد فإن تكفيره صدر عن سكرتير المجمع المقدس والرجل الثاني في قيادة الكنيسة، ومع ذلك لم يحدث صدى يذكر، وعومل بحسبانه خبرا عاديا.

ليس لي كلام في الشق المتعلق بالكنيسة في الموضوع، فأهلها أدرى بشعابها، لكن ما يصيب الوطن نتيجة استمرار تلك الممارسات التي تتم باسمها هو أكثر ما يصيب القلق، لأنه يدق نواقيس خطر يجب الحظر منه والتحسب له.

 

حكاوي الأمن القومي

فهمي هويدي

أصبحت مكافحة التلوث الفكري، وإبطال مفعول المخدرات السياسية من أوجب واجبات الوقت.....

-1 -

بعد أيام قليلة من الانفجار الشعبي الذي وقع في غزة، ودفع الآلاف إلى عبور الحدود المصرية، تحولت أغلب أعمدة الصحف وبرامج التلفزيون إلى منابر لوعظنا واستنفارنا للتعبير عن القلق على مصير الأمن القومي المصري، حتى وجدنا أن ثمة سباقاً بين نفر من الكتاب والمتحدثين حول الإفتاء في الموضوع والمزايدة عليه، ولاحظت أن أغلب هؤلاء اختلط عليهم الأمر، فلا هم فرقوا بين شقيق يلوذ بمصر وعدو يتربص بها، ولا فرقوا بين الأمن القومي والأمن العام، ولا بين أمن الوطن وأمن المخافر والثكنات.

أكثر ما قرأت وسمعت في الموضوع كان نوعاً من الثرثرة في موضوع بالغ الأهمية والحساسية. صحيح أننا نعرف "جنرالات المقاهي"، الذين يخوضون في شأن صراعات القوى الكبرى بنفس الجرأة التي يتناقشون فيها حول مباريات كرة القدم، أو التنافس بين نانسي عجرم وهيفاء وهبي. لكن ثرثرة جنرالات المقاهي لا تتجاوز حدود "القعدة" المنصوبة على رصيف الشارع، أما الثرثرة التي تتم من خلال وسائل الإعلام فإنها تخاطب الرأي العام فتشوه إدراك الناس وتلوث مشاعرهم بما قد يضللهم ويوقع الفتنة بينهم.

-2 -

بعد ثلاثة أيام من عبور أعداد من فلسطينيي غزة للحدود، اتصلت بي هاتفياً صحافية شابة لتسألني عن تداعيات التهديد الذي حدث، وحينما استفسرت منها عما تقصده بالتهديد فإنها ردت بسرعة قائلة: تهديد الأمن القومي طبعاً. سألتها مرة أخرى عما تعنيه بالأمن القومي، فسكتت لحظة ثم قالت إن رئيس التحرير دعا إلى اجتماع نقل فيه إلى المحررين بعض التوجيهات المتصلة بالموقف، ثم طلب منها ومن زميل آخر لها أن يستطلع آراء المثقفين والخبراء حول انعكاسات ما جرى على الأمن القومي المصري والأخطار التي حاقت به جراء ذلك.

لكثرة ما كتب في هذا المعنى، فإنني أجريت اتصالاً هاتفياً بالدكتور عبد المنعم المشاط، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، المتخصص في الموضوع (اطروحته للدكتوراه كانت حول الأمن القومي) وسألته: هل تعتبر ما حدث من جانب أهل غزة عدواناً على الأمن القومي المصري، فرد قائلاً: قطعاً لا، وحينما لفت انتباهه إلى ما تنشره الصحف في هذا الصدد، قال إن هذه حكاوي الأمن القومي، التي تحمل على "كلام الجرايد" ولا تحمل على العلم بالموضوع. ثم استطرد مضيفاً: إن الأمن القومي له تعريفات كثيرة. وإنه من ناحيته ينحاز إلى التعريف الذي يعتبر أنه كل ما من شأنه أن يؤثر في قدرة الدولة على حماية مصالحها القومية، وقد اعتبر روبرت مكنامارا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، ورئيس البنك الدولي بعد ذلك، أن الأمن القومي هو التنمية. أضاف أنه من هذه الزاوية فإن عبور الحدود من جانب المدنيين الفلسطينيين الذين يتعرضون للتجويع والإبادة الجماعية لا علاقة له بتهديد الأمن القومي. صحيح أن عبور الحدود يعد خطأ من الناحية القانونية، لكن الوضع شديد الخصوصية للفلسطينيين المحاصرين، يجعل تصرفهم وضعاً استثنائياً خاصاً جداً تفهمته القيادة المصرية وأعذرتهم فيه. قال أيضاً إن مسألة العبور غير الشرعي للحدود باتت شائعة في هذا الزمن، وفي الولايات المتحدة ذاتها عشرة ملايين شخص تسللوا عبر الحدود ودخلوا إلى البلاد ليقيموا فيها، ولم يقل أحد إن ذلك يهدد الأمن القومي للبلد. وهو وضع لا يمكن مقارنته بالفلسطينيين المحاصرين الذين عبروا الحدود بهدف توفير احتياجاتهم المعيشية. وحتى إذا تخلف بعضهم عن العودة، فإن ذلك يعد مخالفة تعالج بالطرق القانونية، وبروح التفهم والأعذار، لكنها لا تعد جريمة ولا اعتداء على السيادة أو الأمن القومي. ومثل ذلك التفهم والأعذار ينبغي أن يسود في ما لو حدثت أي كارثة طبيعية في السودان لا قدر الله، اضطرت خمسين أو مائة ألف من السودانيين لعبور الحدود إلى مصر. ومثل هذا النزوح شائع في الدول الإفريقية التي تعاني من الاضطرابات، والحاصل في كينيا والصومال وتشاد هذه الأيام يشهد بذلك.

-3 -

في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي كتبت في هذا المكان ثلاثة مقالات حول انكشاف الأمن القومي المصري وكان التعريف الذي انطلقت منه في الحديث عن الأمن القومي أنه كل ما يتعلق بعافية الوطن وقوته في الحاضر والمستقبل. وفرقت بين الأمن القومي بهذا المفهوم، وبين الأمن العام الذي تقوم به الأجهزة الأمنية، واستشهدت بآراء خبراء تحدثوا عن الربط بين التربية والتعليم وبين الأمن القومي، كما استحضرت العبارة التي وردت في التفسير الأمريكي الشهير الذي أعد في الثمانينات حول أوضاع التعليم في الولايات المتحدة عقب سبق السوفييت في الصعود إلى القمر، والذي قرر أنه "لو قامت قوة معادية بفرض نظام تعليمي متدني الأداء، لكان ذلك مدعاة لإعلان الحرب".

غني عن البيان أن تدهور التعليم لا يعد وحده مهدداً للأمن القومي، لكنه لابد أن يشمل كل انتقاص من قدرة المجتمع وقوته يؤثر سلباً في نموه في الصناعة والزراعة والاقتصاد والخدمات والبطالة. ينسحب ذلك أيضاً على العافية السياسية بما تتضمنه من ممارسة للحرية والتعددية والشفافية، كما ينسحب بطبيعة الحال على القدرة العسكرية وصواب الرؤية الاستراتيجية.

ما سبق يسوغ لنا أن نقول إن التعبئة الإعلامية التي ظلت تلوح بخطر تهديد الأمن القومي المصري جراء ما حدث وقعت في محظور التغليط، وأذهب في ذلك إلى أن الحوادث التي وقعت آنذاك، والتي بولغ في حجمها إعلامياً بصورة غير مبررة، بما في ذلك الاشتباك مع عناصر حرس الحدود المصرية، لا تعد بدورها تهديداً للأمن القومي. إذ تظل من قبيل حوادث الإخلال بالأمن الذي دعوت أكثر من مرة إلى التحقيق في شأنه ومحاسبة المسؤولين عنه. وفي كل الأحوال فمثل هذه الحوادث ينبغي أن تُعطى حجمها الطبيعي وأن توضع في سياقها بحسبانها تعبيراً عن تهور بعض الشبان وانفعالهم، بسبب منعهم من العبور. مع ملاحظة أن هؤلاء طرف مسكون بالغضب بسبب الحصار الخانق، ثم أنهم أشقاء وليسوا طرفاً معادياً. وبالتالي فإن تصرفهم يمكن أن يكون أقرب إلى ما يحدث أحياناً في غضب أهالي بعض القرى أو المتظاهرين في مصر، الذي يرتب اشتباكاً مع قوات الأمن المركزي. مع ملاحظة أن هؤلاء أعداد محدودة - ربما بضع عشرات - وسط عشرات أو مئات الألوف الذين عبروا. وبالتأكيد فإن ما جرى من جانبهم لا ينبغي أن يوضع على قدم المساواة مع حوادث إطلاق النار من جانب الجيش "الإسرائيلي" على بعض عناصر حرس الحدود المصريين في مرات سابقة، خصوصاً أن هؤلاء جيش مسلح، ثم أنهم قوة معادية في نهاية المطاف.

-4 -

إذا كان لنا أن نتحدث عن التهديد العسكري الذي تواجهه مصر حقاً على جبهتها الشرقية، والذي يهدد أمنها القومي في كل حين، فلن نجد هناك سوى التوحش "الإسرائيلي" المدجج بترسانة الأسلحة النووية.

تفيدنا في هذا الصدد شهادة الدكتور جمال حمدان التي أوردها في كتاب "سيناء في استراتيجية السياسة والجغرافيا" التي يصوغ فيها الموقف على النحو التالي: من يسيطر على فلسطين يهدد خط دفاع سيناء الأول. ومن يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط يتحكم في سيناء. ومن يسيطر على سيناء يتحكم في خط دفاع مصر الأخير، ومن يسيطر على خط دفاع مصر الأخير يهدد الوادي، استناداً إلى هذه الخلفية والكلام لا يزال للدكتور حمدان فإن مصر منذ أقدم العصور أدركت حقائق الاستراتيجية الصحيحة، وقواعد الدفاع السليمة عن الوطن، فمنذ خيتا والحيثيين، أي منذ نحو 4000 سنة أدركت أن الشام هو خط دفاعها الطبيعي الأول، وأن مصير مصر مرتبط عضوياً وتاريخياً وجغرافياً بمصير الشام. بل وأدركت مغزى جبال طوروس المحاذية للحدود التركية لأمنها، قبل أن يؤكد ذلك جنرالات الاستعمار البريطاني بآلاف السنين، كما يعترف بذلك المؤرخ العسكري البريطاني هـ. د.كول.

يقودنا ذلك إلى القول إن احتلال "إسرائيل" لفلسطين يمثل تهديداً حقيقياً لخط الدفاع الأول عن مصر. ولئن بدا ذلك الاحتلال استجابة لتطلعات قادة الحركة الصهيونية في الاستيلاء على ما زعموا أنها "أرض الميعاد"، فإنه كان في حسابات قوى الاستعمار والهيمنة في ذلك الزمان سبيلاً إلى إضعاف مصر والضغط عليها، عبر قطع اتصالها بالشام. ولذلك قلت في مقال سابق إن فلسطين كانت ضحية ذلك الطموح، بمعنى أنها كانت ضحية استهداف مصر بأكثر مما كانت مصر ضحية الدفاع عن فلسطين.

إن مصر حين حاربت في فلسطين كانت في حقيقة الأمر تدافع عن خط دفاعها الأول كدولة كبرى في المنطقة، بأكثر مما كانت تدافع عسكرياً عن الشعب الفلسطيني الذي أصبحت قضيته هي قضية مصر. آية ذلك أن مصر في عام 1948 دخلت الحرب بقرار من الجامعة العربية التي أدركت أن الخطر يهدد أمن الأمة. ولم تكن مصر وحدها في ذلك، وإنما دخلت معها قوات من الأردن والعراق وسوريا والسعودية، إضافة إلى جيش الإنقاذ الذي انخرط فيه متطوعون من كل الدول العربية. وفي عام 56 حاربت مصر دفاعاً عن نفسها بعدما أممت قناة السويس ومن ثم تعرضت للعدوان الثلاثي الذي شاركت فيه فرنسا وبريطانيا مع "إسرائيل"، ولم تكن فلسطين طرفاً في الموضوع. أما حرب 67 فلم تكن فلسطين طرفاً فيها أيضا، إذ يذكر العم أمين هويدي في كتابه عن تلك الحرب أن الهدف الحقيقي لها كان استعادة السيادة على المضايق التي فقدتها مصر في حرب 56، وحين أغلقتها في وجه السفن "الإسرائيلية"، من دون أن يكون لديها خطة واضحة لتحمل تبعات هذا الإجراء، فإنها ووجهت بهجوم "إسرائيلي" كاسح، أدى إلى مفاجأتها وهزيمتها التي شملت دولاً عربية أخرى هي الأردن وسوريا وفلسطين. أخيراً فإن حرب 73 لم تكن فلسطين أيضاً طرفاً فيها، ولكن مصر هي التي بادرت إليها لتستعيد سيادتها على سيناء كما هو معلوم.

لا أريد أن أقول بذلك إن قضية فلسطين لم تكن ضمن أولويات الاستراتيجية المصرية، لأن العكس هو الصحيح. ذلك أنها ستظل على رأس تلك الأولويات، باعتبار أن "إسرائيل" تمثل التهديد الاستراتيجي الأكبر لها، حتى أزعم أن "إسرائيل" إذا تصالحت مع مصر السياسية، فإن مصر الحقيقية لا تستطيع أن تتصالح أو تتسامح معها بسبب ما تمثله لأمنها من تهديد مستمر. لكن ما أردت أن أقوله إنه منذ عام 1948، وحتى الآن فإن الجهد المصري في الشأن الفلسطيني لم يكن تضحية مجانية من أجل الآخرين ولا إحساناً إليهم ولا منّة عليهم كما ادعى البعض.

بعض هذا الكلام قلته في مقام آخر، وعلق عليه أحد الشبان على شاشة التلفزيون قائلاً إنه غير علمي وغير تاريخي وغير وطني إنه هكذا مرة واحدة- لكنه لم يقل للمشاهدين لماذا هو عارٍ عن كل ذلك؟ - عجبي!  _ جبهة إنقاذ مصر _

 

أسبوع الالتباس العظيم

فهمي هويدي

إذا جاز لي أن أسمي الأسبوع الفائت في مصر، فإنني لا أتردد في تسميته أسبوع الالتباس العظيم.

(1)

اتصلت بي هاتفياً ذات مساء سيدة من أسرة فلسطينية عريقة استقرت في القاهرة منذ 45 عاماً، وقالت إنها بعد الذي سمعته في مداخلات بثها أحد البرامج التلفزيونية أثناء فقرة قدَّمها حول عبور الفلسطينيين الحدود إلى رفح والعريش، فإنها قررت أن تغادر مصر إلى غير رجعة. هدأت من روعها وسألتها عن السبب، فقالت إن التعليقات التي أذيعت على الهواء صدمتها، لأنها كانت مسكونة بالمرارة والنفور على نحو لم تعرفه في مصر. وأضافت أن التعبئة المضادة التي اعتبرت الفلسطيني خطراً على مصر وأمنها، أثرت في علاقتها مع صديقات تعرفهن منذ عقود، حتى خسرت بعضهن من جرائها.

ليست هذه حالة فردية، لأن مشاعر القلق هذه عبَّر عنها آخرون في عدة رسائل واتصالات هاتفية تلقيتها. وكان السؤال المكرر هو: هل يهيئ الفلسطينيون المقيمون في مصر أنفسهم للجوء جديد؟

مثل هذا القلق وجدته مبرراً ومشروعاً، لأنني أزعم بأنه بقدر ما كان الخطاب السياسي المصري ناجحاً بصورة نسبية في الأسبوع الماضي، فإن الخطاب الإعلامي فيما عدا استثناءات قليلة رسب في الاختبار، فكان مسيئاً وتحريضياً بشكل لافت للنظر. لست في موقف يسمح لي الآن بالتحقيق في الدوافع والمقاصد، ولكن ما يهمني في اللحظة الراهنة هو الحصاد والنتائج.

(2)

في عام 1991 قام العقيد معمر القذافي بعملية مشابهة لما تم في معبر رفح. فقد أحضر البلدوزرات وهدم البوابات المقامة على الحدود بين مصر وليبيا، تأثراً في الأغلب بالأفكار الوحدوية التي شاعت بين جيلنا، واعتبرت الحدود وراء المخططات الاستعمارية التي كرستها اتفاقية سايكس بيكو (عام 1916)، وبمقتضاها تم تمزيق العالم العربي في إطار وراثة تركة الدولة العثمانية، وتوزيع أشلائه على الدول المنتصرة آنذاك. وفي المقدمة منها إنجلترا وفرنسا. الشعور ذاته عبَّر عنه الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (وهو بالمناسبة يساري فلسطيني ومن قادة حركة القوميين العرب) حين أبلغ وهو في مرض موته بخبر اجتياز الجموع لمعبر رفح. وقد سمعت أحد رفاقه وهو يقول في حفل وداعه ان “الحكيم” لمعت عيناه من الفرحة وتمنى أن يعيش ليرى الشعوب العربية وهي تتلاحم محطمة حدود الدول القُطرية.

وقتذاك في عام 1991 عبر الحدود إلى ليبيا مليونا مصري، وهو رقم يعادل نصف الشعب الليبي. ولم تتصدع علاقات البلدين ولا شكت ليبيا من تهديد أمنها القومي. وبعد ذلك أعيد تنظيم الحدود، وأصبح المصريون يدخلون إلى ليبيا من دون تأشيرة. الذاهبون عبر المعبر الحدودي اشترط عليهم أن يحملوا معهم عقود عمل، والقادمون عبر المطار أصبحوا يدخلون من دون شروط، ويطالبون فقط بالحصول على عقود عمل خلال فترة زمنية معينة. ولأن هذه عملية يصعب ضبطها فقد أصبح في ليبيا الآن مليون مصري، منهم حوالي 650 ألفاً ذابوا في البلد وأقاموا في جنباتها من دون أن يحصلوا على عقود عمل، ومن ثم اعتبرت إقامتهم غير شرعية. وحين سرت شائعة تتعلق باحتمال ترحيلهم قامت الدنيا ولم تقعد، وجرت اتصالات عديدة بين القاهرة وطرابلس، أسفرت عن تهدئة الوضع وإبقاء كل شيء كما هو عليه.

هؤلاء، المصريون الموجودون في ليبيا بصورة غير شرعية، يعادلون تقريباً مجموع الفلسطينيين الذين عبروا الحدود خلال الأيام الثلاثة الأولى بعد اختراق معبر رفح، ومع ذلك فليبيا التي لا يتجاوز تعداد سكانها الملايين الأربعة لم تعتبر ذلك غزواً ولا تهديداً لأمنها القومي، في حين أن بعض الأبواق الإعلامية المصرية ظلت تصرخ منذرة ومحذرة من الغزو الفلسطيني لمصر، رغم أن تعداد سكانها تجاوز 76 مليون نسمة. وهي مفارقة تطرح السؤال التالي: ماذا يكون موقفنا لو أن الإعلام الليبي عبَّأ المجتمع هناك ضد وجود ذلك العدد من المصريين بصورة غير شرعية، وحرَّض الجماهير ضد احتمال “الغزو المصري”، كما فعلت أبواقنا الإعلامية بالنسبة للفلسطينيين العابرين، علماً بأن مبررات الخوف أكبر في الحالة الليبية (بسبب إغراء النفط وقلة عدد السكان) منها في الحالة المصرية الفلسطينية.

ليس عندي أي دفاع عن تحطيم الحدود واجتيازها بين دول لم تتوافق على فتح حدودها فيما بينها كما هو الحاصل في الاتحاد الأوروبي. ذلك أنه طالما هناك حدود دولية فيتعين احترامها، واجتيازها أو تحطيم أسوارها في الظروف العادية جريمة لاريب. لكني أحسب أن أي طفل مصري يدرك جيداً أن ما حدث في ما يتعلق بمعبر رفح كان نتاجاً لظروف غير عادية بإطلاق، من جانب شعب خضع لحصار شرس استمر ثمانية أشهر، وفي غيبة أي أمل لرفعه فقد كان الانفجار هو النتيجة الطبيعية له. من ثم فإن ما جرى لا ينبغي أن يوصف بأكثر من كونه خطأ لا جريمة، وهو ما يحتاج إلى عقلاء يتفهمون أسبابه ويعطونه حجمه الطبيعي ويتحوطون لتداعياته بحيث لا تخدم مخططات العدو “الإسرائيلي” مثلاً.

من أسف أن بعض المعالجات الإعلامية لم تفهم هذا التمييز بين الخطأ والجريمة، وذهب بعضها إلى اعتباره غزوا تارة، بل وإلى المساواة بين دخول الفلسطينين إلى رفح والعريش وبين احتلال “الإسرائيليين” لسيناء (هكذا مرة واحدة). واختلط الأمر على البعض الآخر حتى لطموا الخدود وشقوا الجيوب ورفعوا أصواتهم داعين إلى استنفار المصريين لصد الخطر الداهم الذي يهدد أمن بلدهم وسيادته. وكان ذلك نموذجاً للالتباس الذي أفقد البعض توازنهم، وحول المشكلة إلى قضية عبثية.

(3)

للالتباس تجليات أخرى؛ منها مثلاً أن البعض آثر أن يعتبر عبور الفلسطينيين إلى مصر “مؤامرة”، في حين ان المؤامرة الحقيقية هي في مساعي إحكام ومحاولة تدمير حياة الفلسطينين في القطاع لإذلالهم وتركيعهم. وفي منطق المرجحين لفكرة المؤامرة أن كل شيء كان مخططاً ومعداً له من قبل. وهو كلام مرسل لا دليل عليه، فضلاً عن أن الشواهد المنطقية والواقعية ترجح كونه انفجاراً شعبياً طبيعياً من جانب أناس حملهم الحصار بما لا يطيقون، وبما يتجاوز بكثير الانفجار الشعبي التلقائي الذي حدث يومي 18 و19 يناير/ كانون الثاني سنة ،1977 احتجاجاً على رفع الأسعار في مصر.

هي انتفاضة ثالثة حقاً، رغم أنني سمعت أحدهم يتحدث بدهشة واستنكار شديدين لإطلاق الوصف على قيامة الجماهير وعبورها للحدود. لكنها انتفاضة ضد الحصار والهوان، ولا يتصور عاقل أنها يمكن أن تكون انتفاضة ضد مصر. في الانفعال الذي ساد بعض المعالجات الإعلامية تداخلت الخطوط وتاهت البوصلة، حتى لم تميز تلك المعالجات بين ما يوصف في الأدبيات الماركسية بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية. لقد أبرزت بعض الصحف بعناوين عريضة بعض الحماقات التي ارتكبت وبعض التصرفات المشبوهة التي وقعت. مثل قيام أحد الشبان برفع العلم الفلسطيني على أحد المباني في الشيخ زويد. واعتداء البعض على عدد من الجنود المصريين، والكلام عن اكتشاف خليتين دخلتا إلى سيناء للقيام بعمليات عسكرية ضد “الإسرائيليين”، مثل هذه الأخبار إذا ثبتت صحتها، فينبغي أن تُعطى حجمها ويحاسب المسؤولون عنها، لكنها تظل في حدود التناقضات الثانوية، التي ينبغي ألا تحجب التناقض الأساسي مع “إسرائيل” والاحتلال والحصار.

ومن أسف أن الأضواء سُلِّطت بقوة على تلك التناقضات الثانوية، في حين تم تجاهل التناقض الأساسي في الكثير من المعالجات التي قدمتها وسائل الإعلام، مما أدى إلى تعبئة قطاعات عريضة من الناس بمشاعر غير صحية، فانصب غضبها على الفلسطينين بأكثر مما انصب على الاحتلال والحصار. وقد تجلى في هذه النقطة تفوق الخطاب السياسي على الإعلامي، وهو ما عبَّر عنه أحمد أبو الغيط وزير الخارجية بقوله في تصريح نشره “الأهرام” في 30/1 إن “إسرائيل” تتحمل المسؤولية القانوينة الأساسية والإنسانية لما آلت إليه الأوضاع في غزة، وما نتج عنها من انفجار بشري تجاه مصر (لاحظ أنه تحدث عن انفجار بشري وليس مؤامرة كما ادعى بعض المحرضين).

(4)

موضوع “حماس” كان ولا يزال محل التباس ولغط شديدين. ذلك أن لها ثلاثة أوجه في الخريطة الفلسطينية، فهي من ناحية حركة إسلامية لها أصولها الإخوانية، وهي من ناحية ثانية سلطة تم انتخابها بواسطة الشعب الفلسطيني، وهي من ناحية ثالثة أكبر فصيل مقاوم يتحدى الاحتلال ويرفض الاستسلام والتفريط. وهي في ذلك تقف جنباً إلى جنب مع الفصائل والعناصر الوطنية الأخرى التي اختارت ذلك النهج، ومن بين تلك الفصائل حركة الجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى والجبهتان الشعبية والديمقراطية. أما العناصر الوطنية المستقلة التي تقف في مربع المقاومة الذي تتصدره حماس فقائمتها طويلة، وتضم أسماء لها وزنها المعتبر في الساحة الفلسطينية، في المقدمة منهم بسام الشكعة وشفيق الحوت وأنيس صائغ وبهجت أبو غربية وسلمان أبو ستة وعبدالمحسن القطان وآخرون بطبيعة الحال.

كون حماس حركة إسلامية أو حتى إخوانية فهذا شأنها، الذي تتراجع أهميته في السياق الذي نحن بصدده. وكونها سلطة منتخبة فإن ذلك يضفي عليها شرعية نسبية تسوغ قبولنا بها انطلاقاً من موقف نقدي يسعى إلى تصويب مسيرتها وليس إسقاطها أو هدمها. وذلك كله أكرر كله مرهون بالتزامها بمقاومة الاحتلال ورفض التنازلات، وذلك أكثر ما يعنينا في شأن حماس.

لقد سبق أن سجلت في هذا المكان تحفظات وانتقادات لموقف حماس من السلطة. ولكن موقفها المقاوم يظل جديراً بالمساندة بغير تحفظ، رغم التكلفة الباهظة لهذا الموقف، الذي يمثل سباحة ضد تيار شرس زاحف بقوة، إقليمياً ودولياً، مسانداً لدعاة التفريط والاستسلام في الساحة الفلسطينية.

من أسف، أن هذه التمايزات بين الأوجه المختلفة لحماس غابت عن كثيرين. وأخطر ما في ذلك الالتباس أنه ضرب أهم تلك الأوجه الذي يتمثل في دورها المقاوم. ولا أستبعد أن تكون الأمور قد اختلطت على البعض، لكني لست أشك في أن هناك من تعمَّد تشويه ذلك الدور لأسباب ليست خافية.

إن الذين يقفون ضد الإخوان وامتداداتهم وجدوها فرصة لتوجيه سهامهم ضد حماس واستثارة الرأي العام ضدها. والذين التحقوا بمركب السلطة في رام الله وارتبطت مصالحهم بها، صفوا حساباتهم مع حماس بإضافة المزيد من السهام التي استهدفتها. ومعسكر “الموالاة” ل”إسرائيل” والسياسة الأمريكية اعتبر ما جرى في رفح فرصة نادرة لتوجيه ضربة قاضية لكل تيار المقاومة والرفض في الساحة الفلسطينية.

لقد نشرت لي صحيفة “الشرق الأوسط” يوم الأربعاء الماضي (30/1) مقالة كان عنوانها “المقاومة وليست حماس هي المشكلة” أردت فيها أن أذكَّر الجميع بأبعاد الصراع التي نسيها البعض وطمسها آخرون. ولأن التذكرة تنفع المؤمنين، فإنني لا أمل من تكرار ما قلت، مضيفاً “معلومة” غيَّبها الالتباس، وهي أن حماس ليست هي العدو ولكنه “إسرائيل”. وذلك تنويه وجدته واجباً، ليس فقط بسبب ما جرى، ولكن أيضاً لأننا نمر هذا العام بالعام الستين للنكبة، الذي صار البعض فيه لا يعرفون من يكون العدو. _الخليج الاماراتية_

 

في انتظــــار الرئيــس بوش

 فهمـي هـويـــدي

أشفق علي الذين يعلقون آمالا علي وصول الرئيس بوش الي المنطقة غدا‏,‏ لأن الدلائل تشير الي أن الرجل لم يجئ لأجل خاطرهم‏,‏ ولا هو مشغول بهم‏,‏ ناهيك عن أنه لم يخطر علي باله يوما ما أن يكون حكما عدلا يسعي لإنصافهم‏.‏

‏(1)‏ حين قتل الإسرائيليون البدوي المصري حميدان سويلم في رفح يوم الخميس الماضي‏,‏ في أثناء وجوده في فناء منزله‏,‏ فإن الرصاصات التي أطلقت عليه كانت محملة برسالتين‏,‏ إحداهما تصب في مجري التصعيد النسبي الحاصل في علاقات تل أبيب والقاهرة‏,‏ أما الثانية فكانت تعبر عن عدم الاكتراث بزيارة الرئيس الأمريكي والإعلان الضمني عن أنها لن تثني إسرائيل عن عزمها المضي في مخططاتها المرسومة‏,‏ والرسالتان تعكسان حالة الاستقواء والتصعيد التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية‏,‏ خصوصا بعد مؤتمر أنابوليس‏,‏ الذي أعتبره أهم تقرير استراتيجي صدر عن المخابرات العسكرية‏(‏ أمان‏),‏ أحد أبرز حدثين خدما إسرائيل في عام‏2007,(‏ الحدث الثاني هو أزمة الرئاسة في لبنان التي شغلت حزب الله وسوريا مما أبعد خطر اندلاع حرب إقليمية في المنطقة‏).‏

تجليات الاستقواء والتصعيد الأخري متعددة علي الجبهة المصرية‏,‏ منها إثارة موضوع الأنفاق الذي ادعت إسرائيل أن الأمن المصري يتستر عليها لتهريب السلاح الي غزة‏,‏ ومنها أيضا التحريض الذي مورس ضد مصر في واشنطن وأريد به تخفيض المعونة الأمريكية التي تقدم لها بمبلغ مائة مليون دولار‏,‏ وهو ما فتح الباب للتلاسن بين القاهرة وتل أبيب‏,‏ خصوصا بعد التصريحات غير اللائقة التي صدرت عن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني‏,‏ وكان الاحتجاج الإسرائيلي الأخير علي فتح معبر رفح لعبور الفلسطينيين وعودتهم الي غزة من تجليات تلك الحالة‏.‏‏

(2)‏ ممارسات الاستقواء بحق الفلسطينيين بعد أنابوليس كانت أفدح وأشد جسامة‏,‏ إذ في حين تصورت السلطة الفلسطينية أن المؤتمر فتح الباب للتسوية‏,‏ فإن الحكومة الإسرائيلية نسفت هذا الأمل‏,‏ واعتبرت أن المؤتمر حقق لها نقاطا أضافت الي رصيدها‏,‏ علي النحو الذي عبر عنه تقرير أمان الاستراتيجي‏,‏ الأمر الذي يشجعها علي الثبات في موقفها وليس التراجع عنه‏.‏

من باب ترطيب الأجواء‏,‏ فإن رئيس الوزراء إيهود أولمرت قبل بتجميد الاستيطان قبل يوم واحد من انعقاد المؤتمر‏,‏ وبعد العودة الي تل أبيب أعطت الحكومة الإسرائيلية الإشارات الخضراء‏,‏ التي أطلقت ثلاث خطط استيطانية لبناء أكثر من ألف وحدة سكنية جديدة في مستوطنتي هار حوما ومعاليه أدوميم المقامتين علي أراضي القدس الشرقية‏,‏ ومن ثم فإنها استأنفت العمل في خطة‏(EL)‏ التي تعتبر أكبر مخطط لتهوديد القدس المحتلة عبر ربطها بمستوطنة معاليه أدوميم‏,‏ التي تعد أكبر مستوطنات الضفة‏,‏ وهذا القرار لا يشكل فقط تقويضا واستخفافا بمتطلبات التسوية التي يعددها ممثلو السلطة الفلسطينية صباح مساء‏,‏ وإنما تمثل أيضا تجاوزا فظا لتعهدات إسرائيل لبوش بشكل شخصي‏,‏ لأن رئيس الوزراء السابق آرييل شارون كان قد التزم أمام الرئيس الأمريكي بتجميد هذه الخطة‏,‏ ليس ذلك فحسب‏,‏ وانما قررت إسرائيل قبل الزيارة أن تستأنف الحفر بالقرب من باب المغاربة في القدس‏,‏ وهو قرار يتناقض مع تقرير لجنة الفحص التركية التي زارت المدينة بدعوة من الحكومة الإسرائيلية‏,‏ وأكدت أن تلك الحفريات تشكل تهديدا خطيرا لوجود المسجد الأقصي‏,‏ حيث قد تؤدي الي تهاوي أساساته‏.‏

لم تبال الحكومة الإسرائيلية باحتجاجات ممثلي السلطة الفلسطينية‏,‏ التي أصبحت في حرج شديد‏,‏ خصوصا بعد استئناف الخطط الاستيطانية ولم تكترث بالتهديدات التي أطلقها ممثلو السلطة وتحدثوا فيها عن وقف التفاوض حول ملف التسوية‏,‏ حتي ذكرت الإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية في‏12/25‏ أن وزيرة الخارجية تسيبي ليفني قالت لأحمد قريع رئيس الوفد الفلسطيني في ختام جولة المفاوضات الثانية‏,‏ ما نصه إن إسرائيل لا تري أنها ملتزمة بوقف الأنشطة الاستيطانية‏,‏ وأنابوليس لم يفرض عليها أية قيود في هذا الجانب‏,‏ ومن لا يعجبه هذا الموقف فهو ليس شريكا لنا في المفاوضات‏.‏

من أسف أن السيد قريع ابتلع الإهانة ولم يستطع الفلسطينيون وقف المفاوضات‏,‏ التي واصلها رئيس السلطة السيد محمود عباس مع أولمرت‏,‏ وفشل اللقاء بدوره في وقف الهجمة الاستيطانية الجديدة‏.‏

إسرائيل الواثقة من ميل الميزان في المنطقة لصالحها تتصرف من موقع القوة‏,‏ حتي في مواجهة الولايات المتحدة ذاتها‏,‏ إذ هي مطمئنة إلي رسالة الضمانات التي وجهها الرئيس بوش لشارون‏,‏ وأكد فيها دعمه لبناء المستوطنات بزعم أن الوضع الديموجرافي‏(‏ الإسرائيلي بطبيعة الحال‏)‏ يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في إتفاق التسوية ـ ليس ذلك فحسب‏,‏ ولكن وزير الدفاع إيهود باراك ذهب إلي أبعد حين هاجم الرئيس الأمريكي علنا حين أبدي تحفظا بسيطا علي موقف الحكومة الإسرائيلية‏,‏ وقال عنه في جلسة عقدها مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي‏,‏ وبثها التليفزيون الإسرائيلي في‏2007/12/20:‏ هذا رجل أخرق لا يعرف عما يتكلم‏,‏ ونحن لن نتراجع عن موقفنا قيد أنملة‏.‏

‏(3)‏ هذا الاستقواء الظاهر في الجانب الإسرائيلي يقابل بموقف مناقض تماما من جانب ممثلي السلطة الفلسطينية في رام الله‏,‏ إذ فضلا عن تراجع رئيس السلطة عن كل الشروط التي أعلنها قبل الذهاب إلي أنابوليس‏,‏ فإنه وجماعته لم يستطيعوا أن يتخذوا موقفا من التوسعات الاستيطانية الإسرائيلية‏,‏ كما ذكرت توا‏,‏ واكتفوا برفضها في التصريحات الصحفية‏,‏ وبإبلاغ واشنطن والرباعية الدولية بما يجري‏,‏ لتتخذ من جانبها ما تراه مناسبا‏,‏ وبعدما أصبح الأمريكيون هم المرجع والحكم في الموضوع‏,‏ طبقا لما أعلن في أنابوليس‏,‏ فقد بدا واضحا أن رموز السلطة أشد ما يكونون حرصا علي استرضاء الإدارة الأمريكية‏,‏ واقناعها بأنهم يقومون بما عليهم من التزامات قررتها المرحلة الأولي من خريطة الطريق‏,‏ وعلي رأسها تجريد المقاومة من سلاحها‏,‏ ولأجل ذلك فإن جهاز الأمن الفلسطيني عمل جاهدا علي ترتيب نزع سلاح بعض المقاومين‏,‏ والحصول منهم علي تعهدات بعدم الانخراط في أية أنشطة ضد الاحتلال‏,‏ واستخدمت لذلك العديد من وسائل الإغراء‏,‏ التي تراوحت بين تأمين مكافآت مالية لهم وضمان عدم ملاحقة إسرائيل لهم مرورا بإلحاقهم بالأجهزة الأمنية الفلسطينية‏.‏

وفي سياق إثبات حسن النيات ومحاولة الفوز بشهادة لحسن السير والسلوك‏,‏ فإن الأجهزة الأمنية الفلسطينية أعادت التعاون مع الأجهزة الإسرائيلية المقابلة في أمور كثيرة‏,‏ في مقدمتها ملاحقة عناصر المقاومة‏,‏ الأمر الذي شجع جيش الاحتلال علي مواصلة حربه اليومية ضد حركات المقاومة في حدث الضفة الغربية‏,‏ ومن أغرب النتائج التي ترتبت علي هذا الوضع‏,‏ أن الأجهزة الفلسطينية أصبحت تداهم بيوت النشطاء الذين يرفضون إلقاء سلاحهم‏,‏ خصوصا عناصر حماس والجهاد الإسلامي خلال النهار‏,‏ بينما تتولي قوات الاحتلال نفس المهمة في الليل‏.‏

أما الأشد غرابة من هذا وذاك‏,‏ فهو ما أذاعه التليفزيون الإسرائيلي في‏2007/12/22‏ عن أن حكومة السلطة أصبحت تنظم للمنسق الأمريكي الجنرال كيت دايتون زيارة يومية لإحدي مدن الضفة الغربية‏,‏ لكي يتأكد من أنها جادة في حربها ضد المقاومة‏,‏ خصوصا ضد حركة حماس‏,‏ وفي تلك الزيارات فإن الجنرال دايتون أصبح يتفقد سجون السلطة ويطلع بنفسه علي عمليات الاستجواب والتحقيق والتعذيب التي يتعرض لها المقاومون‏,‏ إلي جانب اطلاعه المستمر علي جهود السلطة في إغلاق جميع المؤسسات والجمعيات الخيرية الإسلامية التي يشك في أن لها علاقة بحركة حماس‏.‏

وليس من قبيل المصادفات أن يحرص الرئيس أبومازن خلال الأسابيع التي سبقت زيارة الرئيس بوش علي استخدام اللغة التي يتبناها الرئيس الأمريكي في خطاباته‏,‏ مثل الدعوة إلي ضرورة التوحد في مواجهة قوي الظلام‏,‏ التي لا يقصد بها الإسرائيليين بطبيعة الحال‏,‏ ولكن يقصد عناصر مقاومة الاحتلال‏,‏ وفي مناسبات عدة اعتبر الرجل أن ركائز برنامجه الإصلاحي تتمثل في نبذ الفوضي والإرهاب‏,‏ وهو الوصف الذي يطلقه الأمريكيون علي المقاومة الي جانب سيادة القانون وإقامة الحكم الرشيد‏(‏ الذي لم يوضح كيف يمكن أن يقوم في ظل الاحتلال‏).‏

وحتي يرفع أسهمه لدي الإدارة الأمريكية‏,‏ فإن الرئيس الفلسطيني أعلن مزيدا من التشدد في التزامه بمواصلة القطيعة مع حركة حماس‏,‏ فلم يعد يكتف بمطالبتها بالتراجع عن سيطرتها علي غزة‏,‏ وانما أصبح يطالب بأن يتبع ذلك انتخابات تشارك فيها فقط الفصائل والأحزاب التي تقبل باتفاقات أوسلو‏.‏

‏(‏لاحظ أنه لا يفرض أي شروط علي التفاوض مع الإسرائيليين الذين قتلوا في العام الماضي‏400‏ مواطن فلسطيني‏).‏

‏(4)‏ عبر الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين عن رأي السلطة في رام الله‏,‏ حين قال إنهم يريدون من الرئيس بوش وقف الاستيطان وجعل عام‏2008‏ عام الاتفاق‏,‏ وهذا صحيح لأن السلطة لم يعد لها خيار آخر‏,‏ إلا أن ذلك يعد إفراطا في حسن الظن‏,‏ لأن بوش هو صاحب الضمانات التي أعطاها لإسرائيل واستجاب فيها لما طلبه منه شارون‏,‏ ثم أنه يتبني فكرة الدولة الفلسطينية التي تخدم مصالح إسرائيل والتي تحدد هي مواصفاتها‏,‏ أكثر من ذلك فإن هذا الكلام يتجاهل حقيقة أن الرئيس الأمريكي ليس معنيا بقضية السلام في المنطقة إلا بالقدر الذي يسهم في انقاذ سمعة حزبه الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة‏,‏ بعدما وصلت الي الحضيض في عهده‏,‏ وذلك عن طريق الإيحاء بتحقيق إنجاز في السياسة الخارجية‏,‏ بعدما منيت سياسته الداخلية بالفشل الذريع‏.‏

ليس معني ذلك أنه لن يتطرق في رحلته إلي أمور أخري‏,‏ مثل مستقبل الدولة الفلسطينية التي يتبناها والمشروع النووي الإيراني أو الوضع في لبنان‏,‏ لأنه من الطبيعي مادام موجودا في المنطقة أن يتعرض لهذه العناوين‏,‏ لكنه وهو يجاملنا بإسماعنا ما نريد‏,‏ سيظل مشغولا بمصير حزبه بأكثر من انشغاله بمصيرنا‏,‏ وهو لا يلام في ذلك‏,‏ لأن الذي يستحق اللوم حقا هم الذين يراهنون علي الطرف الغلط في أمور المصير‏,‏ التي ينبغي أن تكون المراهنة فيها علي أصحاب القضية بالدرجة الأولي‏.‏

أما أم الفواجع فهي أن أصحاب القضية لم يصبحوا متفرجين عليها فحسب‏,‏ وإنما صاروا مشغولين عنها بالاقتتال فيما بينهم‏.‏

 

هل يكون عـام الخـوف؟

فهمي هويـدي

هي مغامرة لا ريب أن يحاول المرء تعليق عنوان علي جدار السنة الجديدة‏,‏ إلا أن لدي أسبابا قوية للمجازفة بذلك‏,‏ وترشيح كلمة الخوف لتكون ذلك العنوان‏,‏ متمنيا علي الله أن تثبت الأيام بطلان هذه النبوءة‏.‏

 (1)‏ لا أستطيع أن أذهب في المجازفة إلي حد تعميم العنوان علي كل الأقطار العربية‏,‏ ذلك أنني أزعم أن النشوة ستظل عنوانا للدول الخليجية النفطية‏.‏ أولا لأن شبح الضربة العسكرية الأمريكية لإيران تراجع أو تأجل‏,‏ وثانيا لأن أسعار النفط لا يتوقع لها أن تنخفض في الأجل القريب‏.‏ أزعم أيضا أن القلق السياسي سيظل عنوانا لدول شمال إفريقيا‏,‏ بسبب تزايد أنشطة الجماعات الإرهابية من جهة‏,‏ وعدم الاستقرار السياسي من جهة ثانية‏.‏ ورغم أن مظلة الخوف ينتظر لها أن تغطي مساحة الشرق بما يشمل السودان واليمن‏,‏ ويتجلي في بقية الدول خصوصا العراق ولبنان‏,‏

فإن الأسباب القوية التي أشرت إليها قبل قليل تنسحب بصورة أوفي علي بلدين أساسيين هما مصر وفلسطين‏.‏ الأولي هي عاصمة العرب المركزية‏,‏ والثانية هي قضية العرب المركزية‏,‏ أو هكذا عرفنا الاثنتين علي الأقل‏.‏

 (2)‏ لم يكن عام‏2007‏ مبهجا في مصر‏,‏ وأي قارئ للكتاب المحترمين في مصر يدرك أنني لا أنفرد بهذا التقويم‏.‏ فقد ترددت في تعليقاتهم علي أحداث العام عبارات من قبيل عام الانتكاسات وعام الانكسارات والإحباطات‏,‏ وغير ذلك من الأوصاف التي تنم عن عدم الرضا‏.‏ ومن يتابع أحداث العام لابد أن يلاحظ أن مؤشرات ودلالات التوتر فيه اختلفت في بداية العام عنها في نهايته‏.‏

ففي الربع الأول من العام تقريبا كان التوتر مخيما علي علاقة السلطة ببعض عناصر النخبة ولأسباب سياسية في الأغلب‏,‏ وكانت التعديلات التي أدخلت علي الدستور وجاءت ماسة بالحريات العامة وولاية السلطة القضائية علي رأس تلك الأسباب‏.‏ ولكن مع تقدم أشهر السنة اتسعت دائرة التوتر حتي غدا مخيما علي علاقات السلطة بالمجتمع‏.‏ فقد انضمت إلي ساحة الغاضبين فئات من العمال والفلاحين والموظفين‏.‏ ولم تكن أسبابهم في ذلك سياسية‏,‏ وإنما كانت أسبابهم اجتماعية بالدرجة الأولي‏.‏ ولأن هذا التطور كان جديدا علي السلوك العام‏,‏ فهو يتطلب وفقة وبعد التفصيل‏.‏

فقد تابع مركز الدراسات الاشتراكية ومركز الأرض في القاهرة بدقة مظاهر الاحتجاج الجماهيري في عام‏2007‏ التي تراوحت بين شكاوي العاملين وبين اعتصاماتهم‏,‏ مرورا بالتظاهرات والإضرابات‏,‏ وتبين أنه خلال الأشهر التسعة الأولي من العام شهدت مصر‏521‏ احتجاجا‏,‏ بمعدل يسمح بالحديث عن‏700‏ احتجاج خلال العام كله‏.‏ وحين قارن الباحثون ذلك مع ما جري في عام‏2006,‏ فإنهم وجدوا أن عدد الاحتجاجات وقتذاك كان‏222,‏ الأمر الذي يعني أن احتجاجات العاملين في‏2007‏ كانت أكثر من ثلاثة أضعاف مثيلاتها في العام الذي سبقه‏.‏

في هذا الصدد لاحظ المرصد النقابي والعمالي أن المتوسط الشهري للاحتجاجات من الشهر السابع في العام‏(‏ يوليو‏)‏ كان‏57‏ احتجاجا‏,‏ وأن هذا المتوسط ارتفع في الشهرين العاشر والحادي عشر من العام إلي‏74‏ احتجاجا‏.‏ الأمر الذي يعني أن مؤشر الاحتجاج الجماهيري في تزايد مستمر مع نهاية العام‏.‏

لاحظ الباحثون أيضا أن ثمة سمات جديدة للاحتجاجات‏,‏ منها مثلا أن بعضها استمر أجلا طويلا‏,‏ دل علي تمسك بالمطالب وصلابة في الموقف‏.‏ فإضراب مصنع الطوب في مدينة الصف استمر تسعة أشهر‏,‏ وإضراب عمال شركة المنصورة للغزل والنسيج استمر ثلاثة أشهر‏.‏ من تلك السمات الجديدة‏,‏ أيضا أن العمال أعلنوا الإضراب‏,‏ ليس فقط للمطالبة بالعلاوات وتحسين ظروف العمل كما هو الشائع‏,‏ ولكنهم أصبحوا يضربون للمطالبة بحقهم في الأرباح التي يحققونها‏,‏

وتجنيها الشركات والمصانع الخاصة التي يعملون بها ثم يكدسها أصحاب رؤوس الأموال في جيوبهم‏.‏ وهو ما حدث في مصنع للصناعات الغذائية بالسويس‏,‏ الذي حقق العاملون فيه أرباحا سمحت لملاكه بإقامة‏3‏ مصانع جديدة‏,‏ في حين لم يعطوا العمال شيئا مقابل إنجازهم‏.‏

من الظواهر أيضا أن موظفي الحكومة دخلوا شرائح المضربين‏,‏ خصوصا أن منهم نصف مليون موظف يعملون بعقود مؤقتة وغير مثبتين‏(‏ في أسيوط‏16‏ ألف مدرس مؤقت‏),‏

وقد تابع الجميع في مصر إضراب موظفي الضرائب العقارية‏,‏ الذين أعلنوا إضرابا ضد وزارة المالية‏,‏ لم يتوقف إلا بعد أن وعدوا بالاستجابة لمطالبهم‏.‏

إحباطات المثقفين وإضرابات العاملين المتزايدة‏,‏ أثارت لغطا كبيرا وأسئلة كثيرة حول احتمالات العام الجديد‏.‏ وهي الاحتمالات التي أقلقت المستشار طارق البشري في وقت مبكر‏,‏ وعبر عنها في كتابه الذي صدر بعنوان مصر بين العصيان والتفكك‏.‏

وكان ذلك في عام‏2006,‏ الذي ارتفع فيه صوت النخب الثقافية بالاحتجاج والغضب إزاء تراجع مؤشرات الإصلاح السياسي‏.‏ وهو ما اختلف في النوع والكم مع دخول عام‏2008,‏ الأمر الذي يضاعف من القلق ويرسخ الخوف من المجهول القادم‏.‏

(3)‏ عام‏2008‏ فيما يخص الشأن الفلسطيني أخطر بكثير‏,‏ لأن الذي قد يحدث في مصر ـ في أسوأ فروضه ـ يظل عرضا يصيب الجسم ويؤثر علي عافيته ومناعته‏,‏ في حين أن الذي يلوح في الأفق الفلسطيني هو خطر يهدد الوجود وينذر بتصفية القضية بكاملها‏.‏

ومن مفارقات الأقدار أن يبرز ذلك الخطر في العام الستين للنكبة الذي تحتفل فيه إسرائيل ليس فقط بذكري تأسيس الدولة‏,‏ وإنما أيضا بما حققته علي صعيد طمس آثار الجريمة التي ارتكبتها‏.‏

أحدث محطات التصفية كانت مؤتمر أنابوليس‏,‏ الذي دعت إليه الولايات المتحدة واشتركت فيه كل الدول العربية‏,‏ إلي جانب ممثلي السلطة الفلسطينية وإسرائيل بطبيعة الحال‏.‏ وكان أسوأ ما في ذلك المؤتمر أنه جعل خريطة الطريق هي المرجعية الوحيدة لحل القضية‏,‏ مستبعدا أية مرجعية أخري بما في ذلك قرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية‏.‏ ليس ذلك فحسب‏,‏ وإنما نصت وثيقة التفاهم التي أعلنت أن الولايات المتحدة هي التي ستشرف علي تسوية القضية بين الطرفين‏.‏ أي أن المرجعية ستكون أمريكية والإشراف علي التطبيق كذلك‏,‏ والمدهش في الأمر أن كل الدول العربية كانت شاهدة علي ذلك‏.‏

بعد أيام قليلة من مؤتمر أنابوليس عقد في باريس مؤتمر الدول المانحة التي وافقت علي أن تقدم إلي السلطة الفلسطينية أكثر من‏7‏ مليارات دولار علي ثلاث سنوات‏,‏ بمعدل‏2.5‏ مليار دولار كل سنة‏.‏ وأخطر ما في ذلك المؤتمر أنه تعامل مع القضية بحسبانها مشكلة اقتصادية وأمنية‏,‏ في تجاهل تام للاحتلال الذي هو جوهر الموضوع وأصل البلاء‏.‏ وبالتالي فإن المبالغ التي قدمت للسلطة الوطنية أريد لها أن تمول المشروعات الاقتصادية وأن توفر احتياجات الأجهزة الأمنية‏,‏ بدعوي التمهيد لإقامة الدولة الفلسطينية‏.‏ ولكن الأمر ليس بهذه البراءة‏,‏

لأننا لا نحتاج إلي دليل لكي نعرف أن الولايات المتحدة أو الدول السائرة في ركبها ما كانت حريصة يوما ما علي تنمية المجتمع الفلسطيني ولا علي أمنه‏.‏ والحصار الشرس الذي فرضه هؤلاء علي الضفة والقطاع بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في أوائل عام‏2006‏ يؤكد هذه الحقيقة‏.‏

الهدف الحقيقي للتنمية الموعودة هو محاولة إنعاش الحالة الاقتصادية في الضفة لتحقيق أمرين‏,‏ أولهما إلهاء الناس عن موضوع الاحتلال‏,‏ وثانيهما تحويل الضفة إلي منطقة جذب تستوعب اللاجئين المشردين في الخارج‏,‏ علي النحو الذي يشجعهم علي صرف النظر عن حقهم في العودة إلي ديارهم التي طردوا منها في عام من‏48‏ أو‏67.‏ أما الهدف الحقيقي لتعزيز قدرة الأجهزة الأمنية فهو تمكينها من القضاء علي حركات المقاومة الفلسطينية‏,‏ وذلك كله يصب بامتياز في المصلحة الإسرائيلية‏.‏

4)‏ في وثيقة التفاهم المشترك أن الطرفين تعهدا ببذل كل الجهد للتوصل إلي معاهدة سلام تكفل إقامة الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية قبل نهاية عام‏2008.‏ وكانت تلك هي الجزرة التي صدقها أبو مازن حتي راح يبشرنا بتحقيق الحلم في ذلك الأجل‏.‏ في حين أن الإسرائيليين عصفوا بذلك الحلم بعد أيام قليلة من انتهاء مؤتمر المانحين في باريس‏,‏ فمن ناحية أصيب المفاوضون الفلسطينيون بخيبة أمل حين أبلغوا بتقويم أمريكي يقول إن السلطة في رام الله بحاجة إلي خمس سنوات علي الأقل لتنفيذ الاستحقاقات الأمنية التي نصت عليها المرحلة الأولي من خريطة الطريق‏.(‏ الشرق الأوسط‏11/27),‏ ومن ناحية ثانية لأن الحكومة الإسرائيلية أصدرت تعليماتها بالمضي في مشروعاتها الاستيطانية‏,‏

عبر بناء‏730‏ بيتا جديدا في جبل أبو غنيم ومستوطنة معالي أدوميم‏.‏ وحين احتج الفلسطينيون المفاوضون علي ذلك قائلين إنه تم الاتفاق في أنابوليس علي وقف الاستيطان‏,‏ فإن الإسرائيليين رفضوا كلامهم وقالوا إنه لا يوجد أي اتفاق علي تجميد الاستيطان في القدس‏,‏ التي هي العاصمة الأبدية لإسرائيل‏.‏ وذكر رافي إيتان وزير شئون القدس أن بحوزة إسرائيل رسالة من الرئيس بوش تحتوي علي ضمان بأن التجمعات الاستيطانية الكبيرة ستبقي بيد إسرائيل في أي مفاوضات‏.‏

وفي تصريحات صحفية اعتبر ممثلو السلطة في رام الله أن التوسع في الاستيطان يجهض ما تم الاتفاق عليه في أنابوليس وهددوا بوقف التفاوض مع الإسرائيليين‏,‏ بعدما فشلت ثلاثة لقاءات مع الإسرائيليين‏,‏ أحدها بين أبو مازن وأولمرت‏,‏ في الاستجابة للمطلب الفلسطيني‏.‏ ولكن الصحف التي صدرت في‏12/19‏ أعلنت تراجع الفلسطينيين عن مقاطعة المفاوضات‏,‏ حيث أصبحوا بلا حيلة وليس أمامهم خيار آخر‏.‏ وتحدثت الصحف عن لقاء جديد بين الطرفين في الأسبوع االمقبل يستمر فيه الجدل حول المستقبل‏,‏ في حين تستمر إسرائيل في فرض الحقائق الجديدة علي الأرض‏,‏ محتمية في ذلك برسالة الرئيس بوش‏,‏ ومطمئنة إلي أن ميزان القوة العسكرية والسياسية في مصلحتها‏.‏

فحين تستمر إسرائيل في التمدد علي الأرض‏,‏ ويسكت الجميع علي استمرار الاحتلال‏,‏ ويغلق باب الحديث عن حق العودة‏,‏ فما الذي يبقي من القضية؟ وحين يسلم الملف بالكامل للأمريكيين‏,‏ فهل يكون ذلك سببا للاطمئنان أم باعثا علي الخوف؟

 

رياح جديدة تهب على العالم العربي ...

فهمي هويدي

ثمة إشارات تدل على أن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على وضع جديد، مختلف عن الوضع المشدود الذي عاشت في ظله خلال الأسابيع السابقة. من السابق لأوانه أن نتحدث عن «انفراج»، وهو أمر لا يبدو قريباً، ولكن أزعم أننا بصدد وضع مختلف، يتشكل في الوقت الراهن من الإشارات التي أدعيها تتمثل في أربعة أمور هي :

* تقرير المخابرات المركزية الأمريكية الذي تحدثت فيه عن أن إيران أوقفت برنامجها العسكري النووي منذ أربع سنوات، الأمر الذي يعني أن المخاوف التي أثيرت بخصوص المشروع الإيراني لم يعد لها محل في الوقت الراهن.

صحيح أن التقرير لن يغير من نظرة الإدارة الأمريكية لإيران واعتبارها خطراً يتعين إزالته لكنه بكل تأكيد سيجعل موقف إدارة الرئيس بوش صعباً للغاية أمام الكونغرس وأمام الرأي العام، إذا ما أراد أن يوجه ضربة عسكرية لإيران، بل إن الإدارة الأمريكية أصبحت بعد التقرير تواجه صعوبة في استصدار قرار من الأمم المتحدة بتشديد العقوبات على إيران. هذا ما صرح به المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة زلماي خليل زاد.

وإذا كان ذلك القرار قد أصبح صعباً فما بالك بما هو أكبر منه وأخطر. عند الحد الأدنى فإن التقرير أوقف مساعي التصعيد العسكري الأمريكي في مواجهة إيران وأسفر عن تراجع أولوية الضربة العسكرية في الوقت الراهن. ولا أستبعد أن يكون الرئيس الأمريكي قد اختار في نهاية المطاف أن يرحل الملف الإيراني لخلفه الذي يفترض أن ينتخب في العام القادم، بعد ما تزايدت الضغوط في أوساط القيادات العسكرية الأمريكية والقيادات السياسية الرافضة بتكرار الكارثة العراقية ونقلها من بغداد إلى طهران. وهناك تسريبات أمريكية تقول إن الرئيس بوش أدرك خطورة الخطوة التي كان مقدماً عليها وأراد أن يتراجع في قراره توجيه الضربة العسكرية فغطى نفسه بالتصريح للمخابرات بإخراج التقرير إلى النور.

وسواء أرادت المخابرات المركزية أن تخلي مسؤوليتها وتبرئ ذمتها أمام الرأي العام حتى لا تتكرر خطيئة العراق، أم أن الرئيس بوش أراد أن يغطي موقفه متذرعاً «بمفاجأة» التقرير، لكي يعدل عن قرار توجيه الضربة العسكرية، فالشاهد أن التقرير أعلن على الملأ وأحدث أصداءه في كل اتجاه، من الأمم المتحدة إلى منطقة الخليج التي أحسب أن مخاوفها من انطلاق الحرب قد تبددت بصورة نسبية، وإذا صح ذلك فإنه سيكون باباً يستدعي أسئلة أخرى من قبيل: كيف يكون صدى ذلك في إيران على الصعيدين الداخلي والخارجي؟

أعني أن ما جرى يمكن احتسابه باعتباره نقطة لصالح الرئيس أحمدي نجاد وفريقه يمكن أن تفيده ومجموعة القوى المحافظة التي تسانده، وتحسن مركزهم في انتخابات مجلس الشورى القادمة في شهر مارس القادم، ثم ماذا سيكون صدى ذلك في العلاقات الإيرانية الأمريكية، وهل يمكن أن تؤدي التهدئة النسبية إلى إحداث ثغرة في جدار العلاقات تؤدي إلى تفاهم أمريكي إيراني يحتاجه الطرفان سواء لتهدئة الأوضاع في العراق وأفغانستان، أو للتخفيف من حدة الحصار المفروض على إيران؟

وهناك سؤال آخر في منتهى الأهمية هو ماذا سيكون موقف "إسرائيل" في هذه الحالة التي هي الطرف الأساسي في هذا الملف الذي يزعجه بأكثر من غيره تقدم المشروع النووي الإيراني، وهل سيدفعها ذلك إلى القيام من جانبها بالضربة العسكرية التي كانت تنشدها، ليس فقط لإجهاض المشروع والتفرد بالقوة في المنطقة، ولكن أيضاً لكي تسترد الهيبة التي فقدتها حين هزمت من جانب حزب الله في صيف العام الماضي.

* الأمر الثاني يتمثل في حل العقدة اللبنانية بالتوافق بين الأطراف المختلفة، صحيح أن العقدة لم تنحل تماماً، لأنه حتى كتابة هذه السطور فإن الشق الذي انحل هو ما يخص رئاسة الجمهورية، في حين إن اللغط لا يزال مستمراً حول رئاسة الحكومة وبعض الملابسات السياسية الأخرى (قانون الانتخابات مثلاً) وما يهمنا في هذه النقطة هو أن المشروع الأمريكي في لبنان كان له هدف محدد، هو تغليب طرف على آخر بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تجريد حزب الله من سلاحه، وقطع الطريق على أي تفاهم مع دمشق، ومن ثم إضعاف الدور الإيراني في المنطقة، وفي الوقت ذاته مد الجسور بين "إسرائيل" ولبنان لتوسيع نطاق معسكر «الاعتدال» في العالم العربي، المحتشد مع "إسرائيل" في مواجهة إيران. ذلك كله لم يتحقق لأن التحول المركزي فيه لم يقع.

أعني أنه لم يحدث أن تم تغليب طرف على آخر، وإنما توافق الطرفان على موضوع الرئاسة وقطعا شوطاً لا بأس به في التفاهم حول الحكومة وبقية الملفات. وليس بوسعنا أن نقول من انتصر في معركة ليّ الذراع، ولكننا نستطيع أن نقول إن الطرفين لم يهزما وأن المراهنة الأساسية ـ الأمريكية والإسرائيلية ـ على محاصرة حزب الله وكسر إرادته لم تقع.

وبالتالي فإن المخاوف الشديدة التي برزت من جراء حدوث ذلك الاحتمال تراجعت بدورها إلى حد كبير، وكان الرابح من كل ذلك هو لبنان في التحليل الأخير.

* الأمر الثالث هو إعادة بعض الحيوية إلى خط عمان دمشق، الذي كان قد انقطع تماماً في الآونة الأخيرة وتمثل ذلك في زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله لدمشق قبل انعقاد مؤتمر أنابوليس ثم في زيارة وزير الخارجية السوري لعمان هذا الأسبوع واجتماعه مع رئيس الوزراء الأردني. ذلك في القدر المعلن على الأقل. هذه العودة النسبية تكسر طوق الحصار السياسي الذي فرض على سوريا، وتطوي إلى حد ما صفحة الادعاء بضلوعها فيما سمي ذات مرة بالهلال الشيعي، وتفتح الطريق لتفعيل الدور السوري في اتجاهات متعددة منها الشأن الفلسطيني واللبناني، ولا أستبعد أن تكون سوريا قد أسهمت في التوافق اللبناني حول شخص رئيس الجمهورية، وهي التي كان لها دورها التاريخي ـ مع مصر والسعودية ـ في التفاهم بهذا الخصوص.

* الأمر الرابع يتمثل في الزيارة التي قام بها للرياض هذا الأسبوع وفد حركة حماس برئاسة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي، وهي الزيارة التي ظلت مؤجلة منذ ثلاثة أشهر تقريباً. ورغم أن الاتصالات لم تنقطع طوال الوقت بين قيادة حماس وبين المملكة السعودية التي رعت اتفاق جدة، إلا أنها بعد ما جرى في غزة في منتصف يونيو الماضي لم تعد إلى سابق عهدها، على الأقل من حيث إن تدهور العلاقات بين الطرفين الأساسيين في حكومة الوحدة الوطنية اعتبر نكوصاً عن الاتفاق الذي رعاه الملك عبد الله بن عبد العزيز. وفي حدود علمي فإن مراسلات تمت بين قيادة حماس وبين الرياض، تم خلالها استيضاح بعض الأمور فيما تم، واستجلاء آفاق المستقبل، الأمر الذي انتهى بموافقة الرياض على استقبال وفد حماس وليس بوسعنا أن نتنبأ بنتائج هذه الزيارة، ولكننا نستطيع القول بأنه في ظلها تم وصل ما انقطع بصورة نسبية بين الجانبين، كما أننا لن نشتط أو نذهب بعيداً إذا قلنا إن موضوعها الأساسي هو تهيئة الأجواء لاستعادة الحوار بين فتح وحماس الذي لا بد أن يسهم في الحد من أثر الكارثة التي أصابت العصب الفلسطيني في مقتل، وإيقاف التدهور الخطير للأوضاع الإنسانية في غزة.

لا غضاضة في أن تكون هذه تمنيات ولكني أحسبها رؤية للنصف الملآن من الكأس تعطينا أملاً في أن نستقبل في العام الجديد بعض المؤشرات الإيجابية في العالم العربي، الذي امتلأ أفقه بالسحابات الكثيفة والسوداء وهي مؤشرات إذا لم توح بإمكانية تحسن أوضاعنا، فهي على الأقل تبشرنا بأن المراهنات الشريرة على قلب الأوضاع في المنطقة قد فشلت، أو في سبيلها إلى ذلك.

 

ملاحظات علي المراجعات

فهمي هويدي

القضايا التي تطرحها مراجعات الجهاديين أهم بكثير من المحتوي الذي قدمته, الأمر الذي يدعونا بدورنا إلي مراجعة الكثير من مواقفنا وحساباتنا.

(1) في منتصف الخمسينيات حين كان الشيخ محمد أبوزهرة يلقي علينا محاضراته في الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق, سألنا ذات مرة عن الفرق بين المسلم الكيس الفطن, والمسلم كيس القطن, ولم ينتظر منا إجابة لأنه أجاب قائلا, إن الفرق بين الاثنين هو ذاته الفرق بين المسلم الذكي والمسلم الغبي, وقد تطرق الي الموضوع حين استطرد ذات مرة ليشرح لنا مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فقال إن المسلم الغشيم هو الذي يندفع الي محاولة التغيير باليد لشيء لا يقدر عليه, أو ينهي الناس عن أمر فيتحولون الي ما أسوأ منه, وروي لنا في هذه المناسبة قصة ابن تيمية في الشام, حين مر علي قوم من التتار كانوا قد شربوا حتي سكروا, فقال له أحد أصحابه لماذا لا تنههم عن شرب الخمر, فرد عليه قائلا: دعهم كما هم,

لأنهم اذا أفاقوا عاثوا في الأرض فسادا, وخلص من القصة الي أن ابن تيمية استخدم عقله في تعامله مع الواقعة, حين وازن بين المصلحة والمفسدة, وبين الضرر الأدني والضرر الأكبر, وعلم من حوله أن المسلم الكيس والرشيد هو من يملك عقلا يمكنه من إحسان التعامل مع الواقع, من خلال ضبط الموازنات وتحديد الأولويات, ومراعاة المقاصد والمص الح في نهاية المطاف, أما الذي يحفظ النصوص ويتعامي عن الواقع فهو المسلم الغبي, الذي لا يختلف في شيء عن كيس القطن.

هذا الكلام قرأته في كتابات آخرين من الأساتذة والشيوخ, من أمثال عبدالوهاب خلاف وسلام مدكور ومحمد مصطفي شلبي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي, الذي كان أكثر من فصل في الموضوع وأصل لفقه الأولويات والموازنات, وحين كنت أقلب في كتب الأقدمين كنت أجده مبثوثا في جنباتها بصياغات مختلفة, خصوصا في مؤلفات ابن القيم وابن تيمية وأبوحامد الغزالي والإمام الجويني وآخرين.

ومازلت أحتفظ بكتاب صغير كنت قد قرأته في أوائل الخمسينيات( اشتريته بخمسة عشر قرشا) حول حق مقاومة الحكومات الجائرة في المسيحية والإسلام, لمؤلفه الدكتور محمد طه بدوي, الذي كان حينذاك أستاذا مساعدا بكلية التجارة في جامعة فاروق الأول( الإسكندرية لاحقا), وتحدث عن موقف فقهاء المسلمين من أنظمة الحكم وانحياز أغلبهم الي موقف درء الفتنة, اهتداء بمبدأ ترجيح المصلحة علي المفسدة.

هذه الخلفية استعنت بها فيما كتبته لاحقا( قبل ربع قرن) عن فقه التغيير والانكار, وهي المقالة التي أصبحت فصلا في كتاب صدر لي في عام1986 تحت عنوان التدين المنقوص.

(2) ما دعاني الي استحضار ذلك التاريخ أنني حين اطلعت علي وثيقة ترشيد العمل الجهادي التي شغلت الرأي العام خلال الأسابيع الأخيرة, وكتبها منظر الحركة الدكتور سيد إمام الشريف, الذي اشتهر بأسماء أخري, وجدت أن الكلام المنشور ليس جديدا علي, وانتهيت الي أن ما اعتبرته وسائل الإعلام فتوحات فكرية هو جزء من المعارف التي حصلها أمثالي من الشباب الذين انشغلوا بالشأن الإسلامي منذ نصف قرن علي الأقل, بل كان جزءا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية التقليدية لدي أهل السنة والجماعة.

لم أفاجأ مثلا بالتنويه الي أن التكليف منوط بالعقل والعلم والقدرة, ولا بالنهي عن استخدام العنف في مواجهة الحكام ببلاد المسلمين, أو بالنهي عن قتل المدنيين المسلمين أو التعرض بالأذي للأجانب السائحين, ولم أجد إضافة الي معلوماتي في شأن تكفير المسلمين أو ضوابط وأسس التعامل مع غير المسلمين, التي ألفت فيها قبل عشرين عاما كتابي مواطنون لا ذميون, وهذه كلها عناوين أساسية في الوثيقة, تخلي فيها كاتبها عن الأفكار التي تبنتها مجموعات الجهاد الإسلامي في مشروعها, وحين قلت إنها لم تضف الي معلوماتي شيئا فإنني لا أتحدث عن أمر يخصني وحدي, وانما قصدت أنها لا تضيف شيئا الي معارف الباحثين المسلمين العاديين, ممن نهلوا من منابع ومراجع مدرسة الوسطية الإسلامية التي ينتمي إليها غالبية أهل السنة والجماعة.

ولا أريد أن أقلل من شأن الوثيقة, لأنها تمثل انقلابا في أساسيات مشروع جماعات الجهاد, وانتقالا به من فكر الفرقة الي فقه الأمة, وهي من هذه الزاوية مهمة للغاية لكل الفصائل التي انخرطت في المشروع وانطلقت من تعاليمه, ولا تقل في أهميتها عن مراجعات الجماعة الإسلامية التي صدرت قبل عشر سنوات, وكلها تهدر فكرة العنف وترفض التكفير, وتتحري سبلا جديدة للتصالح مع المجتمع, تتوافق مع ما اصطلحت عليه الأمة وتعايشت في ظله منذ قرون, الي جانب ذلك, فمن الانصاف أن نشيد بشجاعة الرجل الذي تبني هذه المراجعات, ولم يتردد في نقد الأفكار التي سبق أن تبناها, مؤثرا العودة الي الحق الذي أدركه, بدلا من المضي العوج في الذي بدأه.

(3) لماذا كان العوج؟ ولماذا كانت المراجعات؟.. شغلتني إجابة السؤالين بأكثر مما شغلني محتوي الوثيقة برغم أهميته, وقد وقعت علي إجابة السؤال الأول في ثنايا دراسة مهمة تضمنها كتاب دليل الحركات الإسلامية, الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام في العام الماضي(2006), والدراسة عن منظر حركة الجهاد وصاحب المراجعات التي بين أيدينا الدكتور سيد إمام, ونبهت الي انطلاقه من فكر المدرسة السلفية التي تركز علي مفهوم العقيدة, ويسيطر عليها تمثل نموذج الفرقة الناجية, وهذه المدرسة حين حصرت نفسها في ذلك الإطار فإنها انفصلت عن الواقع وميزت نفسها عنه, ومن ثم فإنها نفرت من المجتمع واشتبكت معه, فجرحت عقيدته وكان التكفير سبيلها الي ذلك, ولأنها الفرقة الناجية, ولأن المجتمع في نظرها أصبح مرتدا وفاسد العقيدة, والكفر سمة أساسية لكل فئاته ومؤسساته وجماعاته ـ حتي الإسلامية منها ـ فإن مقاتلته وتقويض أركانه غدت رسالة الفرقة الناجية لتطهيره من الضلال الذي وقع فيه.

هذه هي الفكرة الجوهرية التي سيطرت علي أهم كتاب للدكتور سيد إمام, الذي خرج في جزءين( ألف صفحة) تحت عنوان الجامع في طلب العلم الشريف, تولي فيه تأصيل تكفير المجتمع والخروج علي حكامه ومقاتلتهم.

حدثتنا الدراسة عن أزمتين عاني منهما منظر الجهاديين, أولاهما أزمة في الفكر تمثلت في استغراقه في مدرسة السلف واستسلامه لشعار الفرقة الناجية التي استعلت علي كل ما حولها, وثانيتهما أزمة لدي الشخص الذي استقال غاضبا من قيادة تنظيم الجهاد في عام1993, فأوغل في تكفير الآخرين وتشدد في ضوابط تطهير المسلم مما يشوب عقيدته, لكي يصبح مؤهلا للانضمام الي الفرقة الناجية.

اذا حاولنا أن نجيب عن السؤال لماذا كانت المراجعات, فسنجد أن السبب الرئيسي لذلك أن الرجل رأي بأم عينيه أن مشروعه حقق فشلا ذريعا وأنه كلف الأمة ثمنا باهظا من دماء وأرواح أبنائها وعرض مجتمعاتها لويلات وأحزان كانت في غني عنها, وهو ما صدمه وجعله يفتح عينيه علي الدائرة الأوسع, متجاوزا بذلك الفرقة الاستثنائية التي تقوقع في داخلها, وحين خرج من النصوص الي الواقع, ومن ضيق الفرقة الي سعة الأمة, فإنه رأي المشهد من زاوية مغايرة تماما, وكانت النتيجة أنه قرأ النصوص التي انطلق منها من منظور مغاير رأي فيه الواقع بمتغيراته والتكاليف بأولوياتها وموازناتها, والمدارس الفكرية بثرائها وتعدد اجتهاداتها, وهو ما أوصله الي مشارف فقه الأمة, الذي بدا فيه فقه الفرقة مجرد نقطة في بحر كبير بلا شطآن.

(4) هذا التحليل يستدعي بقوة سؤالا لم نطرحه علي أنفسنا هو: لماذا استسلم قادة الجماعات الجهادية لتعاليم الفكر السلفي وفكرة الفرقة الناجية طوال تلك السنين, ولم يكتشفوا فقه الأمة إلا متأخرا جدا؟

في تتبعي لمسار قادة التيار الجهادي, لاحظت عدة أمور أحسب أنها تساعدنا علي الإجابة عن السؤال, منها مثلا أن هذه المجموعات بدأت تتوالد في أواخر الستينيات, عقب الصدام الثاني بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين, الذي ترتب عليه اعتقال عدد كبير منهم, الأمر الذي أخلي الساحة من أي وعاء يمكن أن يستوعب الشباب المتدين, الذي اتسعت دوائره في المناخ الذي أعقب هزيمة67, وكانت تلك هي الأجواء التي تمدد فيها الفكر السلفي في أنحاء مصر ليملأ الفراغ المخيم علي ساحتها, ملبيا أشواق أجيال من الشباب المتدين التي كانت تبحث عمن يأخذ بيدها.

لاحظت أيضا أن أغلب مؤسسي المجموعات الجهادية والجماعة الإسلامية كانوا من النابهين في الكليات العملية( عدد غير قليل منهم كانوا من صعيد مصر الذي يعد أحد منابع الغلو), فسيد إمام صاحب المراجعات وأيمن الظواهري وناجح إبراهيم تخرجوا في كلية الطب, وعبدالسلام فرج كان مهندسا وكذلك صفوت عبدالغني, وأسامة رشدي تخرج في الصيدلة, وشكري مصطفي تخرج في الزراعة, وكرم زهدي درس التعاون الزراعي وعصام القمري كان ضابطا, وكذلك عبود الزمر.. وهكذا, هؤلاء جميعا اتصلوا بالعلوم الشرعية إما في أثناء دراستهم في الجامعات أو بعد تخرجهم, ولأنه لم يتوافر لهم نصيب من الثقافة الإسلامية الوسطية, التي صاغها فقه الأمة, ولأن الفكر السلفي المعني بشئون العقيدة وسلوك الناس والمتشدد في التعلق بالنصوص, هو الذي توافر لهم في الساحة التي غابت عنها أوعية مدارس الوسطية, فقد كان طبيعيا أن ينجذب أمثالهم من الشباب الي ذلك الفكر ويوغلوا فيه, الي الحد الذي أوصلهم الي ما وصلوا إليه.

هذا التحليل اذا صح, فإنه يقودنا الي خلاصة مهمة تتمثل في أننا حين لم نوفر للشباب سبل تحصيل حد معقول من الثقافة الإسلامية, فإننا دفعناهم دفعا الي الارتماء في أحضان الفكر السلفي, كما أنه ينبهنا الي فشل, بل خطورة, فكرة تجفيف الينابيع التي تبنتها بعض الأطراف المشتبكة مع التيار الإسلامي, حيث أثبتت التجربة التي نحن بصددها أن ذلك التجفيف من أهم العوامل التي تشجع علي التطرف والإرهاب, في حين أن التدين الرشيد هو الذي يقوي مناعة الشباب ويحصنهم ضدهما.

ثمة خلاصة أخري يتعين الانتباه إليها, وهي أن هذا الجيل من الشباب العربي الذي كان يحلم بالمجتمع المثالي, واندفع في طريق العنف ليحقق التغير الذي ينشده, حين يكتشف خطأ الطريق الذي تنكبه, فإننا ينبغي ألا نكتفي بذلك, وانما يجب أن نوفر له طريقا بديلا يعطيه أملا في إمكان إحداث التغير المرجو بالطرق السلمية, لأن تيسير الحلال هو أنجع الأساليب لقطع دابر الحرام.

 

هزمنا في أنابوليس بوثيقة قاصمة

فهمي هويدي

لم يخيب مؤتمر أنابوليس رجاء الذين أساءوا الظن به ورفضوا المراهنة عليه‏,‏ لأن حصيلته جاءت كارثية بالنسبة للفلسطينيين‏,‏ ومهينة للعرب أجمعين‏.‏

‏(1)‏

خلال الأسابيع التي سبقت المؤتمر ظل رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس يشدد علي أنه لن يذهب إلي أنابوليس قبل إعلان أولمرت تجميد الاستيطان ووقف البناء في جدار الفصل العنصري ورفع الحواجز العسكرية في أرجاء الضفة‏,‏ وقال في أكثر من مناسبة وتصريح‏:‏ إن مشاركته في المؤتمر مشروطة أيضا بالتوصل إلي وثيقة مبادئ تحدد مسبقا مصير القضايا الأساسية في الصراع‏:‏ القدس‏,‏ واللاجئون‏,‏ والحدود‏,‏ والمستوطنات‏,‏ والأمن‏.‏

هذه المشاركة المشروطة كان لها صداها في أكثر من بلد عربي‏,‏ فقد قرأنا تصريحات قوية صدرت من أكثر من عاصمة تحدثت عن ضرورة الانطلاق في المؤتمر من مرجعيات واضحة ترتكز علي قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة‏,‏ وقرار مجلس الأمن رقم‏242,‏ بحيث يظل الأساس هو العودة إلي حدود عام‏1967,‏ وتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم‏194‏ الخاص بعودة اللاجئين‏,‏ ومبادرة السلام العربية التي تحدثت عن الأرض مقابل السلام‏,‏ ونبهت تلك التصريحات المعلنة إلي أن خريطة الطريق التي أطلقتها الإدارة الأمريكية ينبغي أن تظل مجرد الية للتنفيذ وليست مرجعية‏.‏ كما أفاضت في الحديث عن الاستحقاقات التي ينبغي أن تفي بها إسرائيل قبل الذهاب إلي المؤتمر‏,‏ وفي مقدمتها وقف بناء المستوطنات‏,‏ وإلغاء أو الحد من نقاط التفتيش التي تعوق حركة الفلسطينيين بالضفة‏..‏ إلخ‏.‏

ومن بين ما أعلنته دمشق أن مشاركتها معلقة علي إدراج موضوع احتلال هضبة الجولان علي جدول أعماله‏,‏ وأعلن رسميا في أثناء اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة‏,‏ أن دمشق تلقت وعدا بالاستجابة لمطلبها‏.‏

في هذه الأجواء المسكونة بالتشدد في المواقف والمطالب‏,‏ تحدث أبومازن مرارا عن أن المؤتمر فرصة لن تتكرر لإحلال السلام في الشرق الأوسط‏,‏ وسار في الركب نفر من الكتاب الذين ما برحوا يبشروننا بفجر السلام الذي لاح‏,‏ وأمله الذي حل بعد طول انتظار‏,‏ وإرهاصات اليسر التي تجلت بعد سنوات الإحباط والعسر‏,‏ بعد ذلك التصعيد في الاشتراطات والتعبئة الإعلامية المتفائلة‏..‏ ما الذي حدث؟

(2)‏

حدث الكثير في أثناء المؤتمر وبعده‏,‏ من ذلك مثلا‏:‏

ـ أن كل ما أعلن من شروط‏,‏ سواء من جانب العرب تم تجاهلها‏,‏ وذهب الجميع دون أن يلبي أي شرط منها‏,‏ أو أبو مازن الذي قال إنه لن يذهب ولن يوقع إلا إذا حدث كذا وكذا‏,‏ ذهب راضيا‏,‏ ووقع مرغما‏,‏ حتي إن صحيفة هاآرتس ذكرت في عدد‏11/28‏ أن الرجل حين تردد في التوقيع علي وثيقة التفاهم بعدما اكتشف أنها تجاهلت مطالبه‏,‏ فإن وزيرة الخارجية الأمريكية وبخته قائلة‏:‏ اقلعوا عن هذه الألاعيب والمناورات ويجب أن نتفق الآن‏,‏ فوقع صاغرا‏,‏ حسب ماذكرته صحيفة هآرتس

ـ حين أعلنت وثيقة التفاهم فإنها لم تستجب لأي مطلب فلسطيني أو عربي‏,‏ وكل ما قالته إن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وافقا علي البدء فورا في مفاوضات ثنائية‏(‏ لا دخل للعرب بها‏,‏ وليسوا طرفا فيها‏)‏ لحل جميع القضايا العالقة‏,‏ وستشكل منهما لجنة متابعة لهذا الغرض‏,‏ من مهامها تنفيذ الواجبات التي تمليها خريطة الطريق‏,‏ كما ستشكل هيئة أمريكية ـ فلسطينية ـ إسرائيلية للتثبت من الالتزام بالخريطة المذكورة‏,‏ بالتالي فإن الوثيقة لم تضف جديدا حين تحدثت عن إطلاق مفاوضات حاصلة بالفعل‏(‏ أبو مازن وأولمرت اجتمعا تسع مرات‏,‏ ويلتقيان بصورة منتظمة كل أسبوعين‏),‏ كما أنها لم تشر إلي أية مرجعية للمفاوضات سوي خريطة الطريق‏,‏ التي ذكرت ست مرات في النص المعلن‏,‏ ومن ثم تم تجاهل مبادرة السلام العربية التي كانت الدول العربية قد أعلنت أن الالتزام بمرجعيتها شرط لمشاركتها في المؤتمر‏,‏ وهي صفعة للعرب تلقاها الجميع في صمت‏.‏

ـ برغم الاعتراض الفلسطيني علي وصف إسرائيل بأنها دولة يهودية‏,‏ وهو ما تم تجنبه في وثيقة التفاهم‏,‏ فإن كلا من الرئيس بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تحدثا في خطابيهما صراحة عن يهودية الدولة‏,‏ الأمر الذي يفتح الباب علي مصراعيه لنفي وطرد العرب الموجودين في إسرائيل‏,‏ في حين يغلقه تماما في وجه اللاجئين الفلسطينيين‏.‏

ـ في‏11/28‏ اعتبرت القناة الثانية في التليفزيون الإسرائيلي أن أولمرت حقق إنجازا كبيرا في المؤتمر‏,‏ وأن الوثيقة التي أعلنها الرئيس بوش جاءت ملبية لمطالب الجناح اليميني المتطرف في الحكومة الإسرائيلية‏,‏ حيث لم تكن سوي إعلان نوايا فضفاض لا يلزم إسرائيل بشيء‏.‏

ـ لم يكد أولمرت يصل إلي إسرائيل بعد المؤتمر حتي أعلن عن ثلاثة لاءات اعتبرتها الأهرام تهديدا بنسف الوثيقة التي لم يكن قد جف مدادها بعد‏,‏ حيث صرح لوسائل الإعلام بأنه لا مجال للتفاوض حول القدس‏,‏ وليس هناك التزام بموعد نهائي للمفاوضات‏,‏ ولن يكون هناك اتفاق قبل القضاء علي كل أثر للمقاومة التي وصفها بأنها ضمن خلايا الإرهاب‏.‏

ـ موضوع الجولان تم نسيانه‏,‏ ولم يعد إلي ذكره أحد‏,‏ مما يعني أن الوعد بإدراجه لم يكن التزاما بقدر ما كان جزرة أريد بها جذب سوريا لحضور المؤتمر لتوفير الإجماع العربي‏.‏

‏(3)‏

بعدما أطيح بالمبادرة العربية‏,‏ وتحول العرب إلي كومبارس في خلفية الصورة التي احتل أولمرت صدارتها متكئا علي بوش‏,‏ في حين سار وراءهما أبو مازن‏,‏ فإن الفلسطينيين خرجوا مكبلين بكارثتين من العيار الثقيل هما‏:‏

‏*‏ الإقرار في وثيقة التفاهم بمرجعية خريطة الطريق دون غيرها‏,‏ ومن ثم إسقاط المرجعيات الأخري بما في ذلك قرارات الأمم المتحدة‏,‏ الأمر الذي ارتهن القضية كلها بالإرادة الأمريكية‏,‏ ولا تنس أن الحكم في أي خلاف فلسطيني ـ إسرائيلي صار أمريكيا أيضا‏,‏ وله خلفية تنسيق مع الإسرائيليين‏,‏ وللعلم فإن الخريطة تتضمن ثلاث مراحل‏,‏ وإسرائيل معنية بالمرحلة الأولي دون غيرها‏,‏ التي تقضي بوقف العنف والتحريض عليه‏,‏ مع عودة التنسيق الأمني بين الطرفين‏,‏ وهو ما يعني إنهاء المقاومة وقمع معارضي الاستسلام لإسرائيل‏,‏ وملاحقة الجميع من خلال التنسيق الأمني‏.‏

في هذه الحالة فإن السلطة الفلسطينية تصبح ملزمة بإعلان حرب مفتوحة علي فصائل المقاومة بالتعاون مع الإسرائيليين من خلال التنسيق الأمني معهم‏,‏ وهو المشهد العبثي وغير المعقول الحاصل الآن في الضفة الغربية‏,‏ وقد بدأت أولي حلقاته في نابلس‏,‏ حيث قامت الأجهزة الأمنية الفلسطينية‏,‏ بالتعاون مع الأجهزة الإسرائيلية بملاحقة عناصر المقاومة وتجريدها من سلاحها‏,‏ قبل الذهاب إلي أنابوليس تأكيدا لالتزام السلطة بخريطة الطريق‏,‏ ولم يقف الأمر عند ذلك الحد‏,‏ لأن القيادة الإسرائيلية قامت بتزويد السلطة ببعض الدبابات الروسية والبنادق والذخيرة لتعزيز قدرتها وإنجاح مهمة التحرير الجديدة التي بدأت في النهوض بها‏!!‏

هذا التحول المثير دفع بعض الباحثين إلي المقارنة بين ممارسات الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ظل حكومة سلام فياض‏,‏ وبين جيش لبنان الجنوبي الذي قاده انطوان لحد‏,‏ وأنشأته إسرائيل لتعزيز مصالحها الأمنية في لبنان‏,‏ وقد أشار إلي هذه المقارنة الدكتور غسان الخطيب الذي تولي عدة مناصب وزارية في حكومات أبو مازن‏,‏ في مذكرة أعدها بالتعان مع بعض الباحثين الإسرائيليين‏,‏ ومن هؤلاء العقيد المتقاعد داني رشيف الذي كان من بين الذين أشرفوا علي تشكيل جيش لبنان الجنوبي‏,‏ وفي سياق حديثيه علي المقابلة بين الحالتين اللبنانية والفلسطينية قال إن القوتين العسكريتين دربتا وجهزتا من جانب قوات أجنبية لمواجهة أجنحة في مجتمعها‏,‏ وليس لمواجهة عدو خارجي‏,‏ وهو ما يهدد شرعية أجهزة الأمن الفلسطينية لأن المجتمع سينظر إليها باعتبارها تخدم العدو الأول للفلسطينيين‏.‏

*‏ الكارثة الثانية تمثلت في تبني الوثيقة لما سمي برؤية بوش‏,‏ التي أطلقها في عام‏2002‏ ودعا فيها إلي إقامة دولتين إحداهما إسرائيلية‏(‏ خالصة لليهود‏),‏ وأخري عربية لتستوعب الفلسطينيين ومصممة بحيث تتوافق مع المصالح الإسرائيلية‏,‏ وهو ما أعلن عنه صراحة شمعون بيريز‏,‏ ورددته وزيرة الخارجية تسيبي ليفني في مؤتمر الدول المانحة الذي عقد في نيويورك خلال سبتمبر الماضي‏.‏

من ثم فهذه الدولة لا علاقة لها بالحلم الفلسطيني‏,‏ لأنه أريد لها أن تكون حارسة للحلم الإسرائيلي‏,‏ إذ هي حسب رؤية بوش ليست مستقلة ذات سيادة‏,‏ لكنها كيان هلامي حدوده مؤقتة‏,‏ منقوص السيادة ومنزوع السلاح‏,‏ بل إنها ليست علي الأرض المحتلة عام‏1967,‏ التي يؤيد الأمريكيون الموقف الإسرائيلي الرافض للعودة إلي ما وراء حدودها‏.‏

ومن أسف أن أبومازن تحدث أكثر من مرة عن أنه يريد أن يستعيد من إسرائيل مساحة الضفة وغزة المقدرة بـ‏6205‏ كيلومترات مربعة‏,‏ ولم يربط ذلك بحدود‏4‏ يونيو‏67,‏ وألمح هو وبعض أركان السلطة إلي القبول بمبدأ تبادل الأراضي الذي يعني الإبقاء علي المستوطنات في الضفة‏(150‏ مستوطنة يسكنها نصف مليون شخص بالإضافة إلي‏200‏ بؤرة استيطانية‏),‏ مقابل إعطاء الفلسطينيين مساحة مماثلة في أي مكان آخر في صحراء النقب مثلا‏.‏