<% Dim fsoObject 'File System Object Dim tsObject 'Text Stream Object Dim filObject 'File Object Dim lngVisitorNumber 'Holds the visitor number Dim intWriteDigitLoopCount 'Loop counter to display the graphical hit count Set fsoObject = Server.CreateObject("Scripting.FileSystemObject") Set filObject = fsoObject.GetFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) Set tsObject = filObject.OpenAsTextStream lngVisitorNumber = CLng(tsObject.ReadAll) lngVisitorNumber = lngVisitorNumber + 1 Set tsObject = fsoObject.CreateTextFile(Server.MapPath("hit_count.txt")) tsObject.Write CStr(lngVisitorNumber) 'Reset server objects Set fsoObject = Nothing Set tsObject = Nothing Set filObject = Nothing For intWriteDigitLoopCount = 1 to Len(lngVisitorNumber) Response.Write("") Next %>
                            ان القدرة على التعبير هى القدرة على الحياة // تصدر عن مؤسسة الانباء العالمية للصحافة والطباعة والنشر والدعاية والاعلان
 

دعوة للأخر
مقالات رئيس التحرير

هؤلاء الأبطال المصريون العظام.. وأبناؤهم الخونة!


عادل حمودة

حاكموا الجنزوري وعبيد ونظيف بتهمة تهديد الأمن القومي في سيناء

ا/عادل حمودة

 لم يكن من الصعب اكتشاف هوية الشاب الفلسطيني الذي يقف علي الناحية الأخري من الحدود المصرية عند منفذ رفح.. إن لحيته تشي بانتمائه إلي حماس.. ورغم أنه يرتدي الملابس العسكرية المبرقشة إلا أنه لم يجد سوي «شبشب» من البلاستيك الرخيص يضعه في قدميه.. لكنه.. مستعد للموت لو طلبوا منه ذلك.. فقد أقسم علي المصحف أن يسمع ويطيع.. دون تفكير.

ليس لديه هو وزملاؤه ما يخسرونه.. لا مأوي يحميهم من برد الصحراء.. ولا طعام قريب لديهم.. والسلاح الآلي الذي يمسكون به يمكن أن يرفعوه في وجهنا.. فالجوع كافر.. والعدو خانق.. والرحمة لم تعد عملة دولية قابلة للصرف.

وقد جربنا اجتياحهم الحدود.. حدود الوطن.. وحدود الله.. فأهل التقوي والجهاد اشتروا البضائع بعملات مزيفة.. أصابت تجارا بنوبات قلبية حادة أنهت حياتهم.. ورفعوا الأسلحة البيضاء علي سائقي التاكسي.. وأشعلوا النار في الأسعار حتي وصل سعر الحمار إلي خمسة آلاف جنيه.

وقد عادوا جميعا إلي بيوتهم.. إلا 150 متسللا احتجزهم الأمن في نزل الشباب بمدينة العريش حتي جري ترحيلهم صباح الأحد الماضي.. وخيم الهدوء من جديد علي حدودنا.. حيث سمعنا ممن يحمونها أن ما حدث لن يتكرر.. وإن هناك إجراءات متشددة يتخذونها من أجل ذلك وإن لم يفصحوا عنها.

سألت المحافظ اللواء أحمد عبد الحميد : هل ستبنون سورا اسمنتيا سميكا علي طول الحدود بين مصر وغزة ؟.. فأجاب : «نعم».. ثم أضاف : «لكن السور لن يكفي».. ولم يشأ أن يشرح ما يقصد.

المحافظ رجل هادئ.. كتوم.. صبور.. واقعي.. متسامح.. يقرأ ما ينشر في الصحف عما يوصف بزراعة سيناء بالبشر حماية للأمن القومي.. ويقول: «كلام جميل».. لكنه.. يحتاج إلي ما هو أكثر من المانشيتات والتخيلات والنيات.. يحتاج المال والماء.

في صباح اليوم الذي كنت أتجه فيه إلي منطقة الأزمة في شمال سيناء كانت صحف القاهرة قد انتهت من تعمير سيناء.. وأجهزت علي مشاكلها.. وحققت الأمن القومي علي أرضها بتصريحات من وزراء لم يزرها أغلبهم.. فمادام مطلوبا منهم أن يدخلوا في الزفة فاليدخلوا.. وليطلقوا التصريحات وكأنها رصاصات تلعلع في «فرح العمدة».

وقد سألت المحافظ عن الوزراء الذين زاروا سيناء فلم يذكر سوي وزراء البيئة والنقل والزراعة.. لكن.. المؤكد أن الحكومة بأكملها لم تعرف أن هناك مشروعا قوميا لتنمية سيناء أقرته حكومة عاطف صدقي ودمرته حكومة كمال الجنزوري ونسته حكومتا عاطف عبيد وأحمد نظيف.. تماما.

في 13 أكتوبر عام 1994 أقر مجلس الوزراء المشروع بتكلفة استثمارية لا تقل عن 75 مليار جنيه لزيادة السكان هناك بنحو مليوني نسمة إضافة لسكان سيناء الذين لا يزيد عددهم علي نصف مليون مواطن.. وخلق 800 ألف فرصة عمل من خلال استصلاح 400 ألف فدان بمياه ترعة السلام التي أوصلت النيل عبر سحارات تحت القناة إلي سيناء لأول مرة في تاريخها.. وإقامة صناعات ثقيلة وخفيفة.. وبناء مدن جديدة.. لنصل بسيناء في نهاية عام 2017 إلي بر الأمان.

لكن.. شيئا ما مريب حدث في حكومة الدكتور كمال الجنزوري جعلها تلقي مليارات كثيفة من الجنيهات في توشكي قبل أن نستكمل ما نقوم به في سيناء.. فلا أكلنا حبة قمح واحدة من توشكي ولا أضفنا مواطنا واحدا إلي سيناء.. فمن الذي جعل الدولة تعطي ظهرها لسيناء وتسقطها من حساباتها وتتركها فريسة للغزو والاغتصاب والفراغ والمؤامرات السفلية التي تسعي إسرائيل من خلالها لتوطين الفلسطينيين في محور العريش رفح وإعلان دولتهم فيها ؟.

لقد أعيد رسم استراتيجية تنمية سيناء في عام ألفين لتصبح جزءا من محافظات القناة بتكلفة استثمارية تقترب من 252 مليار جنيه منها 69 مليارا لشمال لسيناء و35 مليارا لجنوبها.. علي أن يتحمل القطاع الخاص ستين في المائة من هذه التكلفة.

لم يزد مادفعته الحكومة علي 12 مليار جنيه ولم يتحمس القطاع الخاص لتنفيذ ما طلب منه.. بل إن ما أنفقته الحكومة مهدد بالضياع في الرمال لأن المشروعات التي أقيمت لم تستكمل.. فترعة السلام مثلا لم تصل إلي العريش بعد.. ولم ينفذ سوي مأخذ واحد منها كي يروي أراضي جانبية.. وعلي الورق مخطط 22 مأخذا آخر.. يحتاج كل منها 60 ألف جنيه.. لو لم تنفذ فستتبخر المياه في الترعة دون استفادة مثالية منها.. وخط سكك حديد الإسماعيلية رفح مثلا لم يستكمل فأغلق الخط وصدأت قضبانه.. ولو أعطينا مثل هذه المشروعات أولوية في الانتهاء منها فسنجد ثمارا مباشرة تأتي من ورائها.

وقد كان خط التنمية يمشي من الجنوب.. حيث القنطرة شرق إلي الشمال.. حيث الحدود.. وبسبب تعثره لم يواصل ما بدأ.. وكأنك يا بو أزيد ما غزيت.. لكن.. بعد كسر الحدود وتدفق ما يقرب من نصف مليون فلسطيني علي المنطقة لابد من إعادة النظر في خط التنمية ليمشي من الشمال إلي الجنوب ليقابل الخط الآخر القادم من الجنوب إلي الشمال.

إن علي الحدود الشمالية منطقة شاسعة مستوية تقترب من 400 ألف فدان تسمي «السر والقوارير» يمكن أن نفكر في سرعة استغلالها وهي تحتاج إلي مشروعات لتوصيل المياه تتكلف ثلاثة مليارات جنيه.. وهو مبلغ زهيد إذا ما قورن بالعائد الأمني والسياسي المتوقع من زراعتها وتعميرها وبناء قري بشرية عليها.

والمثير للدهشة أن وزير الزراعة جاء ليتفقد تلك المنطقة كي يخصصها لاستثمار خاص كما سمعت.. والمستثمر الخاص يمكن أن يكون شركة مساهمة سرعان ما يطرح أسهمها في البورصة التي يسيطر الأجانب علي تعاملاتها.. فلا نعرف لمن ستنتهي ملكية الشركة والأرض المتاخمة لحدودنا الشرقية ؟.

إن القانون يمنع تملك الأجانب أرضا في سيناء.. وهو قانون لا يجب تعديله أو تغييره أو الاقتراب منه.. لكنه.. لا يكفي.. والمطلوب إضافة بنود أخري إليه تحرم بيع أسهم الشركات التي تؤسس في سيناء للأجانب أيضا.. فالبورصة هي البوابة الخلفية لتملك الأجانب كل ما يريدون.. في هدوء.

وقد سمعت أن هناك فلسطينيين اشتروا أراضي بأسماء زوجاتهم وأقاربهم في رفح والشيخ زويد وطلب المشايخ حصر هذه الأراضي حتي لايتكرر ما فعله اليهود في فلسطين نفسها.

ويحتج المستثمرون في سيناء علي عدم تملكهم الأرض التي يقيمون عليها مشروعاتهم.. فالقانون يمنحهم امتيازا باستغلالها 99 سنة دون الحق في التصرف فيها.. وهو أمر مقبول بشرط مضاعفة المميزات التي تمنح لهم في مناطق أخري.. كأن تخصص الأرض بالمرافق مجانا.. كما يمكن دفع مبلغ عن كل وظيفة يجري خلقها.. يضاف إلي ذلك إعفاء ضريبي طويل الأجل.. إن سيناء أصعب من الصعيد.. ولو دللنا المستثمر في الصعيد فإن علينا أن نضعه فوق رءوسنا في سيناء.

والوحيد في سيناء الذي يستحق لقب مستثمر استراتيجي هو حسن راتب.. لقد بني قرية سياحية.. ثم مجمع مصانع أسمنت.. ثم جامعة.. باستثمارات تصل إلي أربعة مليارات جنيه.. لكن.. المصانع التي تقف وحيدة في صحراء وسط سيناء الأكثر فقرا في العالم لم تجد نظرة من الحكومة التي كان عليها أن تستفيد من الفرصة وتبني بالقرب منها مدينة صغيرة يسكنها العمال وتكون نواة لتجمع بشري يحقق معادلة حماية الأرض بالسكان لا بالسلاح.

والطريق إلي سيناء يمر بالكوبري المعلق علي القناة أو بنفق الشهيد أحمد حمدي أو علي المعديات القوية التي تحمل السيارات.. لكن.. ذلك كله لا يسمح بالتدفق السهل والانتقال المريح.. خاصة في ظل تشدد إجراءات الأمن.. وهو ما جعل محمد فريد خميس رئيس لجنة الصناعة في مجلس الشوري ــ الذي كان يزرو سيناء هو ولجنته ــ يقول : إن سيناء لن تعمر كما نريد إلا إذا كان السفر منها وإليها بنفس البساطة التي يجري بها السفر بين محافظات مصر الآخري.

وربما لهذا السبب يجري التفكير في وزارتي النقل والتعمير في حفر نفق جديد تحت القناة يمكن الانتهاء منه في فترة قياسية.

لكن.. رغم أهمية النفق فإنه لا يجوز التسرع بحفره إلا ضمن الخطة الأكبر لسيناء.. وهي خطة يجب أن تعود إلي ما كانت عليه من خلال لجنة وزارية خاصة تضم الوزراء المختصين يشرفون جماعة علي كل صغيرة وكبيرة.. أو نشكل هيئة لتفيذ المشروع القومي مثما حدث في السد العالي ومثلما يحدث في قناة السويس.

علي أن الأهم من ذلك هو إزالة الجفوة بين الأمن والبدو.. الجفوة التي سببها الأمن عندما تعامل بغلظة مع البدو بعد العمليات الإرهابية التي نفذت في طابا وشرم الشيخ ودهب.. وقد جاء وفد من مشايخ القبائل ليقابل أعضاء مجلس الشوري وتحدث نيابة عنهم الشيخ خلف المنيعي.. وهو رجل ساحر الكلمات.. يجعل أكثر الناس مللا يستمع إليه.. ويعرف كيف يوصل رسالته بأسلوب مناسب.. جذاب.

1-إن السلطة والهيبة والقوة في القبائل لشيوخها وهم يرثون مكانتهم العالية لأسباب اجتماعية وعائلية مفهومة.. لكن.. وزارة الداخلية تجاوزت ذلك وعينت مشايخ من عندها.. فأفقدت الجميع سطوتهم.

2-إن المشايخ أدري من غيرهم بخبايا المنطقة وجبالها ودروبها ولو تصرف الأمن دون معاونتهم بحثا عن هارب أو مطلوب فإنه لن يصل إليه ولو جند عشرة آلاف فرد لهذه المهمة.

3- إن الأمن يفضل التعامل مع الجواسيس والمخبرين والخارجين علي القانون أكثر من تعامله مع الكبار المحترمين.. ولو تعامل مع الكبار النافذين فإنه سرعان ما يفقد ذووهم الثقة فيهم.. فلو وعد ضابط بأن يفرج عن الأبرياء المقبوض عليهم لو أحضرهم المشايخ بأنفسهم للتحقيق معهم فإن مثل هذا الوعد لا ينفذ.

4-إن قسوة الأمن علي البدو وصلت في وقت من الأوقات إلي حد أن بعضهم خلعوا ملابسهم المميزة وارتدوا الجينز والتي شيرت من باب التمويه.

5- إن غالبيتهم يفضلون أن يعود ملف التعامل معهم إلي المخابرات الحربية وإن تحسنت معاملة الأمن لهم مؤخرا.

6-إن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي وعلي قدر قيمة الشخص الذي يتعامل معه الأمن يأخذ منه.

7-إننا لن نحارب الفلسطينيين.. فهم غلابة.. لكننا.. لن نتركهم يستولون علي شبر واحد من أرضنا.. نحن بديل القوات المسلحة علي هذه الأرض.

الرسالة واضحة علي لسان الشيخ البدوي الذي يبدو أن المتاعب أصابته بالقرح فراح يضغط علي بطنه وهو يتكلم.. الرسالة مباشرة أيضا.. نحن البدو في يدنا المفاتيح.. لا نأتي بالشدة.. نأتي بالمعاملة الإنسانية التي تراعي طبيعة العرف وأخلاق القبائل.. لا تنتظروا شيئا وطنيا ممن تنتهك آدميته.. احضنوا أهل سيناء نصبح خادمين لمصر.. فالمثل البدوي يقول : لا ينفع البر يوم الغارة.. أي لا يصلح أن تعاملني برفق وقت أن تحتاج لمساعدتي.

 

اتحــاد الكــرة يتسول علي شــرف مصــر!

ا/عادل حمودة

 راح الكابتن أحمد شوبير يحمسني للخروج من شرنقة الكتابة في السياسة إلي جنة التعبير في الرياضة.. وأصر علي أن أشاهد مباريات مونديال إفريقيا في"قهوة بلدي"علي رصيف بميت عقبة.. ورغم أني نجوت من"خناقة"كادت تودي بحياتي إلا إنني أصبت بنزلة برد شرسة عكرت مزاجي.. وهكذا.. دفعت الثمن.. لكني.. لم أتلق ما تلقاه شوبير وأعضاء اتحاد الكرة ونجوم المنتخب القومي من هدايا وعطايا.. لم أنل من الحب جانبا.

ولم يكن خافيا علي أحد الحرب الباردة بين أحمد شوبير وحسن شحاتة.. وهي حرب اشتعلت بالتصريحات والتعليقات والمانشيتات وعلي الفضائيات.. ووصلت إلي حد أن الانقسام الكروي لم يعد بين الأهلي والزمالك وإنما اصبح بين شوبير وشحاتة.. لكن.. قطبي الحرب سرعان ما اتفقا علي هدنة مؤقتة خلال رحلات جني ثمار البطولة التي وحدت بينهما.. ولو لبعض الوقت.. ولو إلي حين العودة.

والحقيقة أن ما حدث في غانا معجزة بكل المقاييس.. معجزة لم نفز بها في ورقة يانصيب.. ولم تأت إلينا بالدجل والشعوذة وخرافات الزئبق الأحمر الذي يحول التراب إلي ذهب.. وإنما تحققت.. بتخطيط.. وجهد.. وتدريب.. وقتال.. واستشهاد.. وتصويب.. وتفاعل بين المنتخب والجمهور ولو عبر النقل الحي للمباريات ببث الأقمار الصناعية.. إنني علي يقين أن أصواتنا ونحن في مصر وصلت إلي فريقنا القومي وهو يلعب في غانا.. وكانت عنصرا حاسما فيما جري.

وقد وصل شعورنا بالمعجزة إلي حد أننا تمنينا أن يصبح حسن شحاتة رئيسا للحكومة فربما تحققت معجزات أخري أهم.. نهاية البطالة.. هبوط حرارة الأسعار.. سهولة الحصول علي شقة.. تلاشي الفساد.. مثلا.

والمقصود.. أو المطلوب.. أن يفكر أحمد نظيف فيما فعل حسن شحاتة.. أن يقلده فيما فعل.. ويجمع شتات وزرائه.. ويخضعهم لخطة واحدة.. ويحفزهم علي إسعاد المواطنين.. ويحاسبهم علي الهواء مباشرة.

لقد تابعنا أداء الفريق القومي لحظة بلحظة.. مباراة بمباراة.. رمية برمية.. لعبة بلعبة.. تسديدة بتسديدة.. وعرفنا المخطئ من المصيب.. المجتهد من المهمل.. من يستحق التصفيق ومن يستحق الرمي بالبيض الفاسد.. لا شيء خفي.. لا شيء في غرف مغلقة.. المكافأة فورية.. واللعنة فورية.. لا أحد يضللنا ويحاول إقناعنا بما لا نشعر به كما تفعل الحكومة التي لا نعرف ما تفعل ولا لماذا تبقي ومن ثم فإننا نهملها ولا نشجعها.

وليلة الفوز.. لم تنم مصر.. سهرت حتي الصباح.. تدفقت إلي مطار القاهرة كي تكون في شرف استقبال أبنائها.. أبطالها.. لكن.. الحكومة كالعادة أجهضت فرحة الناس.. وحرمتهم من رؤية نجوم المنتخب وهم يتحركون بسيارة مكشوفة.. وحشرتهم في أتوبيس ضيق.. وكأنهم جاءوا بالخزي والعار.. لابالكأس.. فهل خافت الحكومة من شعبيتهم؟.. هل خافت من مقارنة نجاحهم بفشلها.. وشطارتهم بخيبتها؟.

لقد دفعت الحكومة بالكتل البشرية التي كانت في الانتظار إلي استاد القاهرة وأوهمتهم بأن الفريق بأكمله سيأتي إلي هناك.. لكن.. ذلك لم يحدث.. فقد ذهب الفريق إلي استاد بعيد في دولة عربية شقيقة لتحيي جمهوره لا جمهورنا.. فالجمهور البعيد سره باتع.. خاصة أنه يتفرج علي فريقنا القومي بفلوس بلاده.. وبذلك ضربت حكومتنا عصفورين بحجر واحد.. أبعد الفريق الفائز عنها حتي لا نقارنه بها.. ودفعت ثمن فوزه من جيوب غيرها.

لا تريدنا الحكومة أن نري وجوها غير وجوهها.. ولا نشجع أحدا غير رجالها.. ولاندفن كاتبا نحبه ونحترمه ونقدره ــ مثل رجاء النقاش ومجدي مهنا ــ دون أن تصلي عليه.. إنها تحتكر كل شيء.. ولا تتصور أحدا يخرج عن طوعها أو يتصرف بعيدا عنها حتي لو أتي إليها بلبن العصفور.. أو احتفظ لها بكأس الأمم الإفريقية.

بل أكثر من ذلك شحنت الحكومة أبطال مصر ومثلها الأعلي ولو مؤقتا علي طائرة خاصة إلي دول عربية ثرية كي تبدأ جولة التسول المعتادة.. إنها نفس الرحلة الكسولة التي تقوم بها الحكومة أحيانا كي تمد يدها لتلقي حسنة.. أو معونة.. أو سلفة.. فانتقلت تلك العدوي المخزية إلي كل ما في حياتنا.. نتسول لنبني مستوصفا.. لنكفل يتيما.. لنعالج مريضا.. لنطعم جائعا.. ولنعوض قتلي الإهمال في حوادث القطارات والعبارات.

وتحولت المصطلحات السياسية والاقتصادية العامة من كلمات مثل النمو.. والتحديث.. والتغيير.. إلي كلمات مثل التبرع.. والإحسان.. والبر.. بل أكثر من ذلك تحولت مصر بفضل إعلانات التليفزيون البراقة والمكثفة التي تحفزنا لإخراج ما في جيوبنا إلي جمعية خيرية لشعب من المساكين وأبناء السبيل.

ولم ينج الانتصار الكروي الأخير من نفس التشوه.. ونفس العار.. وبدلا من أن نشعر بالزهو والفخر والكرامة شعرنا بالانكسار والعجز والفشل.. فقد تحول نجومنا وأبطالنا إلي فرقة منوعات مسلية.. تتحزم بعلم مصر وترقص.. وتقدم عروضها السخيفة أمام غيرنا.. وتتلقي «النقوط» بكل العملات والعينات.. وتشحت علي الكأس.. وهي تعزف اللحن الشهير والسلام الوطني الجديد:"عشانا عليك يا رب".."ربنا يجعل بلاد المحسنين عمار".. مصرة رغم ذلك علي ترديد"المصريين أهمه".

ونحن نعرف شعور الإخوة العرب الذين سعوا إلي التكريم.. وتحمسوا له.. نعرف أنهم أرادوا اقتسام الفرحة معنا.. والتعبير عن مشاعرهم تجاهنا.. لكن.. المشكلة ليست فيهم.. المشكلة فينا.. في اتحاد الكرة الذي لم يشعر بنا.. ولم يحافظ علي كرامتنا.. وأفسد فرحتنا.. وباع حماسنا وتشجيعنا ومشاعرنا بساعة رولكس.. وحفنة أموال.. وحول النجوم والأبطال والمدربين والمعلقين والجمهور وأعضاء مجلس إدارته إلي أمة من المرتزقة.

كان المشهد مؤلما.. اللاعبون والإداريون يقفون في استاد كبير بعيد.. وسط جمهور عريض.. يحملون صناديق من الكرتون تشبه صناديق الأحذية.. فيها ثمن خيانتهم لعواطف الشعب المصري الذي ليس من حقه أن يسعد بتلك اللحظات التي اشتراها غيره.

وقد تطور أسلوب الاتحاد في الشحاتة.. عندما فزنا بدورة افريقيا الماضية التي كانت في القاهرة، كانت جولة التسول محلية.. والحسنة بالجنيه المصري.. لكن.. عندما فزنا بالدورة الأخيرة التي كانت خارج البلاد أصبحت جولة التسول خارجية.. والحسنة بالعملة الصعبة.

ونحن لسنا ضد التكريم.. لكن.. التكريم له أصول.. ليس من بينها ما حدث.. التكريم من الكرامة.. والكرامة أن نبقي في بيوتنا وبلادنا ووسط أهلنا.. ومن يرد أن يشاركنا فرحنا فليأت إلينا.. أهلا وسهلا.. لقد انتقلت طائرة التكريم المصرية من دولة إلي دولة.. ومن دولارات إلي دينارات.. ومن ساعة رولكس إلي حلة بريستول.. ومن الرقص في استاد مفتوح إلي هز الوسط في بيوت مغلقة.. ثم بعد ذلك نتساءل عن سر تلك الأغنية المجهولة التي تسب المصريين وتصفهم بالشحاتين.. جبتوا لنا الكلام.

ولو كان علي الفلوس نحن مستعدون للتبرع.. جنيه من كل مصري يحل المشكلة.. ويقينا جميعا شر الفضيحة.. إلا إذا خافوا من أن يفرض وزير المالية عليها ضريبة جديدة.. ضريبة الانتصارات الكروية.

ولا تقل إن الفريق القومي العراقي ذهب بنفسه إلي الدول التي كرمته.. فمصر ليست العراق.. هنا دولة وهناك مستعمرة.. هنا استقرار وهناك انفجار.

أعرف أن الكلمات قاسية.. لكن.. الأشد قسوة منها الطعنات الغادرة التي أصابت كل مصري في قلبه.. لا تحاسبونا علي الكلمات التي لا نملك غيرها.. حاسبوا انفسكم علي التصرفات التي لا مبرر لها.

بصراحة خسارة كل مشاعر الود والحب والقلق التي شعرنا بها تجاهكم.. فقد خذلتمونا.. وتلقيتم هدايانا الجميلة بتصرفات مهينة.

 

نوبة جديدة لمني عبد الناصر في خلط الأشخاص

 بقلم: عادل حمودة

حضر العشاء علي التريكي وزير خارجية ليبيا.. محمد عبد الوهاب وزير الصناعة الأسبق وكان وقتها رئيسا للبنك التجاري المصري.. وبوجود محمد حسنين هيكل وعمرو موسي بين المدعوين تحول العشاء إلي مناقشات سياسية شهية.. ربما أكثر متعة من أطباق الطعام التي اختيرت بعناية. ليلتها رأيت لأول مرة أشرف مروان الذي بدا غامضا.. صامتا.. شاحبا.. علي عكس زوجته مني عبد الناصر التي لا تفكر كثيرا قبل أن تندفع في كلامها.. وكأنها عاصفة.. صاخبة.. غير متوقعة.. ما إن صافحتها حتي انفجرت غاضبة بدعوي أنني أهاجم في مقالاتي أباها.. جمال عبد الناصر.. فتدخل محمد حسنين هيكل ليؤكد لها أنها مخطئة.. جانبها الصواب.. والتبس عليها الأمر.. ولم تفرق بين من يحب جمال عبد الناصر ومن يكرهه.. من يناصره ومن يخاصمه.. ومن شدة كسوفها أحنت رأسها.. وانسحبت من أمامنا في صمت.

في سبتمبر الماضي تكلمت مني عبد الناصر إلي صحيفة "الأهرام ويكلي" قائلة إنها لم ترني من قبل.. "لم تقع عيناها عليّ أبداً".. عانت علي ما يبدو من نوبة جديدة من نوبات الالتباس التي تصيبها دون أن تكون هناك فرصة للاعتذار والانسحاب مطأطأة الرأس كما فعلت من قبل.

ولا مانع من قبول هذا الالتباس.. فهي حرة تتذكر من يعجبها.. وتنسي من لا يعجبها.. لكن.. ما لا يمكن قبوله.. ولا التسامح فيه.. هو ما أضافته إلي تلك الصحيفة.. حيث وصفتني بأنني عميل للعدو الإسرائيلي الذي يدفع لي بسخاء كي أقضي علي سمعة زوجها وأخدم أولياء نعمتي.

التباس متهور.. تجاوز حد الخرف.. خلطت فيه مني عبد الناصر بيني وبين زوجها أشرف مروان الذي أعلنت إسرائيل " بالفم المليان " أنه كان عميلا لها.. يقبض 100 ألف استرليني في الساعة.. ونشرت كل صحف الدنيا ذلك مئات المرات.. ولم يرفع قضية واحدة عليها دفاعا عن شرفه الوطني.. ومات والتهمة تلاحقه في قبره.. ولم تهتز شعرة واحدة من رأس زوجته.. بل تصورت علي ما يبدو أن ذلك أمر طبيعي.. فراحت توزعه علي من تشاء.

والحقيقة أنني لم أعرف ما قالته مني عبد الناصر في الأهرام ويكلي إلا في الأسبوع الماضي فقط حين جاءت محررة الفجر الموهوبة حنان شومان بملف قضية رفعها عصام شوقي ضد مني عبد الناصر أمام محكمة جنح مصر الجديدة بسبب ما نسبته إليه في نفس الصحيفة ونفس المقال. وعصام شوقي هو زوج عزة عبد الحافظ (سكرتير أنور السادات) مديرة مكتب أشرف مروان وكاتمة أسراره أكثر من عشرين سنة عملتها معه في القاهرة ولندن.. وكان زوجها شريكا لرئيسها في مصنع كيماويات يقع خارج العاصمة البريطانية.. وكان أيضا واحدا من ثلاثة شهدوا أمام شرطة سكوتلانديارد بأن اشرف مروان ألقي بنفسه من نافذة بيته منتحرا.

كانت تلك الشهادة كفيلة بأن تفقد مني عبد الناصر أعصابها.. وتخرج عن شعورها.. ولا تضبط كلماتها.. فانتحار زوجها يعني أنها وولديها ( جمال وأحمد ) لن يحصلوا علي قيمة بوالص التأمين علي حياة أشرف مروان.. وتصل قيمتها إلي نصف مليار جنيه.. وهو بالقطع مبلغ ضخم يدفع من يفقده إلي السب والقذف والقتل أيضا.

راحت مني عبد الناصر تنسب إلي عصام شوقي أمورا جعلته يلجأ إلي القضاء.. وعندما وصلني ملف القضية وقرأت المقال لأول مرة عرفت أن الكلمات التي أطلقت علي عصام شوقي أصابتني أنا ايضا.

والحقيقة أنني بقدر ما تألمت مما قرأت بقدر ما شعرت بالسخرية منه.. فليس لدي مظاهر القبض بسخاء من العدو الذي ذهب إليه بنفسه أشرف مروان عارضا خدماته عليه.. ليست لدي شقة في لندن.. ولا نادٍ في مونتريال.. ولا حساب في سويسرا.. ولا مجمع سكني في القطامية.. ليست لدي ثروة تقدر بمليارات الجنيهات كالتي كوّنها أشرف مروان من الصفر.. وتركها لزوجته تنعم بها دون أن تستطيع أن تكشف لنا عن مصادرها. وربما نست مني عبد الناصر ــ أو تناست كي تتحمل اتهام زوجها بالعمالة للعدو الصهيوني ــ أنها ذهبت إلي سامي شرف طالبة منه أن يصدر بيانا يعلن فيه أن أباها جمال عبد الناصر كان علي علم بذهاب زوجها أشرف مروان للسفارة الإسرائيلية في لندن كي يبيع لهم أسرار بلاده وعندما رفض سامي شرف خرجت عن حدودها.. لماذا تطلب مني عبد الناصر مثل هذا الطلب إذا لم تكن تشعر بأن زوجها وعائلتها في موقف لا تحسد عليه وأن هناك بطحة في الرأس تحتاج إلي علاج ولو بالوهم؟.

إن موقف سامي شرف كان شديد الاحترام لنفسه.. شديد الوفاء لجمال عبد الناصر.. شديد الحرص علي سمعته.. ربما أكثر من أقرب الناس إلي الزعيم الخالد.. رحمه الله.. بل إن سامي شرف قال لي واشرف مروان علي قيد الحياة: " لو أن جمال عبد الناصر عرف بما فعل أشرف مروان لضربه بالنار".

وربما لم تنتبه مني عبد الناصر في غمرة جمع الثروة الهائلة التي ورثتها إلي أن أشرف مروان لم يشن حربا علي كل من اتهموه بالعمل مع الموساد.. بل علي العكس تودد إليهم.. وسعي لخطب ودهم.. إن علي رأس هؤلاء المؤرخ اليهودي البريطاني أهارون بيرجمان الذي كان أول من كشف عن علاقة أشرف مروان بأجهزة المخابرات الإسرائيلية في كتابه " تاريخ إسرائيل ".. لم يجرؤ أشرف مروان أن يقول عنه كلمة واحدة سيئة.. بل علي العكس كان آخر ما فعل قبل وفاته بساعات أن ترك له أكثر من رسالة صوتية علي جهاز تسجيل المكالمات.. وأذاعها برنامج تليفزيوني يبث علي القناة الإسرائيلية الثانية بعنوان " الحقيقة ".. فهل هناك دليل شخصي علي قوة التهمة التي وجهت إليه أكثر من ذلك؟

ولو جادلت مني عبد الناصر فيما نسب إلي زوجها فما الذي تقوله عما نشر عن ابنها.. صاحب قناة ميلودي التي قيل إنها تمد جسورا من التعاون مع مؤسسات إسرائيلية؟.. هل عرفت ذلك أم ألقت بالتهمة علي من نشرها كما فعلت من قبل؟

وقد حاول ابنها السخرية مني علي قناته التليفزيونية فضحكت علي ما فعل.. وجاءني من بعيد كلام عن أن حياتي مهددة بالتصفية لأنني تجرأت علي أشرف مروان واتهمته بما ليس فيه.. وكأنني اخترعت التهمة ونشرتها رغم انني لم أشرب حتي الثمالة أو شممت جرعات زائدة من الهيروين أو عبرت عن رجولتي بضرب زوجتي حتي ذهبت إلي أقرب مستشفي في مصر الجديدة للعلاج.. إن اتهام أشرف مروان بالتجسس لصالح إسرائيل علي كل لسان.. وفي كل صحيفة.. ولو كان الأمر بيدي لاستخرجت شهادة وطنية لأشرف مروان حتي تستريح عائلته وتهدأ وتتمتع بالثروة التي تركها لها.

ولابد أن أسال مني عبد الناصر عن مصادرها القوية التي كشفت لها علاقتي بالعدو.. كيف عرفت ذلك؟.. هل أخبرها الإسرائيليون بأنفسهم؟.. هل وصلتها رسالة بالشفرة من المخابرات المركزية؟.. من أين لها هذه المعلومات السرية؟.. ولماذا لم تقم بدورها الوطني وتبلغ عني الجهات المسئولة؟.. ألا تعرف أنها في هذه الحالة تكون شريكة حسب قاعدة «علم ولم يبلغ»؟

إن قضية أشرف مروان ليست قضية شخصية بيني وبين عائلته.. إنها قضية حق أمة بأكملها في أن تعرف من ساندها ومن خانها.. خاصة أننا لسنا الطرف الوحيد في القضية.. هناك طرف ثان يعرف الوجه القبيح للحقيقة.. إسرائيل.. وطرف ثالث يعرف ما هو أكثر من الحقيقة.. بريطانيا.. التي مات علي أرضها.. ومهما طال الزمن أو قصر فإن مثل هذه القضايا التي تمس مصائر الشعوب لا تموت.

يا مني.. اشتمي.. اتهمي.. انفجري.. قولي ما يخطر علي بالك.. فهذا لن يغير حقيقة زوجك في شيء.. وليكن هناك من يحرض علي قتلي.. كي أسكت.. فليعلم أنني لن أسكت.. كان غيركم أشطر.

خرائط إسرائيل لتوطين الفلسطينيين في سيناء

ا/عادل حمودة

 لا أقص عليكم حلما.. ولا أعرض عليكم مسلسلا تليفزيونيا.. ولا أدعوكم لمشاهدة فيلم من أفلام الخيال السياسي.. لكني.. أقدم لكم الحقيقة لا علي طبق من فضة وإنما علي طبق من لحم المصريين الحي.

لو كانت سيناء أرضا بلا شعب والفلسطينيون شعباً بلا أرض فلماذا لا نعقد زواجا استراتيجيا بينهما ونزيح عن رءوسنا الصداع؟.

ومصر؟.. ماذا نفعل معها؟.. الإجابة سهلة: نمنح رئيسها جائزة نوبل للسلام ونحسن أوضاع بلاده الاقتصادية التي تهدد نظامه.. الأرض مقابل رغيف العيش.

لا أعاني من هلاوس عقلية.. ولا أدخن البانجو.. ولا أمشي وأنا نائم.. ولا تغريني أحلام اليقظة.. لذلك فإن ما أقوله" حكاية" إسرائيلية - إسرائيلية.. بدأت ترويها في منتدياتها السياسية.. الأكاديمية.. وتروج لها في الإدارة الأمريكية.

نبدأ الحكاية من هرتزليا.. وهرتزليا مدينة شهيرة هناك.. بها مركز للدراسات السياسية الراقية.. لا يهدف إلي الربح.. ولا يتلقي دعما حكوميا.. أسسه عام 1994 بروفيسور أوريئل رايخمان.. ويضم أفضل أساتذة الدراسات العليا الذين يشرفون علي رسائل الماجستير والدكتوراة التي ينفذها 3600 طالب علوم استراتيجية يتولاهم المركز برعايته.

في بداية كل عام يعقد المركز مؤتمرا عاما لمناقشة أهم الأبحاث التي تهم إسرائيل وما حولها.. ويقدمون تصوراتهم في شكل لفائف التوراة داخل علبة مغطاة بالقطيفة لمن يهمه الأمر.

عقد المؤتمر الثامن والأخير لمدة ثلاثة أيام في الفترة ما بين 20 و23 يناير الماضي وتناولت مائدته المستديرة قضية التمزق الشيعي.. لكن.. الأبحاث التي قدمت إليها اهتمت بالعرب في إسرائيل والخدمة في الجيش.. إصلاح التعليم.. اليهودية العلمانية في القرن الجاري.. الجيل الجديد من اليهود في المهجر.

أما البحث الذي يهمنا فهو خيارات تبادل أراضٍ عربية في إطار التسويات السلمية.. لكنه لم يقدم هذا العام وإنما قدم العام الماضي.. قدمه عوزي أراد وراحيل ماكتجر.. ورغم أن البحث ينتهي بجملة تشير إلي أنه يعبر عن رأي صاحبيه فإنه حظي بأكبر مساحة من التعليقات الإيجابية في الصحف العبرية والأوساط الحكومية.

يركز صلب البحث علي سوريا ويري أنها بسبب رغبة الولايات المتحدة وفرنسا في التخلص من نظامها وبسبب الثمن السياسي الذي تدفعه في حلفها مع إيران تحاول البحث عن تسوية شاملة ونهائية مع إسرائيل.. وإسرائيل من مصلحتها التسوية مع سوريا التي سيؤدي السلام معها إلي تحييدها.. وإنهاء دور الوسيط بين إيران وحزب الله في لبنان.. وتجفيف منابع دعم حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني.

في هذا الإطار يقول الباحثون: "إنه من أجل استئناف المفاوضات مع سوريا نظهر بعض البدائل الإقليمية التي يمكن أن تكون متاحة لإسرائيل في المفاوضات وتسهل التوصل إلي حل يرضي الطرفين.. بدائل تتيحها فكرة جديدة هي" تبديل الأراضي المحتلة" كوسيلة لتوسيع مساحة المناورة حتي لا تفشل التسوية".

آلية تبديل الأراضي المحتلة استخدمت من قبل عدة مرات.. فقد جري تبادل محدود في الأراضي بين إسرائيل والأردن قبل توقيع معاهدة الصلح بينهما.. وفي مفاوضات كامب ديفيد التي رعاها بيل كلينتون بين إسرائيل والفلسطينيين عام ألفين طرحت فكرة تبديل الأراضي كوسيلة للتسوية بين الطرفين.. وفي خطاب الرئيس جورج بوش الذي وجهه إلي أرييل شارون في 14 إبريل عام 2005 وافق علي فكرة تبديل الأراضي بسبب وجود مستوطنين إسرائيليين في أراضٍ فلسطينية يصعب علي حد قوله انتزاعهم منها.

وربما كان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر ــ الذي وضع أسس التسويات السياسية في المنطقة بعد حرب 1973 ــ هو أول من تبني سياسة تبديل الأراضي.. وقال في مقال شهير: إنه يعتقد أن فكرة تبديل الأراضي هي فكرة عبقرية خارقة تسهل فك الخيوط المعقدة التي فرضها تقادم المشكلة الفلسطينية.

والفكرة - علي حد قول الباحثين الإسرائيليين - سهلة.. تبديل مناطق مأهولة بمناطق غير مأهولة.. وكأن الخريطة ترسمها التجمعات الاستيطانية اليهودية التي فرضت وجودها علي الأرض ولا يهم أن يعود الفلسطينيون إلي مدنهم وقراهم.. المهم أن يجدوا أرضا «والسلام».. إن الأرض القومية خرافة يجب نسيانها.. ولو آمنت إسرائيل بهذه النظرية فلماذا تتمسك بما يسمي أراضي إسرائيل المقدسة التي تزعم أنها مذكورة في التوراة؟.

لا نتورط في مناقشة الفكرة.. فالأهم أن نكشفها.. خاصة أن إسرائيل لا تكتفي باستخدامها للتسوية مع الفلسطينيين وإنما تطرحها للتسوية مع الدول العربية المجاورة لها.. وقد رسمت خرائط جديدة طبقا لذلك.. وفي هذه الخرائط تحتفظ إسرائيل بمائتين وخمسين كيلومترا من هضبة الجولان (عشرون في المائة من مساحة الهضبة) غرب المنطقة الحدودية مع سوريا مقابل أن يعطي لبنان نفس المساحة لسوريا من أراضي منطقة البقاع القريبة من دمشق علي أن تتنازل إسرائيل للبنان عن منطقة الحرمون المشتركة مع حدودها التي لا تزيد مساحتها علي خمسين كيلومترا مربعا بجانب مزارع شبعا وقرية الغجر وهما تحت السيطرة الإسرائيلية.

أما بالنسبة إلي مصر فإن الخرائط تفضح ما لا ذنب لنا فيه.. أن تتنازل مصر عن منطقة علي محور رفح العريش تلتحم بقطاع غزة وفي المقابل تحصل مصر علي أرض من صحراء النقب في وادي فيران تسمح بالعبور الحر بين مصر والأردن.. وهو ما يعني أن الدولة الفلسطينية ستكون في غزة وبعضا من سيناء وربما أصبحت عاصمتها العريش أو رفح.

ويحاول البحث الإسرائيلي أن يجد في تاريخ صراعات وتسويات الحدود بين الدول المختلفة في المنطقة سوابق تجعل مما يطرحه من تغييرات في خرائط المنطقة أمرا يسهل قبوله وابتلاعه.. فقد تغيرت الحدود بين الأردن والسعودية عام 1965.. وفي عام 1975 وقع العراق وإيران اتفاقية حدود بينهما.. لكن صدام حسين الغاها وأشعل حرب الخليج الأولي.. وفي عام 2004 توصلت الأردن وسوريا لاتفاق ينهي النزاع الذي بدأ بينهما عام 1970 وسلمت سوريا 120 كيلومترا للأردن عند إعادة ترسيم الحدود.. لكن.. ترسيم الحدود يختلف عن تبديل الأرض التي تتحدث عنها إسرائيل.

وما يهمنا في تلك النظرية أن إسرائيل بضغطها الخانق علي سكان غزة دفعتهم إلي الخروج إلي سيناء ليصلوا إلي المنطقة التي حددها البحث وهي محور رفح العريش حيث وجدوا كل ما يحتاجونه من خبز ووقود وكماليات وحرية.. وكأن ما حدث بروفة حية علي واقعية التصور الإسرائيلي الذي يزاوج ما بين شعب مخنوق في مكانه وأرض خالية من البشر. وكالعادة سوف نأخذ الخطة الإسرائيلية باستهانة واستخفاف متصورين أنها خطة خرافية لا تصلح إلا لمسلسلات السهرة حتي نستيقظ ذات يوم نجد أنفسنا فيه مجبرين علي تبادل السفراء بين القاهرة والعريش

 

نبوءة العام الجديد:

  ا/ عـادل حمـودة

في اللحظة التي يولد فيها خيط أبيض من خيط أسود.. ويخرج عام جديد من صلب عام قديم نتصور أن الزمن ينفذ انقلابا علي نفسه.. فيرمي ثيابه البالية ويخرج ثيابه الزاهية.. ويصطاد حيوانات المصائب والمتاعب المفترسة.. ويعلق جلودها بالمسامير علي جدران المتاحف.. ليخرج إلي الدنيا حاملا في يده زهور الحب والحياة والحرية.

لكن.. سرعان ما ندرك أننا نركب نفس الحصان.. ونمشي في نفس الطريق.. ونتعرض لنفس السهام.. ونعاني من نفس الأشخاص.. وأن انقلاب الزمن علي نفسه في منتصف الليلة الأخيرة من كل عام خدعة صنعناها في خيالنا كي نستريح ولو لبعض الوقت من الألم.

ما هو قادم ابن شرعي من رحم ما هو قائم.. ربما يختفي أو يشيخ أو ينتحر أو ينهار أو يستسلم.. لكنه.. لن يتغير.. إلا قليلا.

لنقرأ طالع العام الجديد بخيوط العمر والحظ والمال والسعادة المحفورة في كف العام الجديد.. ولو من باب النزوة.

( 1 ) منذ شكاوي الفلاح الفصيح في عصور ما قبل التاريخ لم يخرج الموظفون إلي الشارع محتجين وغاضبين ومتمردين إلا في هذا الشتاء الذي يعجز الفقراء عن مواجهة برودته القارسة، عندما اعتصم مأمورو الضرائب العقارية بالقرب من مبني رئاسة الوزراء وناموا هم وعائلاتهم علي الرصيف حتي بلوا ريقهم.

سوف تستمر الاعتصامات والمظاهرات التي أصبحت علي ما يبدو الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام المصريين ليخرجوا من هدومهم ويعبروا عن سخطهم ويضغطوا علي الحكومة للحصول علي حقوقهم.. فمن لا يأتي بالمقالات يأتي بالإضرابات.. والحكومة التي لا تقبل بالخوخ تجبر علي شرابه.

لقد قدرت بعض الاحصاءات حالات المواجهة الشعبية للسلطة القائمة في العام الماضي بأكثر من 240 حالة وهو رقم قياسي لم يحدث من قبل وإن كان متوقعا تجاوزه بسهولة ليكون بمعدل حالة كل يوم علي الأقل. ولو كان الحجاج في الأراضي المقدسة قد فقدوا أعصابهم وأضربوا بالقرب من الكعبة ــ متجاوزين كل الاعتبارات الدينية ــ واحتجزوا البعثة الدبلوماسية المصرية هناك فإن لا قوة ستمنع المصريين من استعمال هذا السلاح الذي أخرجوه من صدورهم بعد أن أيقنوا أنه لم يعد لديهم ما يخسرونه.. فلن يتألم الأعور الذي ضربوه علي عينه الضائعة.

( 2 ) وأغلب الظن أن النظام سيستجيب لمطالب الموظفين، فهم في النهاية سنده وقوته مهما كانت الانتقادات البيروقراطية التي توجه إليهم.. إن عددهم مع أصحاب المعاشات وجنود الجيش والشرطة يزيد علي 12 مليون شخص.. فلا يمكن القاء يمين الطلاق عليهم.. فنفقة العدة والمتعة وقيمة مؤخر الصداق أكبر من أن يحتملها النظام.

إن ذلك يضع رئيس الحكومة الدكتور أحمد نظيف في أكبر حرج من نوعه.. فهو لن يتمكن من قفزة الموت في الهواء أمام جمهور سيرك الدعم.. سيدق عنقه.. وينكسر ظهره.. ولن تقوم له قائمة.. ولن يواصل لعبة بيع مصر للشركات المتعددة الجنسيات لينال تصفيق الخواجات والسفارات والقبعات.. سيجد من يقفون له كالعظمة في الزور.. أصحاب البلاد الحقيقيين.. سيقولون له : اذهب إلي الجحيم.

ولن تقدر حكومته علي مواجهة الارتفاع الرهيب المتوقع في أسعار المواد الغذائية المستوردة.. سيحتاج إلي حكومة أخري تسيطر علي الأسواق وتواجه جشع التجار وربما وجد نفسه في النهاية مجبرا علي اللجوء إلي جهاز الخدمة المدنية في القوات المسلحة الأكثر كفاءة واستقامة ليلعب الدور الذي فشل فيه.

وربما استجاب الرئيس لتقارير توضع علي مكتبه ترصد رأي الناس ونبضهم ويعين رئيس حكومة من الجيش.. أو كان ينتمي إليه.. في سنة حرجة لا يقدر عليها سوي شخص يخاف علي النظام أكثر من غيره.. ويعرف أن شهادة " التأمين " الوحيدة لاستمراره هي الانحياز المفقود للأغلبية المحتاجة أما ورقة " اليانصيب " التي تفوز بها الأقلية المحظوظة فهي بمثابة تقرير طبي يؤكد أن المريض لم يعد أمامه كثيرا في غرفة الإنعاش.

ولذلك.. ربما وجد عمر سليمان نفسه رئيسا للحكومة في العام القادم.. فهو الوحيد الذي يعرف كيف يسد الثقوب في المركب التي تسربت المياه إلي سطحها.. هو رجل نحتاجه في ظروف محلية ستزداد سوءا بسبب أسعار عالمية تزداد انفلاتا.

( 3 ) وسيسهل عملية التخلص من أحمد نظيف أنه تعامل بأسلوب لا يخلو من التعالي مع رموز الحزب الوطني ــ ومن بينهم جمال مبارك ــ الذين أتوا به من وزارة الاتصالات إلي رئاسة الحكومة.. ولم يكن نصيب الحرس القديم في الحزب من تعاليه أقل.. فتكاتفوا عليه.

لكن.. ليس أحمد نظيف وحده الذي ستنهار أسهمه.. إن أحمد عز سيسبقه في الخسارة السياسية.. إن أمين تنظيم الحزب الحاكم يسجل الآن الشخصية الأكثر كراهية في مصر.. وجري تحذير جمال مبارك ــ في صور رسمية مباشرة ــ من أنه يخسر كثيرا بسبب وجوده بجواره.. كما أن سخاءه في إنفاق الملايين التي ينفقها علي تعدد الزوجات جعلت الناس تتساءل عن مصدر ثروته التي تقدر بأربعين مليار جنيه؟.. من أين أتت؟.. وكيف تراكمت؟.. وعلي من ينفقها؟.

إن أحمد عز أصبح النموذج الصارخ لزواج السياسة بالتجارة وهو الزواج الذي ينتهي حسب مقولة علماء الاجتماع السياسي من عبد الرحمن بن خلدون إلي أحمد المجدوب بفساد السياسة وبوار التجارة.

ولا يملك أحمد عز مقومات شخصية تجعل منه نموذجا حزبيا مؤثرا في الجماهير.. وكل ما يملكه من أدوات لا يتجاوز دفتر الشيكات.. يدفع لنواب الحزب الوطني في البرلمان.. ويدفع لأمناء الحزب في المحافظات.. ويدفع للزواج من شاهيناز النجار لتترك مقعدها النيابي.. لتخرج من دائرة الضوء إلي ظلام الحريم.. ولو كان ما يدفعه لوجه الله لسكتنا.. لكن.. لوجه النفوذ السياسي الذي يأتي بالدعم المالي والرخاء النسائي.

وقد نجح أحمد عز في أن يستفز عداوة الحرس القديم فبدأت كراهيته من داخل البيت وتسللت إلي خارجه حتي حصدت كل الانتقادات التي توجه للحزب والحكومة والسلطة بأكملها.. فنحن أمام نموذج تكفي دراسته لنعرف كيف يختار النظام رجاله ؟.

افتح قلب صفوت الشريف أو كمال الشاذلي أو زكريا عزمي لتعرف في أي مكان يتربع أحمد عز فيه ؟.

( 4 ) ولو كان العام الماضي قد شهد فضيحة حبس عدد غير مسبوق من رؤساء التحرير والصحفيين فإن الانتقادات المحلية والدولية التي وجهت للنظام بسبب ذلك ستعيد النظر في تلك العقوبة التي فقدت صلاحيتها في الدول الديمقراطية.. ولكن.. ذلك لا يعني سكوت النظام علي ما ينشر في صحف لا يقدر علي إغلاقها.. سيفكر في طريقة أخري يقتل بها دون أن يترك بصماته في موقع الجريمة.

لقد تصور رموز في الحزب الوطني أن تأجير صحف حكومية لشتيمة كل من ينتقدهم يكفي.. لكن.. المشكلة أن تلك الصحف نادرة التوزيع لم تحقق ما يريدون.. فلاهي أوقفت الصحفيين عند حدهم.. ولا هي أسكتت أقلامهم.. بل أكثر من ذلك لم يعرها أحد انتباها.. واتجه الجميع بسهامهم إلي من يقف وراءها ممولا ومشجعا ومحرضا ليكونوا الهدف السمين المناسب.. علي طريقة "العيل قليل الأدب يأتي بالشتيمة لأهله".

والغريب أن هذه الصحافة المسعورة التي تفتحت شهيتها للعض استدارت لتهبش أقرب الناس إليها من رموز الحكم وكأنها تعاني من أزمة في اللحم والعظم رغم أن ما تناله من أموال يكفي لشراء كل ما يخرج من المجزر.

والأكثر غرابة أن الرأي العام ضاعف من احترام كل من تسبه هذه الصحافة المسعورة.. طبقا للقول العربي الشهير : " وإذا أتتك مذمتي من ناقص .. فهي الشهادة لي بأني كامل ".. فلم يكن أمام خصوم حرية الصحافة في النظام سوي البحث عن طريقة جديدة لتصفية الحسابات.. فكانت قضايا "الحسبة السياسية" التي تولاها محامون في الحزب الوطني.. وكانت النتيجة خسارة سياسية رغم ما بدا أنه تحقق من مكاسب جنائية.

لن يكون أمام خصوم حرية الصحافة سوي العودة من جديد إلي أسلوب البلطجة الخفي الذي يتولاه وكلاء محليون مدربون عليه مقابل مكاسب ومناصب يمكن الحصول عليها لتبدو العمليات القذرة المتوقعة وكأنها بعيدة عن الغاضبين من الأقلام الجريئة.. وهو أسلوب قديم.. يشير فيه الناس عن حق أو عن باطل إلي الفاعل الحقيقي.. رموز في السلطة.

إن الحل الوحيد هو الحوار والنقاش والتفاهم وليس الضرب والسب والحبس وتلفيق التهم والجرجرة في أقسام البوليس.. فالبقاء للحرية ولو كانت ضعيفة وحزينة ومكسورة الجناح.. إنها خبرة التاريخ ولو لم نستوعبها إلا بعد فوات الأوان بعد ان تقع الفأس في الرأس.

( 5 ) ولو كانت الشركات المتعددة الجنسيات تلتهم مساحات متتالية من الاقتصاد الوطني فإن ذلك يعني أن الرأسمالية المصرية أصبحت في خطر.. إنها تكوّن الشركات وتسمن المشروعات وتضخم المؤسسات لتأتي شركة أجنبية وتشتريها علي الجاهز بسعر لا يستطيع أحد مقاومة إغرائه.

ولو كان العام الذي يجمع ما تبقي منه ليرحل قد شهد بداية هذه الظاهرة فإن العام الذي يستعد لتسلم المسئولية سيشهد انفجارا مدويا لها.. لقد بدأ الأجانب في شراء شركات الطعام والدواء وسيستمرون في ذلك.. لتكون معدة المصريين تحت رحمتهم.

لقد قرأنا ما هو مكتوب في فنجان 2008 فهل أصبنا أم أخطأنا ؟.. الأيام بيننا. _ الفجر _

 

مني عبد الناصر تحمل الجنسية الكندية ووزارة الخارجية تمنحها جواز سفر دبلوماسياً

ا/ عـادل حمـودة

الحقيقة ليست نارا سماوية.. ولا ذبيحة مقدسة.. ولا لعبة جهنمية.. ولا حكاية خارقة.. الحقيقة صناعة بشرية.. عمل من أعمال أصحابها.. يصنعونه بإرادتهم.. ويخفونه بوسائلهم.. ويخجلون لو كشفنا عوراتهم.

هل تخجل مني جمال عبد الناصر.. ابنة الزعيم الوطني الخالد جمال عبد الناصر لو كشفنا بعضا من أوراقها الشخصية المستورة والمخفية والمسكوت عنها؟.. هل تشعر بالندم مما فعلت لو نشرنا لها مستندات دامغة تخصها غير مشكوك فيها، وتقيم الدنيا ولا تقعدها؟.. هل تعلن توبتها مما ارتكبت وتعود من جديد إلي أفكار وقيم وتاريخ وتصرفات وسلوكيات رجل ولدت علي يديه.. وتربت في أحضانه.. وخرجت عن مساره.. ولم تعد تنسب إليه إلا بشهادة الميلاد.. جمال عبد الناصر.

في مطار القاهرة جمعتني صدفة عابرة بدلوماسي شاب كان في طريقه إلي بلاد بعيدة ليبدأ مشواره العملي في مهنة تفرض علي أصحابها الصمت ولو تعرضوا للتعذيب.. لكنه.. كان لا يزال في منطقة الثرثرة الإنسانية.. فوجدته يقول: لقد تابعت كل ما نشرته عن جريمة اشرف مروان.. أنا مثلك لا أجد مبررا لأن يقتله المصريون.. فقد كان علي وشك أن يصفي حياته الطويلة في الغربة ويعود إلي بلاده.. كما أنني مثلك لا أجد مبررا لأن يقتله الإسرائيليون.. فقد كان عميلا مثاليا بالنسبة إليهم.. فأين يجدون جاسوسا ينتسب إلي عائلة جمال عبد الناصر.. ويحظي بثقة خليفته أنور السادات.. كما نال شهادة إنصاف من حسني مبارك؟!

كان الشاب الذي تخرج في الكلية التي تخرجت فيها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية يتكلم وكأنه لن يتكلم بعد اليوم.. فلم أكن في حاجة لاستفزاز معلوماته.. فوحده قال: إن أشرف مروان تلقي اتصالا من سفارة عربية دعته لاتمام صفقة من صفقات السلاح التي اشتهر بها.. لكنه لم يستجب.. واعتذر بحجة الاعتزال.. وأغلب الظن أن الذين تخلصوا منه هم ينتمون لذلك العالم الخفي للسلاح.

ركبنا نفس الطائرة.. ورغم أن مكاني كان بعيدا عن مكانه فإن الثرثرة التي تصاعدت بيننا قربت المسافات.. خاصة أن الكلام كان قد وصل إلي مني عبد الناصر.. فقد سمعت منه ما أصابني بالذهول.. "هل تعرف أنها تحمل الجنسية الكندية؟ ".. والحقيقة أنني لم اكن أعلم ذلك.. بل وأكثر من هذا لم أتخيله.

كان ما سمعت مثل هجمة مباغتة تشق حفرة كبيرة في سكوني وتاريخي وجريت للإمساك بها قبل أن تفر هاربة مني.

كيف يمكن لابنة رجل مثل جمال عبد الناصر يعتز بوطنيته أن تجد في جنسية أخري مهما كانت دولتها وقوتها ملجأ وسندا؟.. إن هناك مئات من المصريين يحصلون علي جنسية أخري كل يوم.. وربما كل ساعة.. لكننا لا نتحدث عن شخص عادي.. نحن نتحدث عن ابنة جمال عبد الناصر.. فهل يمكن أن يتلقي الطعنات من أقرب الناس إليه؟.

لم أحاول أن أصدق ما سمعت.. فرغم أن الفئران الخبيثة راحت تمرح تحت قدمي فإنني سارعت بتكذيب نفسي.. بنفسي.. لكن.. بقيت بقعة متحركة من الشك لا تتركها دون حسم شخصيتي الصحفية التي علمتني أن أكبر الفضائح وأخطر القضايا تبدأ بزلة لسان أو كلمة شاردة غير مقصودة.

سألت دبلوماسياً كبيراً في سفارة كندا عن صحة الخبر فعاد بعد ثلاث ساعات ومعه صور ضوئية من الوثائق التي تؤكد صحته.

الوثيقة الأولي: صورة ضوئية لبطاقتها الشخصية الكندية وتحمل رقم ( 7328470 ) وتاريخ ميلادها فيها 6 فبراير 1947.. وكانت هناك معلومات أخري.. مثل.. الطول: 165 سنيتمراً.. لون العيون: براون.. وتاريخ إصدار البطاقة عام 2000.. ثم توقيع بخطها تحت صورتها.

الوثيقة الثانية: صورة ضوئية لجواز سفرها الكندي وهو يحمل رقم بي سي 275062.. بنفس تاريخ الميلاد.. وصادر من السفارة الكندية في القاهرة بتاريخ 13 مايو 2005 وصالح لغاية 18 مايو 2010 وتحته ملاحظة أنه لا يصلح للعمل في الماكينات الممغنطة والمشفرة بمعلومات لا تحتاج للدخول عبر منافذ الجوازات الكندية.

مستندات لا يمكن الطعن فيها.. تقول إن مني جمال عبد الناصر لم تعد ابنة أبيها.. بل اصبح من الطبيعي أن تغير اسمها إلي مني أشرف مروان.. فهو الذي غيرها وسلخها عن افكار المتواضع الذي انحاز لشعبه ووطنه وبلاده ولم يكن هناك ما يغريه بالحصول علي جنسية أخري غير الجنسية المصرية ولو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره.

وأغلب الظن أن مني اشرف مروان حصلت علي الجنسية بالتبعية لزوجها الذي لابد أنه نالها مثله مثل غيره من رجال الأعمال الأثرياء باستثمار بعض ثرواتهم هناك.. في كندا.. ويمكن استنتاج أن ولديها جمال وأحمد يحملان نفس الجنسية.. وهما بالمناسبة من أحفاد جمال عبد الناصر أيضا.

لكن.. مع ذلك كله.. فهي وكل من يتبعها أحرار في أن يحصلوا علي الجنسية التي يرونها.. كندية.. سعودية.. إسرائيلية.. هم أحرار فلو كنا نعاتبهم من باب حرصنا علي جمال عبد الناصر فهم لم يحرصوا عليه.. ليس في الجنسية الأجنبية التي حصلوا علي جواز سفرها وإنما فيما هو أسوأ واصعب واخطر.. تجسس زوجها.. صهر الزعيم الوطني العظيم.. لصالح المخابرات الإسرائيلية.. هم أحرار.. يعيشون في القاهرة أو لندن أو تل أبيب.. فقد تجاوزوا فيما قبل كل الحدود فلماذا نحاسبهم علي ما حدث منهم فيما بعد؟.

علي أن ما ليس من حقهم وإنما من حقنا هو أن نحاسب وزارة الخارجية علي أن تستمر في منحها ــ وقد حصلت علي جنسية دولة أجنبية ــ جواز سفر دبلوماسياً وكأنها شخصية رسمية لها كل الحصانة والرصانة والسلامة.

لقد نجحت في الحصول علي صورة ضوئية من جواز السفر الذي استخرجته الخارجية المصرية لها.. ومعلوماته لا تكذب ولكنها تسخر منا.. ومن الذين وافقوا عليه.. " جواز سفر دبلوماسي رقم (00015654 ) باسم السيدة مني جمال عبد الناصر والوظيفة: حرم السيد الدكتور محمد أشرف مروان سفير سابق بوزارة الخارجية.. وتاريخ الميلاد 6 فبراير 1948.

(لاحظ هنا أن تاريخ الميلاد ناقص سنة عن تاريخ الميلاد في الوثائق الكندية وهي غالبا الأدق إذ يصعب علي مني عبد الناصر أن تغير معلومات فيها) أما تاريخ إصدار الجواز فهو 20 فبراير عام 2006 أي أنه صالح للاستعمال حتي الآن.. والدليل علي ذلك ايضا أن تاريخ الانتهاء هو 19 فبراير 2011.. وصدر في القاهرة عن وزارة الخارجية".

إن هذه الوثيقة تفجر أكثر من مفاجأة لم نكن نعرفها ولا نصدقها:

(1) ان أشرف مروان كان يحمل جواز سفر دبلوماسياً بصفته سفيراً سابقاً منذ أن ترك مناصبه الرسمية وتفرغ لأعماله الخاصة وحتي وفاته.

(2) أن اشرف مروان ظل يستعمل جوازه الدبلوماسي في دخول بلاد العالم المختلفة والخروج منها وهو يمارس بيزنس السلاح الذي احترفه بكل ما فيه من مصائب وفضائح ومخاطر.

(3) إن الخارجية المصرية ظلت تجدد له جواز سفره الدبلوماسي وجواز سفر زوجته الدبلوماسي أيضا وهما يحملان جنسية أخري غير جنسية بلادهما.. هي الجنسية الكندية.. فهل كانت الخارجية المصرية تعرف ذلك أم أنها كانت آخر من يعلم؟.. ولو علمت بهذه الحقيقة الصدمة الآن فماذا تفعل؟.

لقد تلقي جمال عبد الناصر ضربات لم تتوقف من الغرباء فكان يلوذ بنفسه إلي أقرب الناس إليه.. لكن.. ماذا يفعل الرجل والضربات المؤلمة والساحقة تأتي الآن من أقرب الناس إليه؟.

 

أحمد نظيف يعترف: الحكومة سبب طوابير العيش!

ا/ عـادل حمـودة

 وقف الدكتور أحمد نظيف في طابور «عيش» أمام فرن بلدي قريب من شقته الصيفية في المعمورة وهو وزير للاتصالات فراح صاحب الفرن يتفحصه طويلا.. ثم قال فرحا: «عرفتك.. أنت الدكتور يوسف بطرس غالي» .

روي رئيس الحكومة حكايته الطريفة في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف الحزبية والمستقلة يوم الاثنين الماضي ليخفف من ثقل ظل المناقشة الساخنة التي جرت حول الدعم.. وما شد انتباهي في الحكاية ليس الخلط في الشبه بينه وبين وزير المالية وإنما أنه وهو وزير احتاج أن يقف في طابور ليشتري خبزا رخيصا مدعما.. فما الذي تغير فيه حتي ينقلب علي الدعم ويسعي للتخلص منه؟.

لكن.. قبل ذلك ما الذي دعاه للقاء كل رؤساء تحرير الصحف المصرية المختلفة علي وجه السرعة في يوم واحد علي مرتين وتحمل صداعهم أكثر من ثمان ساعات متصلة؟.

كان الرئيس في جولته الأوروبية الأخيرة عندما تلقي تقريرا أمنيا رفيع المستوي يحذر بشدة من المساس بالدعم من قريب أو بعيد في وقت حرج لا تطيق فئات مختلفة من الشعب فيه نفسها.. وتبدو مستعدة للوصول بغضبها إلي مدي بعيد.. وسمع في التقرير أصوات مأموري الضرائب العقارية النائمين هم وعائلاتهم علي رصيف مجلس الوزراء.. وتهديدات أساتذة الجامعات بأن يكون احتجاجهم القريب علي بوابة القصر الجمهوري.

لم يتردد الرئيس وهو هناك في أن يصدر تصريحا واضحا وحاسما وصريحا بعدم المساس بأسعار الخبز والطاقة.. علي الأقل بالنسبة لمحدودي الدخل.. ولأن كل فئات الشعب ــ فيما عدا رجال الأعمال والتجار ــ مهما علت تعتبر نفسها محدودة الدخل فإن التصريح طمأن الجميع.. بل زاد الرئيس عليه بتصريح آخر برفع دعم رغيف العيش بأربعة مليارات جنيه علي الأقل ليتجاوز العشرة مليارات جنيه.. وفي الوقت نفسه طلب من رئيس الحكومة أن يلتقي برؤساء تحرير الصحف المختلفة كي يشرح لهم ما قصده من تصريحات فهم منها إصراره علي التخلص من الدعم لتهدأ الأمور.. ولا تفتح السيرة من جديد.. إلا «حين ميسرة».

لقد علمتنا التجارب السابقة أن الحكومة إذا ما وضعت شيئا في رأسها نفذته ولو بعد حين.. في وقت يكون الناس قد يئست فيه من الرفض والاعتراض.. إن ذلك حدث مع بيع شركات القطاع العام.. وبيع البنوك العامة.. وإيقاف التعيينات في الجهاز الإداري.. وفي كل مرة كانت الحكومة تنكر أنها ستفعل كانت تفعل.. وهو ما أفقدها ثقة الناس فيها.. وعندما طرحت الحكومة أمام مؤتمر الحزب الوطني الأخير أنها ستعيد النظر في طبيعة الدعم تحسس الناس بطونهم وعرفوا أنها ستخلو من السلع الضرورية الرخيصة.. فقامت القيامة.

كانت رسالة الدكتور أحمد نظيف إلينا واضحة: أن الدعم باق.. ولابد منه.. ولن يلغي.. بل أن الولايات المتحدة.. أغني دولة في العالم تعرف الدعم وتقدمه لمن يحتاجه.. تدعم العاطلين حتي يعملوا.. تدعم الجائعين حتي يأكلوا.. وتدعم المزارعين حتي لا يخسروا.. فالدعم هناك له عشرات الأشكال.. أما هنا في مصر فليس له سوي شكل واحد.. مستتر.. هو تثبيت سعر السلع الأساسية مثل الخبز والسكر والزيت والبنزين ولبن الأطفال.. وبيعها بأقل من تكلفتها.. وتحمل الفرق وهو في مجمله يزيد علي 64 مليار جنيه سنويا.

وعيب الدعم المستتر هو أنه يفتح الباب أمام عدم توزيعه بعدالة بين من يملك ومن لا يملك.. فالغني صاحب السيارة الفاخرة يشتري البنزين بنفس السعر الذي يشتريه به سائق التاكسي.. والميكروباص.. بل إن نصيب الغني من الدعم أعلي من نصيب الفقير.. فاستهلاكه من الطاقة أكبر.

كما أن الدعم بالصورة التي عليها في مصر يفتح الباب أيضا أمام تسريب بعض منه من خلال وسطاء ينهبونه ولا يوصلونه لأصحابه.. كما هو الحال بالنسبة لرغيف العيش.. فالحكومة تقول إنها تبيع جوال الدقيق المائة كيلو لإنتاج ألف رغيف بــ 16 جنيهاً بينما سعره الحقيقي لا يقل عن 260 جنيهاً والفرق كبير 244 جنيهاً وهو مبلغ يغري أصحاب المخابز بتسريبه وبيعه لمخابز الفينو والبقلاوة والجاتوه.. وتقدر الحكومة نسبة التسريب في الدقيق المدعم بنحو ثلاثين في المائة.. وتشكو أيضا من أن العيش البلدي المخبوز نفسه يباع لمزارع الدواجن.. فهو أرخص من العلف.. فسعر طن العيش يساوي ربع سعر طن العلف.

يقول رئيس الحكومة: إن هناك 17 ألف مخبز تنتج الخبز البلدي المدعم لا يزيد عمل الواحد منها علي ساعتين في اليوم حتي لا يجد صاحبه فرصة لسرقة الدقيق الرخيص إلا في حدود ضيقة جدا وإن ترتب علي ذلك ظهور الطوابير التي يتزاحم فيها الناس كي يلحقوا نصيبهم من الخبز الرخيص قبل نهاية الساعتين.. وهو اعتراف بأن الحكومة هي المسئولة عن ظاهرة الطوابير علي المخابز.. فلو لم يلحق أحد الخبز المدعم خلال الساعتين أجبر علي شراء الخبز غير المدعم رغم أنفه.. وبسعر لا يقدر عليه.. وهو ما يعني أن الحكومة تحرم الخبز المدعم من بعض من يستحقونه.

والمشكلة في الطاقة أكبر.. فالدعم وصل إلي خمسين مليار جنيه.. وتتحرق الحكومة شوقا لزيادة سعر البنزين.. لكن.. زيادة سعر البنزين يرفع سعر المواصلات.. وسعر نقل البضائع.. ومن ثم يرفع سعر البضائع أيضا.. علي أن هناك حلا مؤقتا نقترحه علي الحكومة لنخفف به ما تتحمله ميزانيتها المصابة بأنيميا العجز.. هو زيادة ضريبة علي السيارات الخاصة الكبيرة والفاخرة إلي مبلغ يمكن أن يصل إلي عشرين ألف جنيه سنويا.. فلو كان في مصر مائة ألف سيارة من هذا المستوي فإنه يدخل الموازنة العامة نحو 20 مليار جنيه.. وهو ما يساوي أربعين في المائة من الدعم في خبطة واحدة.. والأهم أنه يحقق شعورا مفقودا بالعدالة الاجتماعية لا وجود له.. كما أنها خطوة تبرئ الحكومة من تهمة الانحياز إلي الأغنياء والخوف منهم ومراعاة مصالحهم.. ولو أضفنا إلي ذلك إلغاء الدعم علي الطاقة في مجال الصناعة كثيفة الطاقة مثل الأسمنت والحديد والسماد والسيراميك فإننا لن نكون في حاجة إلي زيادة سعر البنزين.

بل إنني قلت لرئيس الحكومة: إنكم تدعمون الطاقة في البلاد التي تصدرون الغاز الرخيص إليها بربع سعره العالمي.. إسرائيل والأردن وأسبانيا وفرنسا.. مثلا.. وكان رده: "إننا نعيد النظر في تلك الاتفاقيات.. وقد استجاب رئيس وزراء فرنسا لنا".. والبقية تأتي.. أما دعم الطاقة للصناعة فسوف يختفي بكل أشكاله خلال ثلاث سنوات.

ويقول رئيس الحكومة: إنه يريد تغيير الدعم العيني إلي دعم نقدي.. فيوفر تسريب الدعم إلي من لا يستحقه.. ويضيف: إنه سيعطي الدعم النقدي لمن يطلبه.. معتمدا علي مروءة الشعب المصري الذي لن يذهب لصرف مبلغ الدعم وهو لا يحتاجه.. لكني في المقابل قلت له: إن الحياء سيمنع فئات اجتماعية محترمة من طلب الدعم النقدي ولو كانت علي رقبتها.. ولو كانت ستموت من الجوع.. إنها ستشعر بأنها في نصف هدومها وهي تمد يدها لتقبض هذه الإعانة.

ولو كان رئيس الحكومة يراهن علي مروءة الشعب المصري وخجله من قبض الدعم النقدي فلماذا لا يراهن علي مروءة المليارديرات الذين تحولوا إلي ديناصورات شرسة بفضل سياسة حكومته المتساهلة معهم ومع فساد أغلبهم؟.

يضاف إلي ذلك أن الدعم النقدي مع الجهل الاجتماعي سيجعل أرباب عائلات فقيرة كثيرة ينفقونه علي المقاهي والغرز والمزاج والزواج من امرأة أخري ليحرموا أطفالهم من الخبز واللبن.. إن الولايات المتحدة نفسها عانت من هذه المشكلة.. فلم تعد تسمح بالدعم النقدي حتي لا ينفق علي الخمر والمخدرات.. وتقدم الدعم في صورة سلع ضرورية.. عينية.. مباشرة.. تصرف بكوبونات.. لتضمن أن يأكل الصغار قبل الكبار.

وقد جربنا فكرة المعاش المبكر.. ولم تتحول المكافآت التي قبضت إلي مشاريع صغيرة كما توقعت الحكومة.. وإنما تحولت إلي حشيش ومعسل ودش يأتي بقنوات مثيرة.. وطارت الأموال بسرعة.. وجلس أصحابها علي الحميد المجيد.

ويعترف رئيس الحكومة بأن هناك فئات أضيرت من التحول إلي الرأسمالية.. فزيادة الدخول لم يصحبها توزيع عادل لها.. فهناك من أصبح مليارديرا في سنوات تعد علي الأصابع.. وهناك من راح يهبط درجات متلاحقة في السلم الاجتماعي حتي وصل إلي القاع.. وغالبية هؤلاء ينتمون للطبقة الوسطي التي فقدت شكلها وكيانها وروحها ودورها.. وهي طبقة تشعر الآن بظلم كبير وعجز أكبر ولم يعد أمامها سوي الخروج إلي الشارع محتجة وغاضبة ورافضة ومتمردة.. فإما أن تحصل علي ما تريد أو تفجر نفسها وهي تحتضن النظام القائم.. لتحطم المعبد بمن فيه ولو دفنت تحت أنقاضه.. فلو لم تكن هناك مساواة في الحياة فلتكن هناك مساواة في الموت.

لذلك أصبحت كل الجماعات المهنية والعمالية جاهزة للخروج.. ولو كان خروجها اليوم متقطعاً.. وفئوياً.. فإنها قد تتوحد معا.. ليكون خروجها سياسياً.. ولو كانت تطالب اليوم بتحسين أحوالها فإنها قد تطالب غدا بتغيير النظام.. ولن تنفع القوة الأمنية في المواجهة.. تجارب سابقة كثيرة تؤكد ذلك.

لقد قرأت في ملفات قضية مظاهرات الطعام يومي 18 و19 يناير 1977 أن ضابط أمن دولة كبيراً طلب من ضابط أمن مركزي دفعته أن يصد المهاجمين والمخربين فقال له: «تفضل سلاحي.. أضرب أنت.. إن المتظاهرين هم أهلي وأهلك.. ومطالبهم هي نفسها مطالبنا».. ويومها خرج وزير الداخلية اللواء سيد فهمي يقول: «لقد حذرنا الحكومة من رفع الأسعار وهي تتحمل تبعات تصرفها» فلم يكن هناك مفر من التضحية به.

في ذلك الوقت وصفت الحكومة المظاهرات بأنها «انتفاضة حرامية» لتجنب نفسها الوصف المؤلم بأنها «انتفاضة شعبية».. ولا تزال الحكومة تبحث عن تفسير يريح ضميرها لغضب الناس منها.. والشماعة الجاهزة هي "الإخوان المسلمين".. هم الذين يدبرون ويحرضون ويدفعون الناس للخروج.. وهو تقدير لقوة الإخوان لا يحلمون به.

لقد قال مأمور ضرائب عقارية غاضب لقناة فضائية: «نعم هناك قوة خفية تحركنا.. زوجتي التي لا تستطيع تدبير معيشتنا بمرتبي البسيط.. ابني الذي يريد دروسا خصوصية لا أستطيع تدبير ثمنها.. وابنتي التي لا تذهب إلي المدرسة خوفا من سخرية زميلاتها من حذائها «المخروم».. وعندما سئل عن دور الإخوان في دفعهم إلي الشارع أجاب ببساطة: «إن نصف مأموري الضرائب العقارية علي الأقل أقباط».

لقد دخلت حكومة الدكتور أحمد نظيف التي تفخر برأسماليتها التاريخ مسجلة أنها أول حكومة يتمرد عليها موظفوها منذ شكاوي الفلاح الفصيح في العصر الفرعوني.. وهو ما يعني أن حديثها عن العدالة الاجتماعية هو حديث لا معني له.. وتراجعها في قضية الدعم تراجع مؤقت.. لن تتردد في أن تعود إليه في أقرب فرصة.. والأيام بيننا.

 

ثـــورة الموظفين فـــي مـــصر!

ا/ عـادل حمـودة

 أكتب لكم عن الحكومة المستريحة في بلادنا.. لم أشأ أن اسميها الحكومة الكسيحة.. أو الحكومة المتقاعدة.. أو الحكومة المصابة بلين العظام.

اخترت الصفة الأقل ظلما لأكتب عن ما أسميه الحكومة المستريحة.. الحكومة التي نشف الزيت في مفاصلها.. وتصلبت عضلات الحركة في قدميها.. إنها الحكومة التي نسيت غريزة المشي.. ودخلت في غيبوبة لا تساعد نفسها في الاستيقاظ منها.

لقد أخرجت موظفي مصالحها وعمال مصانعها والعاملين في مؤسستها ــ وهم سندها وأقرب الناس إليها ــ من هدومهم ومكاتبهم ومصانعهم وشركاتهم وشعورهم.. فنزلوا إلي الشوارع يتظاهرون ضدها.. ويحتجون علي تصرفاتها.. ويعارضون سياساتها.. ويدعون للتخلص منها.

أغلب الظن أنها المرة الأولي في التاريخ التي يتمرد فيها الموظفون علي الحكومة ويهتفون بسقوطها.

لقد اعتاد الموظف المصري علي الاستكانة وقبول كل ما يفرض عليه دون أن يغضب أو يصرخ أو يفتح فمه.. وعادة ما كان يخرج طاقة الغيظ المكتوم في المواطن الذي يشاركه الغلب ويعذبه بطريقته الخاصة الشهيرة.." فوت علينا بكره".. الحكومة تضربه علي ظهره فيضرب المواطن علي بطنه.. الحكومة تكسر نفسه.. فيمسح بكرامة المواطن البلاط.

وكانت فلسفة الموظف المصري الجالس القرفصاء أن الحكومة تعرف مصلحته أكثر منه وأنه لو خرج عن طوعها ستحرمه من جنة الوظيفة.. ونعيم العلاوة.. وثراء الترقية.. لكنه.. اكتشف أن الوقت الذي كانت فيه الحكومة تدافع عن موظفيها انتهي.. بل علي العكس أصبحت الحكومة الآن تحلم بإطلاق رصاصات الرحمة عليهم.. لتتخلص من قرفهم.. فلم يكن أمامهم سوي الاشتباك معها. فلن يحدث لهم شيء أسوأ مما وصلوا إليه.. فقد ضربوا الأعور علي عينه فقال خسرانة خسرانة.

كانت مشاهد التظاهرات التي قام بها موظفو الضرائب العقارية أمام مجلس الوزراء في الأسبوع الماضي مشهدا تاريخيا يمثل انتفاضة مباغتة غير متوقعة لأكثر خلق الله ضعفا في مصر.. وبهذا الانقلاب المذهل يكون كل الفئات قد أعلنوا أن الحكومة القائمة ليست حكومتهم.. وأنها يا ترحل يا تأتي لها مصيبة تشيلها.. وقد أفزعني ما قاله متظاهرو الضرائب العقارية عن حالتهم المالية.. فمرتب المدير العام الذي خدم فيها ربع قرن من الزمان لا يصل إلي ستمائة جنيه.. أي أقل من عشرين جنيها في اليوم.. وهو مبلغ متواضع يضع صاحبه فورا تحت خط الفقر.. وكان أن ظهر الموظفون المحترمون الذين يحتلون هذه الدرجة الوظيفية العليا في صورة متسولين.. متواضعي الثياب.. يغسلونها علي مايبدو ثم ينتظرونها حتي تجف.. فكيف يكون حال الأقل منهم مرتبة وراتبا؟.. إنهم بالفعل.." الموظفون في الأرض".

بعد القضاة والصحفيين وأساتذة الجامعة والعمال جاء الدور علي الموظفين.. شقوا هدومهم.. وكشفوا رءوسهم.. وناموا علي الرصيف.. وتحولوا من فئة مستسلمة إلي جماعة غاضبة.. والحكومة العاجزة عن الحركة نائمة في سبات عميق.. تأكل أرزا مع الملائكة.. متصورة أنها محمية بالقوة الأمنية دون أن تدرك أن هذه القوة نفسها تمردت علي قادتها فيما يعرف بأحداث الأمن المركزي قبل أكثر من عشرين سنة.

لقد تضاعفت حركة الاحتجاجات المضادة للحكومة من داخلها بصورة تقترب من الوباء.. لقد كان عددها ــ حسب رصد الدكتورة هويدا عدلي ــ 100 احتجاج في عام 1998.. زادت إلي 115 احتجاجا عام 2001.. ثم تصاعدت الموجة بشدة منذ عام 2005.. لنرصد في عام 2006«220» إضراباً عاما.. وتضيف الباحثة التي تدرس العلوم السياسية في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا:" إن المجتمع المصري لم يشهد مثل هذه الكثافة الاحتجاجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".. ويبدو أن العام الجاري سيسجل رقما قياسيا.. فقد وقع في شهر إبريل 57 احتجاجا.. ووقع في شهر يوليو 97 احتجاجا.. ووقع في شهر سبتمبر 94 احتجاجا.

معلومات الدكتورة هويدا عدلي يتضمنها بحث عن الاحتجاجات العمالية سيناقش يوم الأحد القادم في جمعية أهلية هي"شركاء التنمية" وتقول فيها إن هذه الاحتجاجات بدأت في المناطق الصناعية المهملة.. مثل كفر الدوار والمحلة الكبري وشبرا الخيمة وحلوان.. ولكن.. شرارة الغضب بدأت منذ عامين بعمال الغزل والنسيج في شركة أسكو للغزل والنسيج بقليوب احتجاجا علي بيع المصنع خوفا علي حقوقهم.. وكانت توقعاتهم صائبة.. فقد انخفض عددهم بعد خصخصة المصنع من 24 ألف عامل إلي 3500 عامل بعد خمس موجات من المعاش المبكر.. وهو ما جعل نفس العدد من العمال في المحلة الكبري يضربون خوفا علي خصخصة مصانعهم بجانب مطالبتهم برفع الأجور وصرف مستحقاتهم المتأخرة وحل اللجنة النقابية.. وقد احتشد الأهالي حول المصنع لحماية العمال المضربين.. وهو ما يعني أن شرارة الثورة يمكن أن تمتد من فئات مضربة إلي فئات مساندة. وواضح أن الخصخصة وعدم ضخ استثمارات جديدة في شركات ومصانع القطاع العام وضعف التنظيم النقابي واستسلامه لسطوة الحكومة وضعف الأجور والخوف من البطالة الجماعية هي أهم أسباب الغضب الساخن الذي يزداد اشتعالا ويمكن عند لحظة ما أن يحرق الحكومة نفسها.. ولو كان التنظيم النقابي قويا لما لجأ العمال والموظفون إلي أخذ حقوقهم بأيديهم.. وأذرعتهم.. لكن.. في مصر 23 نقابة تحت مظلة الاتحاد العام للعمال لا تضم سوي عشرين في المائة من العاملين في القطاع العام وأقل من نصف في المائة في القطاع الخاص.. وتفرض الحكومة هيمنتها علي التنظيم النقابي.. وتكتم أنفاسه.. مما جعله" لا يستوعب التحولات التي حدثت في بنية الطبقة العاملة ولا يبذل مجهودا ليتواكب مع هذه التحولات".. ومن ثم تمردت الطبقة العاملة عليه وعلي الحكومة ونزلت إلي عرض الطريق كي تحقق مطالبها بنفسها.. دون أن تخشي شيئا.. مستفيدة من ظاهرة جديدة هي مساندة منظمات المجتمع المدني.. وتحت سمع وبصر بطاريات الإعلام القوية والضاغطة.. وبدعم من التنظيمات النقابية الرافضة للخصخصة في دول مختلفة من العالم.

إن الحكومة لا تواجه تمرد شركة بعينها.. ولا مطالب فئة بمفردها.. وإنما تواجه غضب فئات وشركات وجماعات وتنظيمات متنوعة تساندها قوة إعلامية هائلة وجماعات مدنية في الداخل والخارج.. وهي أضعف من أن تواجههم بمفردها.. ولا تملك إلا تنفيذ ما يطلب منها.. فالبديل تدخل الأمن وتحويل الشوارع إلي سلخانات بشرية.

ولو كانت الحكومة عاجزة عن مواجهة هذه الاحتجاجات وأضعف من ألا تستجيب لمطالبها فلماذا تصر علي إلغاء الدعم ودفع تكاليف المعيشة وإسقاط ملايين إضافية من الفئات المستوردة من الهاوية إلي حضيض الفقر؟.. لماذا تدفع الجميع إلي إعلان الثورة الشعبية عليها؟.. إننا لم نعد نحتمل.. ولم يعد لدينا ما نبكي عليه.. ولم نعد نشعر بأنها حكومة تمثلنا وتعبر عنا وتحقق مصالحنا.. ولم نعد في الوقت نفسه.. نخشاها.. أو نخاف منها.. أو نعمل حسابا لها.. ولو كانت تدفع بنا إلي الجحيم فلنذهب نحن وهي معا إلي هناك.. إن موقفنا من هذه الحكومة التي لا تمشي هو موقف الحياة من كل كائن مشلول.. وموقف المجتمع من كل عضو لا ينتج.. وموقف صاحب الأرض من كل شجرة لا تثمر.. الإهمال.. ثم القطع.. ثم وضعها في موقد. _ الفجر _