|

وقائع دامية
سجلتها هويدا طه بعيون مصرية
وراء الشمس: ساعات الرعب فى مصر
كشف الفيلم الوثائقى
الذى أعدته قناة الجزيرة الفضائية القطرية عن وقائع
دامية داخل أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز المختلفة فى
مصر المحروسة، وهو فى حقيقته يجسد عبر الشاشة تفاصيل
مؤلمة عاشها مواطنون مصريون أبرياء قادهم حظهم العاثر
إلى قسم شرطة، أو السير بجوار الباشا الضابط الذى ربما
لا يجعله ابتسامة أو تكشيرة أى مواطن فرضت عليه الظروف
أن يصبح دون سابق إنذار بجوار الباشا، وما أكثر
الباشاوات الذين ينتهكون أدمية الإنسان المصرى فى وضح
النهار من دون أى رادع دينى أو إنسانى.
تعود وقائع القضية
إلى يوم الاثنين 8 يناير 2007 أثناء تواجد هويدا طه
متولى المنتجة بقناة الجزيرة الإخبارية بمطار القاهرة
للمغادرة متوجه إلى مدينة الدوحة بقطر قامت جمارك
المطار بتفتيش أمتعتها فوجدت فيها عدد خمسين شريط
فيديو كاسيت وجهاز كمبيوتر محمول.. بسؤالها عنها أفادت
بأنها مواد إخبارية خاصة بقناة الجزيرة الإخبارية
وأبرزت لهم تصريحا بتصدير عدد خمسين شريط صادر عن
المركز الصحفى لشئون المراسلين الأجانب. فقامت الجمارك
بالتحفظ على المضبوطات لفحصها فنيا بمعرفة الرقابة على
المصنفات.. مما ترتب عليه عدم سفر السيدة هويدا.
وفى يناير الماضى
أرسلت نيابة أمن الدولة العليا طلب حضور للسيدة هويدا
طه تخطرها بضرورة الحضور للمثول أمام النيابة للتحقيق
بجلسة 13 يناير أمام رئيس النيابة فى القضية رقم 11
لسنة 2007 حصر تحقيق نيابة أمن الدولة العليا
القضية رقم 11 لسنة
2007 حصر تحقيق نيابة أمن الدولة العليا:
بجلسة 13 يناير مثلت
السيدة هويدا طه أمام نيابة أمن الدولة حيث تبين أن
واقعة التحفظ التى جرت فى المطار حرر عنها محضر قيد
برقم 11 لسنة 2007 حصر تحقيق نيابة أمن الدولة. وباشر
السيد رئيس النيابة التحقيق معها حيث استمر التحقيق فى
اليوم الأول من الساعة الواحدة ظهرا وحتى الساعة
السابعة مساء. حيث حضر معها عدد كبير من المحامين
ومنظمات حقوق الإنسان. وجهت النيابة العامة لهويدا طه
اتهامين هما:مباشرة نشاط من شأنه الإضرار بالمصالح
القومية للبلاد، وكان ذلك بطريق تسجيل وتصوير مواد
إخبارية ووثائقية غير مرخص بها. وحيازة ونقل صور من
شأنها الإساءة إلى سمعة البلاد، وذلك بمخالفة الحقيقة
وإعطاء وصف غير صحيح وإبراز مظاهر غير لائقة. أما
الأحراز. فهى عدد خمسين شريط فيديو كاسيت منها 34
شريطا خاما غير مستخدم، وعدد 16 شريطا تحتوى على مواد
وثائقية مسجلة عن وقائع تعذيب ومقابلات مع ضحايا
وشخصيات عامة ومشاهد تمثيلية لوقائع تعذيب.
و جهاز كمبيوتر محمول
لاب توب.
وقال تقرير هيئة
الرقابة على المصنفات: إنه بعد فحص عدد 16 شريطا فيديو
تبين أنها تحتوى على مشاهد تمثيلية غير منتجة يقوم بها
بعض المبتدئين والهواة غير المحترفين ضمن سيناريو
كتابى غير مرخص رقابيا من الهيئة. وأن هذه المشاهد
التمثيلية تركز على فكرة انتشار ظاهرة التعذيب التى
يتعرض لها المواطن البسيط فى قضايا عادية بعيدة عن
السياسة و تظهر أن هذه الظاهرة جزء من نظام الحكم فى
مصر. وزاد: وبفحص جهاز الكمبيوتر المحمول تبين أنه
يحتوى على مواد مكتوبة لبرنامج بعنوان كن معهم يدور
حول الجمعيات الأهلية فى الدول العربية ومنها مصر..
وخطة مكتوبة لبرنامج باسم وراء الشمس . كما تبين
احتواءه على مواد كتابية ومنه تقرير بعنوان المؤتمر
الأول لحركة كفاية ، كما يحتوى على نسخة مكتوبة من
الدستور وتقرير بعنوان القضاء .
وقالت هويدا طه بأنها
كانت فى مجال إعدادها لبرنامج عن التعذيب فى أقسام
الشرطة فى الدول العربية وبخصوص الحلقة الخاصة بمصر
قامت بالاتصال بإدارة العلاقات العامة بوزارة الداخلية
وأطلعتهم على برنامجها وطلبت منهم التعاون منها وان
عديد من قيادات الأمن تعاونت معها خاصة عند تصوير
وقائع دورة حقوق الإنسان لضباط الشرطة وأنهم يظهرون
معها فى الصور الموجودة بالشريط الخاص بذلك. كما أفادت
بأنها سلمت الوزارة شريطا يحتوى على بعض أقوال المجنى
عليهم فى وقائع التعذيب للإطلاع عليها وتحديد مسئول
أمنى يقوم بالرد على ما ورد بها. أما بخصوص المشاهد
التمثيلية فإن المعتاد فى البرامج الوثائقية أن يتضمن
البرنامج رواية بصوت الشاهد يصاحبها تصوير تمثيلى
للحدث كوسيلة توضيحية وضربت على ذلك مثالا من البرامج
الوثائقية التى أذيعت على قناة الجزيرة مثل برنامج
اغتيال حسن البنا وبرنامج اغتيال السادات والتى تضمنت
مشاهد تمثيلية لوقائع ما رواه ضيوف البرنامج كنوع من
الوسيلة الإيضاحية. كذلك ضربت مثالا على ذلك ببرنامج
خلف الأسوار الذى يذاع بالتليفزيون المصرى حيث تتضمن
الحلقات مشاهد تمثيلية لوقائع الجرائم التى تدور حولها
الحلقة. وأن هذا أسلوب روتينى معروف فى البرامج
الوثائقية. وأنه عند عرض الفيلم بشكله النهائى يتم
التنويه عن أن المشاهد المعروضة مشاهد تمثيلية
توضيحية.
وتحت عنوان يوميات
مراسل صحفى فى دولة مستبدة نشرت هويدا طه فى القدس
العربى سلسلة مقالات استعرضت خلالها قصة الفيلم
الوثائقى وما واجهته أثناء إعداده ولدى خروجها من
المطار وما تلاه من خضوعها لتحقيقات مطولة حول اتهامات
وجهت إليها بالإساءة إلى سمعة البلاد وإثارة الرأى
العام.
وروت طه القصة
الكاملة لما أثير حول فيلم الجزيرة الوثائقى وراء
الشمس الذى يتناول التعذيب فى أقسام الشرطة المصرية
القضية رقم 11 حصر أمن دولة عليا ، مستشهدة بأبيات
شعرية: لأبو العلاء المعرى: لو أنى كلبٌ.. لاعترتنى
حَمِيةٌ.. لجَروى.. أن يلقى كما لقى الإنسُ، ثم أحمد
مطر:لفردُ فى بلادنا... مواطنٌ.. أو سلطانْ.. ليس
لدينا إنسانْ. كيف بدأت فكرة فيلم وراء الشمس؟ أجابت
طه: أعمل فى قناة الجزيرة معدة ومنتجة للبرامج
الوثائقية.. و شرعت فى الإعداد لسلسلة برامج وثائقية
طويلة أو ما يسمى أحيانا أفلام تسجيلية.. شرعت فى
الإعداد للحلقة الأولى عن مصر واخترت أبرز قضية حقوقية
تغلى فى مصر.. وهى ما تقول المنظمات الحقوقية المصرية
والدولية كذلك إنه تفش ٍ لظاهرة تعذيب المواطنين- حتى
الموت أحيانا- فى أقسام الشرطة المصرية. فى اليوم
التالى توجهت إلى المطار.. أقول لنفسى.. بمجرد وصولى
إلى الدوحة سوف أنام بضعة أيام قبل أن أستعيد طاقتى من
جديد.. للعمل على هذا الكم من الشرائط والشرائط
السابقة التى تم تصويرها فى الصيف.. حملت على كتفى
حقيبة أضع بها الكمبيوتر الشخصى المحمول.. وبه كل عملى
وموادى البحثية ومشروعات المستقبل.. بينما حملت فى يدى
حقيبة الشرائط.. الستة عشر..
فتحت بوابة الخروج
إلى حيث الطائرة.. بدأ الركاب يخرجون إلى أرض المطار
حيث الطائرة.. كنت من ضمن الركاب.. السيدة هويدا طه
متولى.. السيدة هويدا طه متولى.. سمعت اسمى فى
الميكروفون.. ثم سمعته للمرة الثانية.. توجهت إلى
المسئول على البوابة.. ذلك الذى يسلم كعب تذكرة
الطائرة قلت له: عفوا أنا سمعت اسمى.. لم يرد إذ سارع
أحدهم وكان يقف إلى جواره.. قائلا اتفضلى.. وأخذ جواز
سفرى.. ثم اصطحبنى بعيدا إلى مكتب أمن المطار، ودخلت
إلى الطائرة.. لكن كيف بهذه السرعة؟ هى لم تدخل إذن من
الأساس إلى الطائرة.. فتح شنطى.. فتش بين ملابسى..
أخرج كتبى وراح يقرأ العناوين.. تاريخ الأوبرا؟ إنتى
بتقرى الحاجات دى؟ تجليات الغيطانى؟ إبراهيم أصلان..
الإمبراطورية الأمريكية؟ تناقضات الحداثة فى مصر؟ إنت
مثقفة بقى.. هنا فقط.. هنا فقط.. بدأت أتوتر.. أضيق
ذرعا بهذا الغباء.. هنا فقط.. أدركت أن الطائرة
أقلعت.. أننى لن أنم لعدة أيام كما كنت على وشك أن
أفعل.. غضبت من طريقة تقليبه فى كتبى.. نبش باقى
حقائبى وكأنه ينبش قبرا أو ينهش فرائس وقعت فى يده
بالجملة.. نحى حقائب الشرائط جانبا.. نحى اللاب توب
جانبا.. وبدأ ينهش كتبى.. استخرج منها كتبا اشتريتها
من وسط المدينة عن التعذيب.. تملكنى الغضب.. لم أعرف
إلى أى قدر كان صوتى عاليا.. أدركت أنه عال عندما وجدت
الزحام يزداد حولنا.. زاد بروده من غضبى.. صرخت قائلة:
أنا حرة.. أقرا اللى انا عايزاه فى الوقت اللى انا
عايزاه فى المكان اللى انا عايزاه.. مفيش قانون يمنعنى
أقرا كتب اشتريتها من وسط البلد.. دى مش منشورات
سرية.. شيل إيدك عن كتبى هواجس الساعات الثمانية
والأربعين. صباح اليوم التالى.. توجهت إلى القاهرة
مجددا.. نسخة أخرى من شرائطى أخرجتها من مخبأها..
اكتشفت أن مادة واحدة من الشرائط المصادرة هى التى لم
تنسخ.، استمر التحقيق من الثانية عشرة ظهرا حتى
السابعة مساء.. تخللها طلب المحقق جهازا للعرض.. رفع
من تحت مكتبه حقائبى.. آه رأيتها مرة أخرى.. اللاب توب
وحقائب الشرائط.. لكن الكتب لم تكن موجودة.. حتى هذه
اللحظة أشعر بالندم أننى لم أطلب منه أن يعطينى من
حقائبى صور أولادى الموجودة بها.. لابد أنه كان سيسمح
بذلك.. فما معنى أن تظل صور أولادى حتى اليوم حرزا
مضبوطا فى النيابة.. أحيانا تفلت منك فرص لا تأتى إلا
مرة واحدة، ليتنى قلت له إعطنى إياها.. ما علينا.. بدأ
يعرض الشرائط.. ويصف ما يراه.. كانت شرائط المشاهد
التمثيلية تحتوى تكرارا للمشهد لأكثر من عشر مرات..
ذلك أنها لم يتم عليها المونتاج بعد، أوضحت له هذه
المسألة وبدأ هو يجرى الشريط حتى يتخطى التكرار..
وأملى على كاتبه: وقد لاحظنا فى الشريط المدون عليه
عبارة مشاهد تمثيلية 1 أن المشهد يتكرر أكثر من مرة
مما يعنى أنها مادة غير ممنتجة.. ثم قال ممليا كاتبه
ولاحظنا مشهد لفتاة ترتجف على الأرض إثر اعتداء جنسى
عليها... استوقفته حينها وقلت: جنسى إيه يا محمد بيه..
ده مشهد لفتاة ترتجف فى الأرض صحيح.. لكن فين جنسى ده؟
وقام المحامون وساندوا رأيى.. فنظر نحوى المحقق ثم
التفت إلى كاتبه.. وقال له: قوّس عليها دى وابتسم وعاد
لمشاهدة الشرائط.. أحد التعبيرات التى تعلمتها فى تلك
الجلسة من التحقيقات هى عبارة قوّس عليها وهى التى
يقولها المحقق لكاتبه عندما يخطئ فى كتابة كلمة أو فى
هجائها.. ثم فى نهاية الجلسة يوقع عندها باللون
الأحمر.. ما يعنى أنها حذفت من المحضر بعلمه
وموافقته.. وهى العبارة التى رحت أنا أقولها فى
الساعات التالية للكاتب كلما لم أرض عن كلمة ما..
أقول.. لا لا لا.. قوّس على دى... وكان المحقق يبتسم
ويعيد القول لكاتبه.. قوّس عليها!. وتتوقف طهعند غرفة
الحجز وقبل أن يغلق على الباب سمحوا للسائق بالدخول..
جاء ببطانية وكيس آخر فيه عصائر وساندويتشات.. وبدا
عليه التأثر فانحنى على رأسى وقبلها وهو يكاد يبكى..
ضحكت وقلت له.. مفيش حاجة يا أيمن أنا حانام علطول..
خرج بينما سمعت ذلك الصوت المريع.. صوت ترباس مزلاج
الباب وهو يجر بقوة ليغلق الباب... نصحنى الكثيرون
ومنهم المحامون ألا أعود لكتابة مقالى الأسبوعى فى
جريدة القدس العربى إلى أن تنتهى القضية.. لا لا لا..
إلا الكتابة.. لا يأملن أحدكم أن يمنعنى منها ولو خوفا
على.. كيف هذا.. ما أنا إلا كاتبة وأشياء أخرى.. هذه
قضية فشنك! سوف ترتد على باشوات لاظوغلى الذين
فبركوها.. لم أفبرك أنا مشاهد تسيء إلى سمعة البلاد
وإنما فبركوا هم قضية فضحتهم بجلاجل فى العالم..._
الأهالي _
سعيد السويركى
|