|
الحكومة
الاسرائيلية وجهاز الأمن تجاهلوا التحذيرات منذ حوالي
30 عاما من حماس وأصروا علي رعاية احمد ياسين بديلا عن
منظمة التحرير الفلسطينية
السلطات اعتقدتها لعبة ولم تدرك ثقل وزن الاسلام بين
المسلمين
الموغ بوكِر
قرر أفنير كوهين عدم
المشاركة في الحفل الذي منح فيه قائد مدينة غزة رخصة
اقامة المجمع الاسلامي. آنذاك في 1979، أدرك قائد مقر
شؤون الأديان أن اسرائيل تُنمي غولا لن تستطيع السيطرة
عليه.
لكن الجميع اعتقدوا
اعتقادا مختلفا، وحصلت الحركة الجديدة علي ختم الحل
الرسمي. كان الشخص الذي أقامها ما يزال مجهولا، سموه
أحمد ياسين. اليوم، في بيته في القرية الزراعية
تكوماه، يراقب كوهين قطاع غزة الموجود علي بعد عشرة
كيلومترات ويسأل نفسه هل كان يستطيع فعل شيء أكثر
للتحذير من اقامة المنظمة التي أصبحت حركة حماس. وقد
فعل غير قليل. الرجل الذي عمل في الواقع وزيرا للأديان
في قطاع غزة بين السنين 1974 ـ 1994 تنبأ تنبؤاً دقيقا
بما يحدث اليوم في القطاع وحذّر من ذلك في رسائل
أرسلها الي كل الجهات ذات الصلة.
في وثيقة نقلها كوهين
الي رئيس الشاباك ، والي المستشار القانوني للحكومة،
والي رئيس الادارة المدنية في الثاني عشر من حزيران
(يونيو) 1984، جاء ما يلي: يتخذ نشطاء المجمع اسلوبا
خمينيا عنيفا. فهم يستعملون وسائل مضايقة وتخويف، مع
إظهار صيتهم بين السكان المحليين، في حين يملكون
ميزانيات غير محدودة. إن استمرارنا في غض الطرف عنهم
أو توجهنا المتسامح من المجمع قد يكون في غير مصلحتنا
في المستقبل. يجب العمل علي إبعاد هذا المارد قبل أن
يصفعنا الواقع علي وجوهنا . لكن لم يُصغ اليه أحد. قلت
ما عندي، لكن الجميع كانوا ساذجين وحسبوا انهم سينجحون
بتقوية ياسين في احباط قوة م.ت.ف . بدأت القصة قبل ذلك
بكثير. فقد وافقت الحكومة كجزء من اتفاق كامب ديفيد
علي منح سكان المناطق حكما ذاتيا اداريا. في الحال بعد
ذلك بحثت الحكومة بكل جهد عن شريك يتبني فكرة الحكم
الذاتي، لكن م.ت.ف، برئاسة ياسر عرفات، رفضت الفكرة
آلبتة زاعمة أنها إهانة للذكاء الفلسطيني . وهنا دخل
الصورة الشيخ احمد ياسين ( انه شيخ كما أنا كاهن ،
يقول كوهين وبسمة كبيرة علي وجهه). ظهر ياسين أمام
الادارة العسكرية وأبلغ بأنه مستعد ليكون شريكا وأن
يتبني فكرة الحكم الذاتي .
علي حسب ما يقول
كوهين، تحمس وزير الدفاع آنذاك عيزر وايزمن للشريك
الجديد وفعل كل شيء لتنفيذ الاجراء. كان لياسين طلب
واحد فقط: تمكين الرابطة التي أقامها، المجمع
الاسلامي، من أن تُسجَّل كجمعية عثمانية. أدرك كوهين،
الذي بواسطته سيطرت الدولة علي المؤسسة الدينية في
القطاع، أدرك سريعا جدا الي أين تهب الريح: قرأت دستور
الرابطة وكان الأمر في ظاهره يبدو مثل تحقق الحلم
الصهيوني. لكن بين السطور، وعلي حسب سلوك اعضاء
الرابطة في الميدان، أدركت أن هذه أزمة كبيرة .
نقل معارضته الصارمة
الي السلطات خطيا: المجمع الاسلامي منظمة عليا سياسية
تستعمل الخلايا علي هيئة جمعيات. انه يستغل كل اجراء
قانوني وديمقراطي ويلف نشاطه في غطاء ديني ـ اسلامي.
يعمل المجمع عملا منهجيا ومُحكما، ويكفي أن نري
انتشاره الجغرافي وقوته في الاوساط المختلفة، وبخاصة
في الجامعة الاسلامية .
أرفق كوهين بالرسالة
ايضا الرأي الاستشاري لأفراد المؤسسة الدينية
الاسلامية. فقد كتبوا يقولون هذه الجهة ليس هدفها
دينيا اسلاميا، بل انها تعمل في الكيد للمؤسسة الدينية
بوحي من حركة الاخوان المسلمين، التي ممثلها البارز هو
رئيس الرابطة احمد ياسين. قد تخدمكم الجمعية في الأمد
الحالي، لكن في الأمد البعيد ستندمون لاعطاء رخصتكم
لاستعمالها وستذكرون جيدا انه لن يُجديكم أي ندم .
رغم ذلك، أجازت
الادارة طلب ياسين جعل منظمته مؤسسة. بعد ذلك بثماني
سنين غيّرت المنظمة اسمها الي حماس.
حذر رجال الدين ايضا
كوهين، وهو في
الثالثة والستين، متزوج من سارة وأب لستة اولاد، يصب
لنا قهوة غزية ويُبين كيف أقمنا حماس بأيدينا. هذه
الحركة نتيجة كف الجهاز. أصبح ياسين حبيب السلطة
الاسرائيلية واستغل ذلك للسيطرة علي القطاع وليسلب
المؤسسة الدينية التي تعاونت مع الادارة الاسرائيلية
الشرعية الدينية. الي اليوم لا يدرك اصدقائي، الذين
اعتُبروا أكثر الناس احتراما في غزة، كيف فعلت السلطة
الاسرائيلية ذلك .
لماذا تجاهلت قيادة
السلطة الاسرائيلية رأي رجال المؤسسة الدينية
الاسلامية؟
الجهل ، يُجيب
ويتنهد. لم يفهم أحد أن الديانة الاسلامية كانت وما
تزال الي اليوم المركز العصبي لجهاز السلطة. حسبت
السلطات في اسرائيل الأمر لعبة أولاد. لم تدرك ثقل وزن
الاسلام بين المسلمين .
لم يكتف كوهين برسائل
الي السلطات في اسرائيل ونقل رسالة حادة وواضحة الي
ياسين ايضا. ففي خطبة بالعربية خطبها في تموز (يوليو)
1986 أمام 500 من الجلّة في غزة هدد كوهين المنظمات
المتطرفة: لن تسمح السلطات لأي جهة باستغلال المساجد
لأهداف سلبية مثل تأجيج الغرائز وتدبير المكائد، مع
استعمال الارهاب والعنف. ستكافح الادارة كل كشف عن
التطرف الديني، وأقصد الفصائل المسماة الجماعات
الاسلامية والتي تستعمل الدين كغطاء لنشاط الكيد غير
السليم والمؤلب . بعد الخطبة تلقي كوهين تهديدات علي
حياته لكنه استمر في كفاحه رغم ذلك. المساجد التي
أقامها احمد ياسين مكّنت كما يقول كوهين من نقل اموال
من جهات معادية في خارج البلاد. منذ سيطرة الجيش
الاسرائيلي علي غزة بُني 78 مسجدا، أي سبعة أضعاف
العدد الذي بُني في فترة الحكم المصري ، كتب كوهين
للمسؤولين عنه. ويقول إن فؤاد بن اليعازر الذي كان
آنذاك منسق العمليات في المناطق وهو اليوم وزير البني
التحتية، رأي كثرة المساجد تعبيرا عن حرية العبادة
والدين قلت له إن الانشغال بالله أشد خطرا من الانشغال
بالارهاب. لان الجيش الاسرائيلي والشاباك سيصدانه لكن
ما يحدث في المساجد لن يوقفه أحد . رفض بن اليعازر
الرد علي الاقوال هذا الاسبوع.
في نظرة الي الوراء،
كيف كان يجب علي اسرائيل أن تتصرف؟
قبل كل شيء أن تسمع
لرأي الناس في الميدان. ضلل ياسين المستوي السياسي،
وابتلع المستوي السياسي ذلك ونقل الأمر قُدما الي
المستوي العسكري. كان يجب منع تحوّل المجمع الي جمعية
عثمانية، ومنع تدفق الاموال من الخارج وتعزيز القادة
ذوي التفكير السليم . المذنبون الرئيسون لذلك كما
يزعم، وزراء الدفاع الذين تولوا اعمالهم في السبعينيات
والثمانينيات. لم يرسموا سياسة واحدة وكل واحد منهم
فعل ما شاء من غير أن يُشاور المتخصصين .
احتفظ كوهين بكل
رسالة أرسلها أو تلقاها في اثناء خدمته العسكرية. رغم
غضبي الكبير الذي كان لي علي الجهاز، كانت تلك في
الحصيلة النهائية فترة مثيرة للتحدي جدا. اجل وُجدت
لحظات غير قليلة فكرت فيها بترك الجيش، لكنني لم أُرد
ترك السفينة وهي تشتعل .
في هذه الايام، بين
محاضرة ومحاضرة كخبير بالشرق الاوسط وبحضارة الاسلام
يكتب كوهين كتاب انقلب السحر علي الساحر . لا يوجد
تعريف آخر لما حدث هنا، سوي حقيقة أن حماس ثارت
باسرائيل التي انشأتها ، يقول. لكن ما يُخيفني هو أننا
لم نتعلم الدرس. فتحت أنف حكومة اسرائيل تُقام في هذه
الايام حماس من انتاج محلي في صورة الحركة الاسلامية
برئاسة رائد صلاح. منذ أُقيمت هذه الحركة، ضوعف عدد
المساجد في اسرائيل ثلاثة أضعاف، واذا لم نتنبه ونوقف
ذلك فسيتكرر في اسرائيل ما حدث في غزة . إن كوهين،
الذي زار القطاع لآخر مرة قبل نحو ثلاث سنين، ما يزال
الي اليوم في اتصال هاتفي برجال الدين في غزة، في
مكالمات أجراها معهم في الايام الأخيرة حدّثوه عن
اشتياقهم الي الحكم العسكري: يقولون إن ما يجري عليهم
اليوم فظيع ورهيب. لقد أصبحوا يفضلون الاحتلال. فقد
حافظوا علي الأقل علي كرامتهم ورزقوا عائلاتهم. انهم
يتهموننا اتهاما غير مباشر عن الوضع ويسألون: لماذا
أقمتم حماس لنا؟ .
الموغ بوكِر
كاتب في الصحيفة
(معاريف) 22/6/2007
|