|
حاكموا
الجنزوري وعبيد ونظيف بتهمة تهديد الأمن القومي في
سيناء
ا/عادل حمودة
لم يكن من الصعب
اكتشاف هوية الشاب الفلسطيني الذي يقف علي الناحية
الأخري من الحدود المصرية عند منفذ رفح.. إن لحيته تشي
بانتمائه إلي حماس.. ورغم أنه يرتدي الملابس العسكرية
المبرقشة إلا أنه لم يجد سوي «شبشب» من البلاستيك
الرخيص يضعه في قدميه.. لكنه.. مستعد للموت لو طلبوا
منه ذلك.. فقد أقسم علي المصحف أن يسمع ويطيع.. دون
تفكير.
ليس لديه هو وزملاؤه
ما يخسرونه.. لا مأوي يحميهم من برد الصحراء.. ولا
طعام قريب لديهم.. والسلاح الآلي الذي يمسكون به يمكن
أن يرفعوه في وجهنا.. فالجوع كافر.. والعدو خانق..
والرحمة لم تعد عملة دولية قابلة للصرف.
وقد جربنا اجتياحهم
الحدود.. حدود الوطن.. وحدود الله.. فأهل التقوي
والجهاد اشتروا البضائع بعملات مزيفة.. أصابت تجارا
بنوبات قلبية حادة أنهت حياتهم.. ورفعوا الأسلحة
البيضاء علي سائقي التاكسي.. وأشعلوا النار في الأسعار
حتي وصل سعر الحمار إلي خمسة آلاف جنيه.
وقد عادوا جميعا إلي
بيوتهم.. إلا 150 متسللا احتجزهم الأمن في نزل الشباب
بمدينة العريش حتي جري ترحيلهم صباح الأحد الماضي..
وخيم الهدوء من جديد علي حدودنا.. حيث سمعنا ممن
يحمونها أن ما حدث لن يتكرر.. وإن هناك إجراءات متشددة
يتخذونها من أجل ذلك وإن لم يفصحوا عنها.
سألت المحافظ اللواء
أحمد عبد الحميد : هل ستبنون سورا اسمنتيا سميكا علي
طول الحدود بين مصر وغزة ؟.. فأجاب : «نعم».. ثم أضاف
: «لكن السور لن يكفي».. ولم يشأ أن يشرح ما يقصد.
المحافظ رجل هادئ..
كتوم.. صبور.. واقعي.. متسامح.. يقرأ ما ينشر في الصحف
عما يوصف بزراعة سيناء بالبشر حماية للأمن القومي..
ويقول: «كلام جميل».. لكنه.. يحتاج إلي ما هو أكثر من
المانشيتات والتخيلات والنيات.. يحتاج المال والماء.
في صباح اليوم الذي
كنت أتجه فيه إلي منطقة الأزمة في شمال سيناء كانت صحف
القاهرة قد انتهت من تعمير سيناء.. وأجهزت علي
مشاكلها.. وحققت الأمن القومي علي أرضها بتصريحات من
وزراء لم يزرها أغلبهم.. فمادام مطلوبا منهم أن يدخلوا
في الزفة فاليدخلوا.. وليطلقوا التصريحات وكأنها
رصاصات تلعلع في «فرح العمدة».
وقد سألت المحافظ عن
الوزراء الذين زاروا سيناء فلم يذكر سوي وزراء البيئة
والنقل والزراعة.. لكن.. المؤكد أن الحكومة بأكملها لم
تعرف أن هناك مشروعا قوميا لتنمية سيناء أقرته حكومة
عاطف صدقي ودمرته حكومة كمال الجنزوري ونسته حكومتا
عاطف عبيد وأحمد نظيف.. تماما.
في 13 أكتوبر عام
1994 أقر مجلس الوزراء المشروع بتكلفة استثمارية لا
تقل عن 75 مليار جنيه لزيادة السكان هناك بنحو مليوني
نسمة إضافة لسكان سيناء الذين لا يزيد عددهم علي نصف
مليون مواطن.. وخلق 800 ألف فرصة عمل من خلال استصلاح
400 ألف فدان بمياه ترعة السلام التي أوصلت النيل عبر
سحارات تحت القناة إلي سيناء لأول مرة في تاريخها..
وإقامة صناعات ثقيلة وخفيفة.. وبناء مدن جديدة.. لنصل
بسيناء في نهاية عام 2017 إلي بر الأمان.
لكن.. شيئا ما مريب
حدث في حكومة الدكتور كمال الجنزوري جعلها تلقي
مليارات كثيفة من الجنيهات في توشكي قبل أن نستكمل ما
نقوم به في سيناء.. فلا أكلنا حبة قمح واحدة من توشكي
ولا أضفنا مواطنا واحدا إلي سيناء.. فمن الذي جعل
الدولة تعطي ظهرها لسيناء وتسقطها من حساباتها وتتركها
فريسة للغزو والاغتصاب والفراغ والمؤامرات السفلية
التي تسعي إسرائيل من خلالها لتوطين الفلسطينيين في
محور العريش رفح وإعلان دولتهم فيها ؟.
لقد أعيد رسم
استراتيجية تنمية سيناء في عام ألفين لتصبح جزءا من
محافظات القناة بتكلفة استثمارية تقترب من 252 مليار
جنيه منها 69 مليارا لشمال لسيناء و35 مليارا
لجنوبها.. علي أن يتحمل القطاع الخاص ستين في المائة
من هذه التكلفة.
لم يزد مادفعته
الحكومة علي 12 مليار جنيه ولم يتحمس القطاع الخاص
لتنفيذ ما طلب منه.. بل إن ما أنفقته الحكومة مهدد
بالضياع في الرمال لأن المشروعات التي أقيمت لم
تستكمل.. فترعة السلام مثلا لم تصل إلي العريش بعد..
ولم ينفذ سوي مأخذ واحد منها كي يروي أراضي جانبية..
وعلي الورق مخطط 22 مأخذا آخر.. يحتاج كل منها 60 ألف
جنيه.. لو لم تنفذ فستتبخر المياه في الترعة دون
استفادة مثالية منها.. وخط سكك حديد الإسماعيلية رفح
مثلا لم يستكمل فأغلق الخط وصدأت قضبانه.. ولو أعطينا
مثل هذه المشروعات أولوية في الانتهاء منها فسنجد
ثمارا مباشرة تأتي من ورائها.
وقد كان خط التنمية
يمشي من الجنوب.. حيث القنطرة شرق إلي الشمال.. حيث
الحدود.. وبسبب تعثره لم يواصل ما بدأ.. وكأنك يا بو
أزيد ما غزيت.. لكن.. بعد كسر الحدود وتدفق ما يقرب من
نصف مليون فلسطيني علي المنطقة لابد من إعادة النظر في
خط التنمية ليمشي من الشمال إلي الجنوب ليقابل الخط
الآخر القادم من الجنوب إلي الشمال.
إن علي الحدود
الشمالية منطقة شاسعة مستوية تقترب من 400 ألف فدان
تسمي «السر والقوارير» يمكن أن نفكر في سرعة استغلالها
وهي تحتاج إلي مشروعات لتوصيل المياه تتكلف ثلاثة
مليارات جنيه.. وهو مبلغ زهيد إذا ما قورن بالعائد
الأمني والسياسي المتوقع من زراعتها وتعميرها وبناء
قري بشرية عليها.
والمثير للدهشة أن
وزير الزراعة جاء ليتفقد تلك المنطقة كي يخصصها
لاستثمار خاص كما سمعت.. والمستثمر الخاص يمكن أن يكون
شركة مساهمة سرعان ما يطرح أسهمها في البورصة التي
يسيطر الأجانب علي تعاملاتها.. فلا نعرف لمن ستنتهي
ملكية الشركة والأرض المتاخمة لحدودنا الشرقية ؟.
إن القانون يمنع تملك
الأجانب أرضا في سيناء.. وهو قانون لا يجب تعديله أو
تغييره أو الاقتراب منه.. لكنه.. لا يكفي.. والمطلوب
إضافة بنود أخري إليه تحرم بيع أسهم الشركات التي تؤسس
في سيناء للأجانب أيضا.. فالبورصة هي البوابة الخلفية
لتملك الأجانب كل ما يريدون.. في هدوء.
وقد سمعت أن هناك
فلسطينيين اشتروا أراضي بأسماء زوجاتهم وأقاربهم في
رفح والشيخ زويد وطلب المشايخ حصر هذه الأراضي حتي
لايتكرر ما فعله اليهود في فلسطين نفسها.
ويحتج المستثمرون في
سيناء علي عدم تملكهم الأرض التي يقيمون عليها
مشروعاتهم.. فالقانون يمنحهم امتيازا باستغلالها 99
سنة دون الحق في التصرف فيها.. وهو أمر مقبول بشرط
مضاعفة المميزات التي تمنح لهم في مناطق أخري.. كأن
تخصص الأرض بالمرافق مجانا.. كما يمكن دفع مبلغ عن كل
وظيفة يجري خلقها.. يضاف إلي ذلك إعفاء ضريبي طويل
الأجل.. إن سيناء أصعب من الصعيد.. ولو دللنا المستثمر
في الصعيد فإن علينا أن نضعه فوق رءوسنا في سيناء.
والوحيد في سيناء
الذي يستحق لقب مستثمر استراتيجي هو حسن راتب.. لقد
بني قرية سياحية.. ثم مجمع مصانع أسمنت.. ثم جامعة..
باستثمارات تصل إلي أربعة مليارات جنيه.. لكن..
المصانع التي تقف وحيدة في صحراء وسط سيناء الأكثر
فقرا في العالم لم تجد نظرة من الحكومة التي كان عليها
أن تستفيد من الفرصة وتبني بالقرب منها مدينة صغيرة
يسكنها العمال وتكون نواة لتجمع بشري يحقق معادلة
حماية الأرض بالسكان لا بالسلاح.
والطريق إلي سيناء
يمر بالكوبري المعلق علي القناة أو بنفق الشهيد أحمد
حمدي أو علي المعديات القوية التي تحمل السيارات..
لكن.. ذلك كله لا يسمح بالتدفق السهل والانتقال
المريح.. خاصة في ظل تشدد إجراءات الأمن.. وهو ما جعل
محمد فريد خميس رئيس لجنة الصناعة في مجلس الشوري ــ
الذي كان يزرو سيناء هو ولجنته ــ يقول : إن سيناء لن
تعمر كما نريد إلا إذا كان السفر منها وإليها بنفس
البساطة التي يجري بها السفر بين محافظات مصر الآخري.
وربما لهذا السبب
يجري التفكير في وزارتي النقل والتعمير في حفر نفق
جديد تحت القناة يمكن الانتهاء منه في فترة قياسية.
لكن.. رغم أهمية
النفق فإنه لا يجوز التسرع بحفره إلا ضمن الخطة الأكبر
لسيناء.. وهي خطة يجب أن تعود إلي ما كانت عليه من
خلال لجنة وزارية خاصة تضم الوزراء المختصين يشرفون
جماعة علي كل صغيرة وكبيرة.. أو نشكل هيئة لتفيذ
المشروع القومي مثما حدث في السد العالي ومثلما يحدث
في قناة السويس.
علي أن الأهم من ذلك
هو إزالة الجفوة بين الأمن والبدو.. الجفوة التي سببها
الأمن عندما تعامل بغلظة مع البدو بعد العمليات
الإرهابية التي نفذت في طابا وشرم الشيخ ودهب.. وقد
جاء وفد من مشايخ القبائل ليقابل أعضاء مجلس الشوري
وتحدث نيابة عنهم الشيخ خلف المنيعي.. وهو رجل ساحر
الكلمات.. يجعل أكثر الناس مللا يستمع إليه.. ويعرف
كيف يوصل رسالته بأسلوب مناسب.. جذاب.
1-إن السلطة والهيبة
والقوة في القبائل لشيوخها وهم يرثون مكانتهم العالية
لأسباب اجتماعية وعائلية مفهومة.. لكن.. وزارة
الداخلية تجاوزت ذلك وعينت مشايخ من عندها.. فأفقدت
الجميع سطوتهم.
2-إن المشايخ أدري من
غيرهم بخبايا المنطقة وجبالها ودروبها ولو تصرف الأمن
دون معاونتهم بحثا عن هارب أو مطلوب فإنه لن يصل إليه
ولو جند عشرة آلاف فرد لهذه المهمة.
3- إن الأمن يفضل
التعامل مع الجواسيس والمخبرين والخارجين علي القانون
أكثر من تعامله مع الكبار المحترمين.. ولو تعامل مع
الكبار النافذين فإنه سرعان ما يفقد ذووهم الثقة
فيهم.. فلو وعد ضابط بأن يفرج عن الأبرياء المقبوض
عليهم لو أحضرهم المشايخ بأنفسهم للتحقيق معهم فإن مثل
هذا الوعد لا ينفذ.
4-إن قسوة الأمن علي
البدو وصلت في وقت من الأوقات إلي حد أن بعضهم خلعوا
ملابسهم المميزة وارتدوا الجينز والتي شيرت من باب
التمويه.
5- إن غالبيتهم
يفضلون أن يعود ملف التعامل معهم إلي المخابرات
الحربية وإن تحسنت معاملة الأمن لهم مؤخرا.
6-إن الحلول الأمنية
وحدها لا تكفي وعلي قدر قيمة الشخص الذي يتعامل معه
الأمن يأخذ منه.
7-إننا لن نحارب
الفلسطينيين.. فهم غلابة.. لكننا.. لن نتركهم يستولون
علي شبر واحد من أرضنا.. نحن بديل القوات المسلحة علي
هذه الأرض.
الرسالة واضحة علي
لسان الشيخ البدوي الذي يبدو أن المتاعب أصابته بالقرح
فراح يضغط علي بطنه وهو يتكلم.. الرسالة مباشرة أيضا..
نحن البدو في يدنا المفاتيح.. لا نأتي بالشدة.. نأتي
بالمعاملة الإنسانية التي تراعي طبيعة العرف وأخلاق
القبائل.. لا تنتظروا شيئا وطنيا ممن تنتهك آدميته..
احضنوا أهل سيناء نصبح خادمين لمصر.. فالمثل البدوي
يقول : لا ينفع البر يوم الغارة.. أي لا يصلح أن
تعاملني برفق وقت أن تحتاج لمساعدتي.
|